فهرس الكتاب

الصفحة 480 من 11127

283 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني أصله من المدينة، وهو بصريٌّ، وقد مر في باب الفهم في العلم [خ¦72] (قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابن سعيد القطان البصري، وقد تقدم في باب من الإيمان أن يحب لأخيه [خ¦13] (قَالَ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ)

ج 2 ص 459

بضم الحاء، هو الطويل التابعي المتوفى وهو قائمٌ يصلي، وقد سبق ذكره في باب خوف المؤمن [خ¦49] .

(قَالَ حَدَّثَنَا بَكْرٌ) بفتح الموحدة، هو ابن عبد الله بن عمرو بن هلال المزني البصري التابعي من خيار الناس وفقهائهم، مات سنة بضعٍ ومئة (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) نُفَيع، بضم النون وفتح الفاء وبالمهملة، الصائغ، بالغين المعجمة، البصري، تحول إليها من المدينة أدرك الجاهلية ولم ير النبي صلى الله عليه وسلم، فهو من كبار التابعين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه.

ورجال هذا الإسناد كلهم بصريون، وفيه رواية تابعي عن تابعي عن صحابي، وقد أخرج متنه مسلم في الطهارة أيضًا، وأخرجه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه في الصلاة.

(أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية كريمة بالجمع، وفي رواية أبي داود والنسائي (( لقيته في بعض طريقٍ من طُرُقِ المدينة ) ).

(وَهْوَ جُنُبٌ) يعني به نفسه، وفي رواية أبي داود (( وأنا جنب ) ) (فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ) بالنون ثمَّ بالخاء المعجمة ثمَّ بالنون ثمَّ بالسين المهملة؛ أي تأخرت وانقبضت ورجعت، وهو لازمٌ ومتعدٍّ ومنه خنس الشيطان؛ أي تأخر، وفي روايةٍ وهي مثل الرواية الأولى إلا أن الأولى من الانفعال، والثانية من الافتعال، وفي أخرى بلفظ الغيبة، وفي روايةٍ أخرى بالباء الموحدة والجيم، وكذا هو في رواية الترمذي، ومعناه اندفعت، ومنه قوله تعالى {فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} [الأعراف 160] أي جرت واندفعت.

وفي أخرى من النجاسة؛ أي اعتقدت نفسي نجسًا، وفي أخرى بالشين المعجمة من النجش، وهو الإسراع، وفي أخرى بالباء الموحدة والخاء المعجمة والسين المهملة من البخس وهو النقص، فكأنه ظهر له نقصانه عن مماشاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لما اعتقد في نفسه من النجاسة، وفي أخرى بحاءٍ مهملة ثمَّ تاءٍ مثناةٍ من فوق ثمَّ باء موحدة ثمَّ سين مهملة، من الاحتباس، والمعنى حبست نفسي عن اللحاق بالنبي صلى الله عليه وسلم، وفي أخرى ، وفي أخرى ، وهي رواية مسلم، والنسائي أيضًا.

وقال ابن بطال ولم يثبت لي من طريق الرواية غير ما تقدم، وأراد به رواية كما في المتن، ونُسِبَ

ج 2 ص 460

بعضُها إلى التصحيف.

وقال محمود العيني لا يلزم من عدم ثبوته عنده عدم ثبوته عند غيره، فإنه استدلال بالنفي، وهو باطلٌ، وليس بأدب أن ينسب بعض غير ما وقف عليه إلى التصحيف؛ لأن الجاهل بالشيء ليس له أن يدعي عدم علم غيره به.

(فَذَهَبَ، فَاغْتَسَلَتُ) وفي بعض النسخ بلفظ الغيبة فيكون من باب النقل عن الراوي بالمعنى، أو من قول أبي هريرة فكأنه جَرَّدَ من نفسه شخصًا وأخبر عنه، وهو المناسب لرواية كما أن الأول هو المناسب لرواية الحكاية عن نفسه، وإنما فعل أبو هريرة رضي الله عنه ذلك؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا لقي أحدًا من الصَّحابة ماسَحَه ودعا له، كما رواه النسائي وابن حبان من حديث حذيفة.

وقد روى النسائي من حديث أبي وائلٍ عن ابن مسعود رضي الله عنه قال لقيني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا جنبٌ فأهوى إلي فقلت إني جنب، فقال (( إن المسلم لا ينجس ) )، فلما ظن أبو هريرة رضي الله عنه أن الجنب ينجس بالجنابة خشي أن يُماسِحَه صلى الله عليه وسلم كعادته فبادر إلى الاغتسال.

(ثُمَّ جَاءَ) أبو هريرة رضي الله عنه (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَيْنَ كُنْتَ يَا بَا هُرَيْرَةَ) بحذف الهمزة من الأب تخفيفًا (قَالَ كُنْتُ جُنُبًا) أي ذا جنابة؛ لأنه اسمٌ جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب، أو هو صفة مشبهة، ويستوي فيه الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، وقيل سمي بذلك لمجانبة الناس وبعده عنهم حتى يغتسل.

(فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ) جملةٌ اسميةٌ وقعت حالًا من الضمير المرفوع في أجالسك، اعلم أنه قد فرق السهيلي بين قوله أن أجالسك، وبين قوله مجالستك، فالأول يكون المكروه فيه وقوع الفعل، وهو المجالسة، وفي الثاني يكون المكروه نفس الفعل.

(فَقَالَ) بالفاء، وفي رواية بلا فاء؛ أي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (سُبْحَانَ [1] اللَّهِ) منصوبٌ بفعلٍ محذوف لازم الحذف، واستعماله في مثل هذا الموضع للتعجب والاستعظام، والمعنى أنه كيف يخفى عليك مثل هذا الظاهر، وهو مضمون قوله (إِنَّ المُؤْمِن) وفي رواية (لاَ يَنْجَسُ) بفتح الجيم وضمها.

قال ابن طريفٍ في باب فعِل وفعُل نَجِسَ الشيء ونَجُس نجاسةً ونجسًا ضد طهر.

وقال ابن سيده النِجُس والنَّجِس والنجَسَ القذر من كل شيء، ورجل نَجس والجمع أنجاس، وقيل النجس يكون للواحد والجمع والمؤنث بلفظٍ واحدٍ فإذا كسروا أنثوا وجمعوا وثنوا، ورجلٌ رِجْسٌ نجِسٌ يقولونها

ج 2 ص 461

بالكسر.

اعلم أنه قد استفيد من الحديث أن المؤمن طاهر لا ينجس سواءٌ كان جنبًا أو محدثًا حيًا أو ميتًا، وكذا سؤره وعرقه ولعابه ودمعه، وكذا الكافر في هذه الأحكام، وعن الشافعي في الميت قولان أصحهما الطهارة.

وذكر البخاري في (( صحيحه ) )عن ابن عباس رضي الله عنهما تعليقًا المسلم لا ينجس حيًا ولا ميتًا، ووصله الحاكم في (( المستدرك ) )فقال أخبرني إبراهيم بن عصمة، قال حدثنا أبو مسلم المسيب بن زهير البغدادي أخبرنا أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، قالا حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباسٍ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تُنَجِّسوا موتاكم، فإن المؤمن لا يَنْجُس حيًا ولا ميتًا ) )قال صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، وهو أصل في طهارة المسلم حيًا وميتًا، أما الحي فبالإجماع، حتى الجنين إذا ألقته أمه وعليه رطوبة فرجها، وأما الكافر فحكمه كذلك، على ما يذكره إن شاء الله تعالى.

وفي (( صحيح ابن خزيمة ) )عن القاسم بن محمد، قال سألت عائشة رضي الله عنها عن الرجل يأتي أهله ثمَّ يلبس الثوب فيعرق فيه أنجسٌ ذلك؟ فقالت قد كانت المرأة تعد خرقةً أو خَرَقًا، فإذا كان ذلك مسح بها الرجل الأذى عنه، ولم تر أن ذلك ينجسه، وفي لفظ ثمَّ صليا في ثوبهما.

وروى الدارقطني من حديث المتوكل بن فضيل، عن أمِّ القَلُوص، عن عائشة رضي الله عنها كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرى على البدن جنابةً، ولا على الأرض جنابةً، ولا يجنب الرجلُ الرجلَ.

وعن محيي السنة البغوي قال معنى قول ابن عباسٍ أربعٌ لا يَجْنُبْنَ الإنسان، والثوب، والماء، والأرض، يريد أن الإنسان لا يجنب بمماسة الجنب ولا الثوب إذا لبسه الجنب ولا الأرض إذا أفضى إليها الجنب ولا الماء ينجس إذا غمس الجنب يده فيه.

وقال ابن المنذر أجمع عوام أهل العلم على أن عرق الجنب طاهرٌ، وثبت ذلك عن ابن عباس وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، ولا أحفظ عن غيرهم خلافَ قولهما.

وقال القرطبي الكافر نجسٌ عند الشافعي.

وقال أبو بكر بن المنذر وعرق اليهودي والنصراني والمجوسي طاهرٌ عندي.

وقال ابن حزم العرق من المشركين نجس؛ لقوله تعالى {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة 28] ، وتمسك أيضًا

ج 2 ص 462

بمفهوم حديث الباب، وادعى أن الكافر نجس العين.

وأجاب الجمهور عن الآية بأن المراد أنهم نَجِسُو الاعتقاد والأفعال، أو المراد أنهم يتجنب عنهم كما يتجنب عن الأنجاس، وعن الحديث أن المراد أن المؤمن طاهر الأعضاء؛ لأنه يتطهر ويتجنب عن النجاسات، والمشركون لا يتطهرون ولا يتجنبون عنها بل هم ملابسون لها غالبًا، ومما يوضح ذلك أن الله تعالى أباح نكاح نساء أهل الكتاب، ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن، ومع ذلك لا يجب عليه من غسل الكتابية إلا مثل ما يجب عليه من غسل المسلمة، فدلَّ ذلك على أن الآدمي الحي ليس بنجس العين، إذ لا فرق بين الرجال والنساء.

وفي (( المدونة ) )على ما نقله ابن التين أن المريض إذا صلى لا يستند لحائضٍ ولا جنب، وأجازه ابن أشهب.

قال الشيخ أبو محمد لأن ثيابهما لا تكاد تسلم من النجاسة، وقال غيره لأجل أعينهما لا لثيابهما، وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضًا أن أعيانهم نجسة كالكلاب، وبه قال ابن حزمٍ، لكن القول المختار ما عرفت.

فإن قيل على ما ذُكِرَ أن المسلم لا ينجس حيًا ولا ميتًا، ينبغي أن لا يغسل الميت لأنه طاهر؟، فالجواب أن علماءنا قد اختلفوا في وجه وجوبه، فقيل إنما وجب لحدث يحله باسترخاء المفاصل لا لنجاسته، فإن الآدمي لا ينجس بالموت كرامة، إذ لو تنجس لما طهر بالغسل كسائر الحيوانات، وكان الواجب الاقتصار على الأعضاء الأربعة كما في حال الحياة، لكن ذلك إنما كان نفيًا للحرج فيما يتكرر كل يوم، والحدث بسبب الموت لا يتكرر فكان كالجنابة لا يكتفى فيها بغسل الأعضاء الأربعة، بل يبقى على الأصل، وهو وجوب غسل البدن لعدم الحرج فكذا هذا.

وقال العراقيون يجب غسله لنجاسته بالموت، لا بسبب الحدث؛ لأن للآدمي دمًا سائلًا فيتنجس بالموت قياسًا على غيره، ألا ترى أنه لو مات في البئر نجسها، ولو حمله المصلي لم تجز صلاته، ولو لم يكن نجسًا لجازت كما لو حمل محدثًا، ومن فوائد هذا الحديث أيضًا استحباب الطهارة عند ملابسة الأمور المعظمة على ما قيل، ومنها استحباب احترام أهل الفضل وتوقيرهم ومصاحبتهم على أكمل الهيئات وأحسن الصفات، وقَد استحب العلماء لطالب العلم أن يحسن حاله عند شيخه فيكون متطهرًا متنظفًا

ج 2 ص 463

بإزالة الشعوث المأمور بإزالتها نحو قص الشارب، وقلم الأظفار، وإزالة الروائح المكروهة وغير ذلك، ومنها أن العالم إذا رأى مِنْ تابِعِهِ أمرًا يخاف عليه فيه خلافَ الصواب سأله عنه، وقال له صوابه هذا، وبَيَنَّ له حُكْمَه، ومنها جواز تأخير الاغتسال عن أول وقت وجوبه، والواجب أن لا يؤخره إلى أن يفوته وقت صلاة.

وبوب ابن حبان عليه وعلى من زعم أن الجنب إذا وقع في البئر فنوى الاغتسال أن ماء البئر ينجس، وفيه أن الحديث يدل بعبارته على أن الجنب ليس بنجسٍ في ذاته، وليس فيه تعرض لطهارة غسالته إذا نوى الاغتسال، فافهم.

ومنها جواز انصراف الجنب في حوائجه قبل الاغتسال ما لم يفته وقت صلاةٍ، ومنها أن النجاسة إذا لم تكن عينًا لا تضره، فإن المؤمن طاهر الأعضاء فإن شأنه المحافظة على الطهارة والنظافة، ومنها ائتلاف قلوب المؤمنين ومواساة الفقراء والتواضع لله واتباع أمر الله تعالى حيث قال جل ذكره {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام 52] .

قيل ومنها استحباب استئذان التابع للمتبوع إذا أراد أن يفارقه، وهو بعيدٌ؛ لأنه لا يفهم من الحديث المذكور؛ لا من عبارته ولا من إشارته ولا فيه التابع والمتبوع؛ لأن أبا هريرة رضي الله عنه لم يكن في تلك الحالة تابعًا للنبي صلى الله عليه وسلم في مشيه، بل إنما لقيه النبي صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة، فليتأمل.

[1] في هامش الأصل قال ابن الأنباري معناه سبحتك تنزيهًا لك يا ربنا من الأولاد والصاحبة والشركاء؛ أي نزهناك من ذلك، وقال القزاز معناه براءة الله تعالى من السوء، وقال أبو عبيد نسبح لك نحمدك ونصلي لك، وقال الزمخشري في (( أساس البلاغة ) )سبحت الله وسبحت له وكثرت تسبيحاته وتسابيحه، وفي (( المغيث ) )لأبي المديني سبحان الله قائم مقام الفعل أي أسبح وسبحت؛ أي لفظت سبحان الله، وقيل معنى سبحان الله التسرع إليه والخفة في طاعته من قولهم فرس سابح، وذكر النضر بن شميل أن معناه السرعة إلى هذه اللفظة لأن الإنسان يبدأ فيقول سبحان الله. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت