3053 - (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر الباء الموحدة، ابن عقبة، قال الجيَّاني لا أحفظُ لقبيصة عن ابن عُيينة شيئًا في (( الجامع ) )، ورواية ابن السَّكن بدل قبيصة.
قلتُ وقع هكذا قبيصة ثنا ابن عُيينة عند أكثر الرُّواة عن الفِرَبري، وكذا في رواية النَّسفي، ولم يقع في البخاريِّ لقبيصة رواية عن سفيان بن عيينة إلَّا هذه الرِّواية، وروايته فيه عن سفيان الثَّوري كثيرة جدًّا.
وقيل لعلَّ البخاري سمع الحديث منهما غير أنَّه لا يحفظ لقبيصة عن ابن عُيينة شيء في (( الجامع ) )، ولا ذكره أبو نصر فيمن روى في (( الجامع ) )عن غير الثَّوري.
(حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّهُ قَالَ يَوْمُ الْخَمِيسِ) خبر مبتدأ محذوف أو بالعكس نحو يوم الخميس يوم الخميس، نحو أنا أنا والغرض منه تفخيمُ أمره في الشدَّة (وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ) أي أيَّ يوم يوم الخميس، وهذا أيضًا لتعظيم أمره في الذي وقع فيه.
(ثُمَّ بَكَى حَتَّى خَضَبَ دَمْعُهُ) أي رَطَّبَ وبَلَّلَ (الْحَصْبَاءَ فَقَالَ اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ فَقَالَ ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا فَتَنَازَعُوا) وقد مرَّ في كتاب العلم، في باب كتابة العلم [خ¦114] بعض هذا الحديث عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما وفيه (( ائتوني بكتاب أكتبُ لكم كتابًا لا تضلُّوا بعده ) )قال عمر رضي الله عنه إنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا وكثر اللَّغط قال (( قوموا عنِّي ولا ينبغي عندي التَّنازع ) )الحديث، وهذا يوضِّح معنى قوله (( فتنازعوا ) ).
(وَلاَ يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ) قال الكرماني ولفظ ولا ينبغي، إمَّا قول
ج 14 ص 56
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإمَّا قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما، والسِّياق يحتملهما، والموافق لسائر الرِّوايات الأولى.
وقال العينيُّ لا حاجة إلى هذا التَّرديد؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم صرَّح في الحديث الذي سبق في كتاب العلم بقوله (( ولا ينبغِي عندي التَّنازع ) )والعجبُ منه ذلك مع أنَّه قال ومرَّ شرح الحديث في كتاب العلم [خ¦114] .
(فَقَالُوا أَهَجَرَ) ويروى بدون الهمزة (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أطلق بلفظ الماضي لما رأوا فيه من علامات الهجرة عن دارِ الفناء.
وقال ابن بطَّال قالوا هجر؛ أي اختلط، وأهجر أفحش. وقال ابن التِّين يقال هجر العليل إذا هذى يهجر هجرًا بالفتح، والهجر، بالضم الإفحاش. وقال ابنُ دريد يقال هجر الرَّجل في المنطق إذا تكلَّم بما لا مَعنى له، وأهجر إذا أفحش.
قال العيني هذه العبارات كلُّها فيها ترك الأدب والذِّكر بما لا يليق بحقِّ النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولقد أفحش من أتى بهذه العبارة، فانظر إلى ما قاله النَّووي أهجر، بهمزة الاستفهام الإنكاري؛ أي أنكروا على من قال لا تكتبوا؛ أي لا تجعلوه كأمر من هذى في كلامه، وإن صحَّ بدون الهمزة فهو أنَّه لما أصابته الحيرة والدَّهشة لعظيم ما شاهد من هذه الحالة الدالَّة على وفاته وعظمِ المصيبة أجرى الهجر مجرى شدَّة الوجع.
وقال الكِرماني وهذا مجازٌ؛ لأنَّ الهذيان الذي للمريض مستلزم لشدَّة وجعه، فأطلق الملزوم وأريد اللَّازم. وقال العيني لو كان بتحسين العبارة لكان أولى.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (دَعُونِي) أي اتركوني ولا تنازعوا عندي وبعدي (فَالَّذِي أَنَا فِيهِ) من المراقبة والتأهُّب للقاء الله عزَّ وجلَّ والفكر في ذلك ونحوه (خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ) من الكتابة ونحوها (وَأَوْصَى) صلى الله عليه وسلم (عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلاَثٍ أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) أخرجوا أمرٌ من الإخراج، ولم يتفرَّغ لذلك أبو بكر رضي الله عنه فأجلاهُم عمر رضي الله عنه.
ج 14 ص 57
قيل كانوا أربعين ألفًا، ولم ينقل عن أحد من الخلفاء أنَّه أجلاهم من اليمن مع أنَّها من جزيرة العرب.
وروى أحمد من حديث أبي عبيدة بن الجرَّاح رضي الله عنه (( أخرجوا يهودَ الحجاز وأهلَ نجران من جزيرة العرب ) )وإنَّما أخرج أهل نجران من الجزيرة، وإن لم يكن من الحجاز؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم صالحهم على أن لا يأكلوا الرِّبا فأكلوهُ، رواه أبو داود من طريق ابن عبَّاس رضي الله عنهما.
وقال أحمدُ بن المعدل حدَّثني يعقوب بن محمَّد بن عيسى الزُّهري قال قال مالك بن أنس جزيرة العرب [1] المدينة ومكَّة واليمامة واليمن. وفي رواية ابن وهب عنه مكَّة والمدينة واليمن.
وعن المغيرة بن عبد الرَّحمن مكَّة والمدينة واليمن وقرياتها. وعن الأصمعي هي ما لم يبلغْه ملك فارس من أقصى عدن إلى أطراف الشَّام، هذا الطُّول، والعرض من جدَّة وما والاها إلى ريف العراق. وفي رواية أبي عبيد عنه الطُّول من أقصى عدن إلى ريف العراق، وعرضها من جدَّة وما والاها من ساحلِ البحر إلى أطراف الشَّام.
وقال الشَّعبي هي ما بين قادسية الكوفة إلى حضرموت. وقال أبو عبيدة هي من أرض العراق إلى أقصى اليمن في الطُّول، وأمَّا في العرض فما بين رَمْلِ يَبْرينَ إلى منقطَعِ السَّماوة. وقال البكري قال الخليل سمِّيت جزيرة العرب؛ لأنَّ بحرَ فارس وبحرَ الحبش والفرات ودجلة أحاطتْ بها، وهي أرضُ العرب ومعدنها.
وقال أبو إسحاق الحربي أخبرني عبدُ الله بن شبيب، عن زبير، عن محمَّد بن فَضالة إنَّما سمِّيت جزيرة العرب لإحاطة البحر بها والأنهار من أقطارها وأطرافها، وذلك أنَّ الفرات أقبل من بلاد الرُّوم فظهر بناحية قنِّسرين، ثمَّ انحطَّ عن الجزيرة وهي ما بين الفرات ودجلة، وعن سواد العراق حتَّى دفع في البحر من ناحية البصرة والأيلة، وامتدَّ البحر من ذلك الموضع مغربًا مطيفًا ببلاد العرب منقطعًا عنها فأتى منها
ج 14 ص 58
على صفوان وكاظمة ونفذَ إلى القطيفِ وهجر وأسياف عمان، وسال منه عنق إلى حضرموت إلى أبين وعدن ودهلك، واستطال ذلك العُنق فطعنَ في تهائمِ اليمن بلاد حَكَمٍ والأشعريين وعك، ومضى إلى جدَّة ساحل مكَّة، وإلى الجار ساحل المدينة، وإلى ساحل تيما وأيلة حتَّى بلغ إلى قلزم مصر، وخالط بلادها وأقبل النيل في غربي هذا العنق من أعلى بلاد السُّودان مستطيلًا معارضًا للبحر حتَّى دفع في بحر مصر والشَّام، ثمَّ أقبل ذلك البحر من مصر حتَّى بلغ بلاد فلسطين، ومرَّ بعسقلان وسواحلها، وأتى على صور بساحل الأردن، وعلى بيروت ودونها من سواحل دمشق، ثمَّ نفذ إلى سواحل حمص وسواحل قنسرين حتَّى خالط النَّاحية التي أقبل منها الفرات منحطًا على أطراف قنسرين، والجزيرة إلى سواد العراق فصارت بلاد العرب من هذه الجزيرة التي نزلوها على خمسة أقسام تهامة والحجاز ونجد والعروض واليمن، والله تعالى أعلم.
(وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ) أجيزوا من الإجازة، يقال أجازهُ بجوائز؛ أي أعطاه عطايا، وقد مرَّ تفسير الجائزة بالعطيَّة ويقال الجائزة قدر ما يجوز به المسافر من منهل إلى منهل، وجائزته يوم وليلة ويقال أصله أن قَطَن، بفتح القاف والطاء المهملتين، ابن عبد عوف والي فارس مرَّ به الأحنف في جيشه غازيًا إلى خراسان، فوقف الرَّجل على قنطرة، فقال الأحنف أجيزوهُم فجعل ينتسب الرَّجل فيُعطيه على قدر نسبه، وما ألطف من قال
~إِنَّ العَطَايَا فِي زَمَانِ اللُّؤْمِ قَدْ صَارَتْ مُحَرَّمَةً وَكَانَتْ جَائِزَة
وقد مرَّ تفسير الوفد، والمعنى أكرموهم بالضِّيافة والتَّطييب لأنفسهم والإعانة لهم سواء كانوا مسلمين أو كافرين.
(بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ) قال ابن التِّين ورد في رواية أنَّها القرآن،
ج 14 ص 59
وعن المهلَّب هي تجهيز جيش أسامة بن زيد [2] .
قال ابن بطَّال كان المسلمون اختلفوا في ذلك على الصِّدِّيق رضي الله عنه، فأعلمهم أنَّه صلى الله عليه وسلم عهد بذلك عند موته.
وقال القاضي عياض يحتمل أنَّها قوله (( لا تتخذوا قبري وثنًا يعبد ) )فقد ذكر مالك معناه مع إجلاء اليهود. وفي (( التَّوضيح ) )يمنع كلُّ كافرٍ عندنا وعند مالك من استيطان الحجاز، ولا يمنعون من ركوب بحره، ولو دخل بغير إذن الإمام أخرجه وعزره إن علم أنَّه ممنوع، فإن استأذن في دخوله أذن الإمام أو نائبه فيه إن كان مصلحة للمسلمين كرسالة، وحمل ما يحتاج إليه.
وعن أبي حنيفة جواز سُكناهم في الحرم، ويمنعُ دخول مكَّة، قال الله تعالى {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} [التوبة 28] والمراد به هنا جميع الحرم، وقال صلى الله عليه وسلم (( إنَّ الشَّيطان أيس أن يعبدَ في جزيرة العرب ) )فلو دخله ومات لم يدفن فيه، وإن مات في غير الحرم من الحجاز وتعذَّر نقله دفن هناك، وحرم المدينة لا يلحق بحرم مكَّة فيما ذكر، لكن استحسن الرُّوياني أن يُخْرَجَ منه إذا لم يَتَعذَّر الإخراج ويُدْفَن خارجه.
قال العينيُّ مذهب أبي حنيفة أنَّه لا بأس بأن يدخل أهل الذمَّة المسجد الحرام؛ لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنزل وفد ثقيف في مسجده وهم كفَّار، رواه أبو داود، والآية محمولة على منعهم أن يدخلوها مستولين عليها، ومستعلين على أهل الإسلام من حيث التَّدبير والقيام بعمارة المسجد، فإنَّ قبل الفتح كانت الولاية والاستعلاء لهم، ولم يبق ذلك بعد الفتح أو هي محمولة على كونهم طائفين الكعبة حال كونهم عراة، كما كانت عادتهم في الجاهليَّة.
وقد مرَّ وجه مطابقة الحديث للتَّرجمة في أوَّل الباب، والحديث قد أخرجه البُخاري في (( المغازي ) ) [خ¦4432] ، و (( الجزية ) )أيضًا [خ¦3168] ، وأخرجه مسلم في (( الوصايا ) )، وأبو داود في (( الخراج ) )، والنَّسائي في (( العلم ) ).
(وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي ابن عيسى الزُّهري
ج 14 ص 60
(سَأَلْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَقَالَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَالْيَمَنُ) وهذا الأثر المعلَّق وصله إسماعيل القاضي في كتاب (( أحكام القرآن ) )عن أحمد بن المعدل، عن يعقوب بن محمَّد، عن مالك بن أنس مثله، وقد ذكرناه آنفًا.
(وَقَالَ يَعْقُوبُ) المذكور (وَالْعَرْجُ) بفتح العين المهملة وسكون الراء وآخره جيم (أَوَّلُ تِهَامَةَ) بكسرة المثناة الفوقية، هو اسمٌ لكلِّ ما نزل عن نجدٍ من بلاد الحجاز، والعَرْجُ منزل بين طريق مكَّة وتهامة. وقال البكريُّ العرجُ قرية جامعة على طريق مكَّة.
[1] في هامش الأصل جزيرة العرب هي ما بين عدن إلى ريف العراق طولًا، ومن الجدة إلى أطراف الشام عرضًا، وسميت جزيرة لإحاطة البحار بها من نواحيها. كرماني.
[2] في هامش الأصل وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بعد حجته بالمدينة بقية الحجة، وما زال يذكر بقتل زيد بن حارثة وجعفر وأصحابه، ووجد عليهم وجدًا شديدًا، فلما كان يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة دعا أسامة بن زيد وقال (( سر إلى موضع مقتل أبيك _ فإنه قتل بمؤتة من أرض الشام سنة ثمان _ فأوطئهم بالخيل فقد وليتك هذا الجيش فأغر صباحًا على أهل أُبْنَى وحرَّق عليهم وأسرع السير فإن ظفرك الله تعالى فأقلل اللبث فيهم، وخذ معك الأدلاء وقدم العيون والطلائع أمامك ) )، فلما كان يوم الأربعاء بدئ برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فصدع وحم، فلما أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواء بيده ثمَّ قال (( أغز بسم الله، قاتل من كفر بالله ولا تغدر ولا تقتل وليدًا أو امرأة، ولا تمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون لعلكم تبتلون بهم، ولكن قولوا اللَّهمَّ اكفناهم بما شئت، واكفف بأسهم عنا ) )فخرج إلى الجرف وعسكر به، ولم يبق أحد من المهاجرين الأولين إلا انتدب في تلك الغزوة في رجال آخرين من الأنصار فقال رجال من المهاجرين كان أشدهم في ذلك قولًا عباس بن ربيعة يستعمل هذا الغلام على المهاجرين، وكثرت المقالة وسمع عمر ذلك فرده على من تكلم به، وأخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم، فغضب غضبًا شديدًا، وخرج يوم السبت وقد عصب رأسه بعصابة وعليه قطيفة، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه فقال أما بعد أيها الناس، فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة والله لئن طعنتم في إمارته لقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وايم الله إن كان للإمارة خليقًا وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة، ثمَّ نزل فدخل بيته وثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول (( انفذوا بعث أسامة ) )ثمَّ إنه يوم الأحد ثقل في مرضه، فجعل يقول (( انفذوا بعث أسامة بعسكره وهو مغمور فقال له أغز على بركة الله ) )، وودعه أسامة فخرج ونادى بالرحيل، فبينما هو يريد الركوب أتاه رسول أمه أم أيمن يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يموت فأقبل وأقبل معه أبو عبيدة وعمر، وكانا في السرية فانتهوا إليه وهو يجود بنفسه فمات ذلك اليوم حين زاغت الشمس ودخل العسكر، فلما بويع لأبي بكر بعث الصديق، وذلك أنه لما مات صلى الله عليه وسلم دخل بريدة بن الحصيب باللواء معقودًا فغرزه عند باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بويع الصديق أمر بريدة أن يذهب باللواء إلى أسامة ليمضي لوجهه وأن لا يحله حتَّى يغزوهم، وأخذ الناس بالخروج فعسكروا بمحلهم الأول، وخرج بريدة باللواء ومشى أبو بكر إلى أسامة في بيت فكلمه في أن يأذن لعمر في التخلف ففعل، وخرج فنادى مناديه عزمة مني لا يتخلف عن أسامة من بعثه أحد، وخرج أبو بكر ثمَّ ودعه فانصرف هلال ربيع الآخر، فسار إليهم عشرين ليلة في ثلاثة آلاف فيهم ألف فرس حتَّى أرهق قاتل أبيه، وسبى وحرق منازلهم وحرثهم ونخلهم، وأجال الخيل في عرصاتهم، وأقاموا يومهم ذلك في تعبية المغانم، فلما أمسى أمر الناس بالرحيل، ثمَّ جد السير فوردوا وادي القرى في تسع ليال، ثمَّ بعث بشيرًا إلى المدينة يخبرهم، ثمَّ رجع إلى المدينة وما أصيب من المسلمين أحد، وخرج أبو بكر رضي الله عنه وأهل المدينة يتلقونهم سرورًا بسلامتهم، ودخل على فرس أبيه شبحه واللواء أمامه حتَّى انتهى إلى باب المسجد، فدخل فصلى ركعتين ثمَّ انصرف إلى بيته، وبلغ هرقل وهو عليل ما صنع أسامة، فبعث رابطة يكونون بالبلقاء من الشام فلم تزل هناك حتَّى قدمت البعوث في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. منه.