فهرس الكتاب

الصفحة 4783 من 11127

3055 - 3056 - 3057 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسْنِدي، قال (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) قال (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) أنَّه قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ انْطَلَقَ فِي رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ) بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي ناحيته وجهته (حَتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ) الأُطم، بضم الهمزة البناء المرتفع ويجمع على آطام، وآطام المدينة أبنيتها المرتفعة كالحصون.

ومَغالة، _ بفتح الميم وتخفيف الغين المعجمة وباللام _، وقد مرَّ في كتاب الجنائز [خ¦1354] أنَّ بني مغالة بطن من الأنصار، وقيل حيٌّ من قضاعة.

وقال النَّووي في (( شرح مسلم ) )كذا في بعض النُّسخ (( بني مغالة ) )، وفي بعضها (( ابن مغالة ) )والأوَّل هو المشهور، وذكره مسلم في رواية الحسن الحلواني أنَّه أُطم بني مُعاوية بضم الميم وبالعين المهملة. قال العلماء المشهور هو الأوَّل وهو المعروف.

ج 14 ص 62

(وَقَدْ قَارَبَ يَوْمَئِذٍ ابْنُ صَيَّادٍ يَحْتَلِمُ فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ، وَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ) أي العرب، وما ذكره وإن كان حقًّا من جهة المنطوق باطل من جهة المفهوم، وهو أنَّه ليس مبعوثًا إلى العجم كما زعمه اليهود.

(قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) قيل كيف طابق آمنت بالله ورسله جواب الاستفهام؟

وأجيب بأنَّه لمَّا أراد النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يظهرَ للقوم حاله أرخى العنان حتَّى يبيِّنه عند المقرِّ به، فلهذا قال آخرًا اخسأ. وقيل إنَّما عرض النَّبي صلى الله عليه وسلم الإسلام على ابن صيَّاد بناءً على أنَّه ليس الدجَّال المحذَّر منه، وردَّ بأنَّ أمره كان محتملًا فأراد اختباره بذلك.

وقال القرطبي كان ابن صيَّاد على طريق الكهنةِ يخبر بالخبر، فيصحُّ تارةً ويفسدُ أخرى، ولم ينزل في شأنه وحي، فأراد النَّبي صلى الله عليه وسلم سلوك طريقته يختبر بها حاله، وهذا هو السَّبب أيضًا في انطلاقهِ إليه.

وقد روى أحمدُ من حديث جابر رضي الله عنه قال (( ولدت امرأة من اليهود غلامًا ممسوحة إحدى عينيه، والأخرى طالعة ثانية فأشفقَ النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يكون هو الدجَّال ) ).

(قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاذَا تَرَى؟ قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُلِطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ) بضم الخاء وكسر اللام المخففة، ومعناه لُبِس، وكذا هو في وراية، بضم اللام وكسر الموحدة المخففة بعدها سين مهملة، وفي حديث أبي الطُّفيل عند أحمد فقال (( تعوَّذوا من شرِّ هذا ) ). وروى التِّرمذي من حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال لقيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن صيَّاد في بعض طُرق المدينة فاحتبسَهُ وهو غلامٌ يهودي وله ذؤابة، ومعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (( تشهدُ أنِّي رسول الله؟ فقال أتشهدُ أنت أنِّي رسول الله؟ فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم آمنت بالله وكتبهِ ورسله واليوم الآخر، فقال له النَّبي صلى الله عليه وسلم ما ترى؟ قال أرى عرشًا فوق الماء،

ج 14 ص 63

قال النَّبي صلى الله عليه وسلم ترى عرش إبليس فوق البحر، قال ما ترى؟ قال أرى صادقًا وكاذبين أو صادقين وكاذبًا، قال النَّبي صلى الله عليه وسلم لُبِّس عليه الأمرُ، فدعاه )) انتهى.

وقوله فدعاه أي اتْرُكاه يخاطب أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وكذا رواه مسلم وفي آخره (( فدعوه ) )بصيغة الجمع. وفي رواية أحمد (( أرى عرشًا على البحر وحوله الحيتان ) ).

(قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ) أي أضمرتُ لك (خَبِيْئًا) بفتح الخاء المعجمة وكسر الموحدة وسكون المثناة التحتية وبالهمز، ويروى بكسر المعجمة وسكون الموحدة وبالهمزة؛ يعني أضمرت لك اسم الدُّخان، وقيل آية الدُّخان، وهي قوله تعالى {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} [الدخان 10] .

(قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ هُوَ الدُّخُّ) بضم الدال المهملة وبالخاء المعجمة المشددة، وحكى صاحب «المحكم» الفتح، ووقع عند الحاكم (( الزَّج ) )بفتح الزاي بدل الدال، وفسَّره بالجماع، واتَّفق الأئمَّة على تغليظه في ذلك، ويردُّه ما وقع في حديث أبي ذرٍّ، أخرجه أحمد والبزَّار، فأراد أن يقولَ الدُّخان فلم يستطع فقال الدُّخ.

وفي رواية البزَّار والطَّبراني في «الأوسط» من حديث زيدِ بن حارثة قال (( كان النَّبي صلى الله عليه وسلم خبأ له سورة الدُّخان ) )، وكأنَّه أطلق السُّورة وأراد بعضها، والدَّليل عليه أنَّ أحمد روى عن عبد الرَّزَّاق في حديث الباب (( وخبأ له {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} ) ). وأمَّا جواب ابن صيَّاد بالدُّخ فإنَّه اندهشَ ولم يقعْ من لفظ الدُّخان إلَّا على بعضه.

وحكى الخطَّابي أنَّ الآية كانت حينئذٍ مكتوبة في يد النَّبي صلى الله عليه وسلم فلم يهتد ابن الصيَّاد منها إلَّا لهذا القدر النَّاقص على طريق الكهنةِ، ولهذا قال له النَّبي صلى الله عليه وسلم (( لن تعدوَ قدرك ) )أي قدر مثلك من الكهَّان الذين يحفظون من إلقاء شياطينهم مختلطًا صدقه بكذبه، ولا يتجاوزون منه إلى النبوَّة.

وحكى أبو موسى المديني أنَّ السرَّ في إخباء النَّبي صلى الله عليه وسلم له بهذه الآية إشارة إلى أنَّ عيسى بن مريم عليهما السَّلام يقتل الدجَّال

ج 14 ص 64

بجبل الدُّخان، فأراد التَّعريض لابن صيَّاد. فإن قيل لم امتحنه النَّبي صلى الله عليه وسلم؟

فالجواب، والله أعلم أنَّه كان يبلغه ما يدَّعيه من الكلام في الغيب، فأراد إبطَّال حاله للصَّحابة بأنَّه كاهن يأتيه الشَّيطان بما يُلْقِي إلى الكهَّان من كلمة واحدةٍ اختطفها عند الاستراق قبل أن يتبعه الشِّهاب الثَّاقب، ولهذا أظهرَ الله تعالى لهم ما نطقَ به صريحًا بأنَّه يأتيني صادقٌ وكاذب، ولو كان صادقًا لما أتاه إلَّا الصَّادق.

(قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْسَأْ) كلمة زجر واستهانة؛ أي اسكت صاغرًا ذليلًا (فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ) قد مرَّ تفسيره آنفًا، ويروى بحذف الواو، وقال ابنُ مالك الجزم بلن لغةٌ حكاها الكسائي.

(قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فِيهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ يَكُنْهُ) القياس إن يكن إيَّاه [1] لأنَّ المختار في خبر كان الانفصال، ولكن يقع المرفوع المنفصل موضعَ المنصوب، ويحتمل أن يكون تأكيدًا للمتَّصل وكان تامَّة أو الخبر محذوفٌ؛ أي إن يكن هو هذا، أو أن يكون ضمير فصل، والدَّجَّال المحذوف خبره.

(فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ) وفي حديث جابر رضي الله عنه (( فلست بصاحبهِ، وإنَّما صاحبه عيسى بن مريم عليهما السَّلام ) ).

(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَلاَ خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ) وفي مرسل عروة (( فلا يحلُّ لك قتله ) ). قال الكِرمانيُّ فإن قلت لم ما قتله النَّبي صلى الله عليه وسلم مع أنَّه ادَّعى بحضرته النبوَّة؟ قلتُ كان غير بالغ، أو كان من أهلِ مهادنةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم.

(قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) هذا موصول بالإسناد الأوَّل، وشروع في القصَّة الأخرى (انْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَأْتِيَانِ النَّخْلَ الَّذِي فِيهِ ابْنُ صَيَّادٍ) وفي حديث جابر رضي الله عنه (( ثمَّ جاء النَّبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر ونفر من المهاجرين والأنصار وأنا معهم ) ).

(حَتَّى إِذَا دَخَلَ النَّخْلَ طَفِقَ) أي جعل (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَّقِي) أي يستتر (بِجُذُوعِ النَّخْلِ وَهْوَ يَخْتِلُ) بسكون الخاء المعجمة وكسر المثناة الفوقية؛ أي يخدع (ابْنَ صَيَّادٍ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ) ليعلم الصَّحابة حاله

ج 14 ص 65

في أنَّه كاهن حيث يسمعون منه شيئًا يدلُّ على كهانته (وَابْنُ صَيَّادٍ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْزَةٌ) بفتح الراء وسكون الميم وبالزاي. وفي (( المطالع ) )قوله (( فيها رمرمة أو رمزة ) )وكذا في (( كتاب الشَّهادات ) )في (( الصَّحيح ) )بغير خلاف [خ¦2638] . وفي (( الجنائز ) )مثله في الأوَّل [خ¦1354] ، وفي الآخر لأبي ذرٍّ خاصَّة، وفي حديث أبي اليمان عن شعيب (( رمرمة ) )بالرائين أو (( زمزمة ) )بالزايين، وكذا للنَّسفي في الجنائز، ومعنى هذه الألفاظ كلها متقارب فالزمزمة بالزايين تحريك الشَّفتين بالكلام، قاله الخطَّابي.

وقال غيره هو كلام العلوج وهم سكوت بصوت يدار من الخياشيم والحلق لا يتحرَّك فيه اللِّسان ولا الشَّفتان، والرَّمرمة بالرائين صوت خفي بتحريك الشَّفتين بكلام لا يفهم، وأمَّا الزمرة بتقديم الزاي على ما في بعض الرِّوايات فهو صوتٌ من داخل الفم.

(فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهْوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ فَقَالَتْ لاِبْنِ صَيَّادٍ أَيْ صَافِ) بالصاد المهملة وبالفاء ضمًا وكسرًا (وَهْوَ اسْمُهُ) وفي رواية يونس (( أي صاف، هذا محمَّد ) )، وفي حديث جابر رضي الله عنه (( فقالت يا عبدَ الله هذا أبو القاسم قد جاء ) )وكأنَّ الرَّاوي عبَّر باسمه الذي يسمَّى به في بدء الإسلام، وأمَّا اسمه الأوَّل فهو صاف.

(فَثَارَ ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ) أي لو تركت أمُّ الصيَّاد بيَّن حالَه من أنَّه من الكهنة.

(وَقَالَ سَالِمٌ) أي سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم، وهذا أيضًا موصول بالإسناد الأوَّل، وشروع في القصَّة الثَّالثة (قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ إِنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ قَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوحٌ قَوْمَهُ) خصَّصه بالذِّكر؛ لأنه أبو البشر الثَّاني، أو أنَّه أوَّل من شرع.

(وَلَكِنْ سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ، وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ) فإن قيل الدَّلائل العقليَّة ناطقة بأنَّه غير إلهٍ

ج 14 ص 66

فما الحاجة إلى ذلك؟

فالجواب أنَّ المراد ضم الحسِّ إلى العقل، أو إظهار الأمر لجهال العوَّام إذ هم تابعوهم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله أتشهد أنِّي رسول الله، وهو عرض الإسلام على الصَّبي؛ لأنَّ ابن صيَّاد إذ ذاك لم يحتلم، وقد ترجم في كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصَّبي فمات هل يصلَّى عليه وهل يعرض على الصَّبي الإسلام [خ¦1355] ، وذكر فيه حديث ابن صيَّاد، وقد مرَّ الكلام فيه هناك مستوفى، والله تعالى أعلم.

[1] في هامش الأصل إن يكن هو. نسخة صحيحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت