282 - (حَدَّثَنَا عَبدُ اللهِ بنُ يُوسفُ) التِّنِّيسي (قَالَ أَخْبَرنَا مَالِكُ) إمام دار الهجرة (عَنْ هِشَامِ بنُ عُروةَ عَنْ أبْيهِ)
ج 2 ص 455
عروة بن الزبير بن العوام رضي الله عنه (عَنْ زينبَ بنتِ أبِي سَلَمَة) عبد الله بن عبد الأسد المخزومي.
وفي (( تذهيب التهذيب ) ) (أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، أحد السابقين، عبد الله أخو النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، وذكر البخاري هذا الحديث في باب الحياء في العلم [خ¦130] ، فنسبها إلى أمها حيث قال «بنت أم سلمة» ، وهنا إلى أبيها، والمعنى واحد) .
(عَن أُمِّ سَلَمَة) أمِّ المؤمنين رضي الله عنها، واسمها هند بنت أبي أمية حذيفة، أو سهيل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، كانت قبل النبي صلى الله عليه وسلم عند أبي سلمة، ورجال هذا الإسناد كلهم مدنيون ما خلا عبد الله بن يوسف، وقد أخرج متنه الأئمة الستة.
(أَنَّها قَالتْ جَاءتْ أُمُّ سليمٍ) بضم السين المهملة وفتح اللام، واختلف في اسمها، فقيل سهلة، وقيل رُمَيْلة، وقيل رُمَيْثة، وقيل مُلَيْكة، وقيل الغُمَيصاء، وقيل الرُّمَيْصَاء، وأنكره أبو داود وقال الرُّمَيصَاء أختها، وعند ابن سعد أُنَيْفَة، وأنكره ابن حبان.
وأم سليم هي بنت ملحان الخزرجية النجارية، والدة أنس بن مالك زوجة أبي طلحة رضي الله عنهم، كانت فاضلة دينة، وكانت أسلمت مع السابقين إلى الإسلام من الأنصار، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يزورها فتُتْحفه بالشيء تصنَعُه له، ولهما في هذا الصحيح حديثان.
(امرأة ُأَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري البدري النقيب، الكبير القدر (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) أي لا يأمر بالحياء في الحق، أو لا يمنع من ذكر الحق، وإلا فإن الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان عند ظهور ما يذم أو يعاب منه، وهو مستحيل في حقه تعالى، وقد يقال إنما يحتاج إلى التأويل في الإثبات وأما في النفي فلا، لكن لما كان المفهوم يقتضي أنه يستحيي من غير الحق عاد إلى جانب الإثبات فاحتيج إلى تأويله، قاله ابن دقيق العيد.
ثمَّ المراد بالحياء هنا معناه اللغوي، إذ الحياء الشرعي خيرٌ كله، وإنما قدمت هذا القول تمهيدًا لعذرها في ذكر ما يستحيى منه.
(هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ) أي غسل فكلمة (من) زائدة، وقد سقطت من رواية المؤلِّف في الأدب [خ¦6091] (إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ) وعند أحمد من حديث أم سلمة أنها قالت (( يا رسول الله إذا رأت المرأة أن زوجها يجامعها في المنام أتغتسل؟ ) ).
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَعَمْ)
ج 2 ص 456
يجب عليها الغسل (إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ) أي المني بعد استيقاظها من النوم، فالرؤية بصرية فيتعدى إلى واحدٍ، ويحتمل أن تكون علمية فيتعدى إلى مفعولين الثاني مُقَدَّر؛ أي إذا رأت الماء موجودًا.
قال أبو حيان وحذف أحد مفعولي رأى وأخواتها عزيز، وأما حذفهما جميعًا اختصارًا فجائزٌ، ومنه قوله تعالى {أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى} [النجم 35] ، والظاهر أنها هاهنا بصرية، ثمَّ إنه قد وقع في باب الحياء في العلم عند المؤلِّف [خ¦130] بعد قوله (إذا رأت الماء) ، فغطَّت أم سلمة؛ يعني وجهها وقالت يا رسول الله، أوَتحتلم المرأة؟ قال (( نعم تربت يمينك فبم يشبهها ولدها ) )، وفي لفظٍ له [خ¦3328] بعد قوله إذا رأت الماء، فضحكت أم سلمة فقالت أتحتلم المرأة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( فبم يُشْبِهُ الولد ) )، ويجمع بينهما بأنها تبسمت تعجبًا، وغطت وجهها حياءً، وفي لفظٍ قالت أم سلمة «فقلت يا أم سليم، فَضَحْتِ النساء» .
وعند مسلم من حديث أنسٍ رضي الله عنه أن أم سليم حدثت أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة عنده، فقالت يا رسول الله، المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام، ومن نفسها ما يرى الرجل من نفسه، فقالت عائشة رضي الله عنها يا أم سليم، فَضَحْتِ النساء، تربت يمينك [1] ، فقال لها (( مَهْ، بل أنت تربت يمينك، نعم، فلتغتسل يا أم سليم ) )، وفي لفظٍ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا كان منها ما يكون من الرجل فلتغتسل ) )، وفي لفظ عائشة «فقلت لها أترى المرأة ذلك» ؟. وفي لفظ «تربت يداك» ، قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( دعيها تربت يمينك وأُلَّت، وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه ) )، وفي لفظ أبي داود أتغتسل أم لا؟ فقال (( تغتسل إذا وجدت الماء ) )، وفي لفظٍ والمرأة عليها غسل؟ قال (( نعم، إنما النساء شقائق الرجال ) ).
وعند ابن أبي شيبة فقال (( هل تجد شهوةً؟ ) )قالت لعله، قال (( هل تجد بللًا؟ ) )قالت لعله، فقال (( فلتغتسل ) )فلقينها النسوة، فقلن فضحتِنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت والله ما كنت لأنتهي حتى أعلم في حِلٍّ أنا أم في حرام، وهذا يدل على أن كتمان ذلك من عادتهن؛ لأنه يدل على شدة شهوتهن للرجال.
وعند الطبراني في (( الأوسط ) )قلت يا رسول الله أمرٌ يُقَربِّني إلى الله أحببت أن أسألك عنه، قال (( أصبت يا أم سليم ) )فقلت، الحديث، وعند البزار فقالت أم سلمة وهل للنساء من ماء؟ قال (( نعم إنما هُنَّ من شقائق الرجال ) ).
ج 2 ص 457
قال ابن المنذر أجمع كل من يحفظ عنه العلم أن الرجل إذا رأى في منامه أنه احتلم، أو جامع ولم يجد بللًا أن لا غسل عليه، واختلفوا فيمن رأى بللًا ولم يتذكر احتلامًا، فقالت طائفةٌ يغتسل، روينا ذلك عن ابن عباسٍ والشعبي وسعيد بن جبير والنخعي، وقال أحمد أحب إلي أن يغتسل إلا رجلٌ به أدرة، وقال أبو إسحاق يغتسل إذا كانت بلة نطفة، وروينا عن الحسن أنه قال إذا كان انتشر إلى أهله من أول الليل فوجد من ذلك بِلَّة، فلا غسل عليه، وإن لم يكن كذلك اغتسل، وفيه قول ثالث، وهو أن لا يغتسل حتى يوقن بالماء الدافق، هكذا قال مجاهد، وهو قول قتادة.
وقال مالك والشافعي وأبو يوسف يغتسل إذا علم بالماء الدافق.
وقال الخطابي ظاهره يوجب الاغتسال إذا رأى البلة وإن لم يتيقن أنه الماء الدافق، وروي هذا القول عن جماعة من التابعين.
وقال أكثر أهل العلم لا يجب عليه الاغتسال حتى يعلم أنه بلل الماء الدافق.
وقال ابن عبد البر فيه دليل على أن النساء ليس كلهن يحتلمن، ولهذا أنكرت عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما، وقد تقدم الاختلاف في بعض الرجال، فالنساء أجدر أن يعدم ذلك فيهن، وقد قيل إن إنكار عائشة لذلك كان لصغر سنها أو كونها مع زوجها؛ لأنها لم تحض إلا عنده ولم تفقده فقدًا طويلًا إلا بموته صلى الله عليه وسلم فلذلك لم تعرف في حياته الاحتلام؛ لأن الاحتلام لا تعرفه النساء، ولا أكثر الرجال إلا عند عدم الجماع بعد المعرفة بلذته، فإذا فقد النساء أزواجهن احتلمن. والوجه الأول أصح وأولى على ما قيل؛ لأن أم سلمة رضي الله عنها فقدت زوجها، وكانت كبيرة عالمة بذلك، وأنكرت ما أنكرت عائشة، فدل على أن من النساء من لا تُنْزِلُ الماء في غير الجماع الذي يكون في اليقظة). انتهى.
ولقائلٍ أن يقول إن أم سلمة أيضًا تزوجت أبا سلمة شابة، ولما توفي عنها تزوجها سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم لاسيما مع شغلها بالعبادة، أو قالته إنكارًا على أم سليم حيث واجهت به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويؤيده قوله (( وغطت وجهها ) ).
وقال ابن بطالٍ (فيه دليلٌ على أن كل النساء يحتلمن) ، والظاهر أن مراده الجواز لا الوقوع؛ أي فيهن قابلية ذلك، وفيه دليلٌ على وجوب الغسل على المرأة بالإنزال، ونفى ابن بطال الخلاف فيه، وقد ذكر في أول الباب خلاف النخعي.
ج 2 ص 458
وفيه ردٌّ على من زعم أن ماء المرأة لا يبرز، وإنما يعرف إنزالها بشهوتها، وحمل قوله (( إذا رأت الماء ) )على معنى إذا علمت به؛ لأن وجود العلم هنا متعذر؛ لأن الرجل لو رأى أنه جامع وعلم أنه أنزل في النوم، ثمَّ استيقظ فلم ير بللًا لم يجب عليه الغسل، فكذلك المرأة، وإن أراد علمها بذلك بعد أن استيقظت فلا يصح؛ لأنه لا يستمر في اليقظة ما كان في النوم إلا إذا كان مشاهَدًا، فحمل الكلام على ظاهره هو الصواب.
تتمة قد تقدم أن هذا الحديث أخرجه الأئمة الستة، واتفق الشيخان على إخراجه من طرق عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب، ورواه مسلم أيضًا من رواية الزهري، عن عروة، لكن قال عن عائشة، قال أبو داود وكذلك رواه أبو عَقيل والزبيدي ويونس وابن أخي الزهري وابن أبي الوزير، عن مالك، عن الزهري، ووافق الزهري مسافع الحجبي، عن عروة، عن عائشة، وأما هشام بن عروة فقال عن عروة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة أن أم سليم جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونقل القاضي عياض عن أهل الحديث أن الصحيح أن القصة وقعت لأم سلمة لا لعائشة.
ونقل ابن عبد البر عن الذهلي أنه صحح الروايتين، وقول القاضي عياض يرجح رواية هشام بن عروة، وقول أبي داود عن مسافع يرجح رواية الزهري.
وقال النووي (يحتمل أن تكون عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما أنكرتا جميعًا على أم سليم، ثمَّ إنه قد جاء عن جماعة من الصحابيات أنهن سألن كسؤال أم سليم؛ منهن خولة بنت حكيمٍ كما عند النسائي، وأحمد، وابن ماجه، وفي آخره(( ليس عليها غسلٌ حتى تنزل كما ينزل الرجل ) )، وسهلة بنت سهيل كما عند الطبراني في (( الأوسط ) )، وبُسرة بنت صفوان كما عند ابن أبي شيبة).
[1] في هامش الأصل ومعنى تربت يمينك في الأصل لا أصابت خيرًا غير أن في (( لسان العرب ) )يطلق ذلك وأمثالها ويراد به المدح، وفي كتاب (( أدب الخواص ) )للوزير أبي القاسم المغربي، وكذا في كتاب (( الأيك والغصون ) )لأبي العلاء المعري معنى قوله تربت يمينك أي افتقرت من العلم مما سألت عنه أم سليم، وفي (( المحكم ) )ترب الرجل صار في يده التراب، وترب تربًا لصق بالتراب من الفقر وترب تربًا ومتربة خسر وافتقر، وحكى قطرب ترب وأترب، وقوله (وأَلت) بعد قوله تربت يمينك معناه صاحت لما أصابها، وروي أُلت، بضم الهمزة؛ أي طعنت بالآلة، وهي الحربة العريضة النصل. منه.