3073 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) قال (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو القطَّان (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) بفتح الحاء المهملة وتشديد المثناة التحتية، اسمه يحيى بن سعيد التَّيمي، أنَّه (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو زُرْعَةَ) بضم الزاي وسكون الراء وبالعين المهملة، هَرِمُ بن عَمرو بن جرير بن عبد الله البجليِّ الكوفي، وقد تقدَّم ذكرهما في (( كتاب الإيمان ) )في سؤال جبريل عليه السَّلام [خ¦50] .
(قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ قَامَ فِينَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، فَقَالَ لاَ أُلْفِيَنَّ) بضم الهمزة وبالفاء المكسورة؛ أي لا أجدنَّ، هكذا الرِّواية للأكثرين بلفظ النَّفي المؤكد بالنون، والمراد النَّهي وهو وإن كان من نهي المرء نفسه فليس المراد ظاهره، وإنَّما المراد نهي من يخاطبُه عن ذلك وهو أبلغُ، ورواه الهروي بفتح الهمزة والقاف، من اللِّقاء
ج 14 ص 96
وكذا في بعض روايات مسلم.
(أَحَدَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ) جملة حالية، وفي رواية مسلم (( تجيءُ يوم القيامة وعلى رقبته ) )بالواو للحال؛ يعني أنها حالة شنيعةٌ لا ينبغي لكم أن أراكُم عليها يوم القيامة، وفي حديث عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه في (( السنن ) ) (( إيَّاكم والغُلول، فإنَّه عار على أهله يوم القيامة ) ) (لَهَا ثُغَاءٌ) بضم المثلثة وتخفيف الغين المعجمة، هو صوتُ شاة، يقال ثَغَا يَثْغُو ثَغْوًا (عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ) بفتح المهملتين، صوت الفرس إذا طلب العلف (يَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ لاَ أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا) أي من المغفرة؛ لأن الشَّفاعة أمرها إلى الله (قَدْ أَبْلَغْتُكَ) ويروى أي لا عذر لك بعد الإبلاغ، وهذا مبالغة في الزَّجر، وتغليظ في الوعيد، وإلَّا فهو صاحب الشَّفاعة في مذنبي هذه الأمَّة يوم القيامة (وَعَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ) بضم الراء وتخفيف الغين المعجمة، هو صوتُ البعير (يَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ لاَ أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ) هو الذَّهب والفضَّة (فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ لاَ أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ، أَوْ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ) بكسر الراء، جمع رقعة هي الخرقة. وقوله (تَخْفِقُ) بكسر الفاء، تتحرك وتضطرب جملة حاليَّة، وليس المراد منه الخرقة بعينها، بل تعمُّ الأجناس من الثِّياب.
وقال ابنُ الجوزي المراد بالرِّقاع الثِّياب. وقال الحميديُّ المراد بها ما عليه من الحقوق المكتوبة في الرِّقاع. وردَّ عليه ابن الجوزي بأنَّ الحديث سيقَ لذكر الغلول الحسِّي فحمله على الثِّياب أنسب.
(فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ لاَ أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ، وَقَالَ أَيُّوبُ) أي السَّختياني (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) المذكور في السَّند (فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ) كذا للأكثر في الموضعين، ووقع في رواية الكُشْمِيْهَني في الرِّواية الأولى بحذف لفظ فرس، وكذا هو في رواية النَّسفي وأبي علي بن شبويه، فعلى هذه ذكر طريق أيوب التَّنصيص على ذكر الفرس في الموضعين، وزاد في رواية مسلم (( على رقبتهِ نَفْس له صياح ) )فكأنَّه أراد بالنَّفس ما يغله من الرَّقيق من امرأة أو صبي.
قال المهلَّب هذا الحديث وعيدٌ لمن أنقذَه الله من النَّار من أهل المعاصي، ويحتمل أن يكون الحمل المذكور لا بدَّ منه عقوبة له ليفتضحَ على رؤوس الأشهاد، وأمَّا بعد ذلك فإلى الله الأمر في تعذيبهِ أو العفو عنه. وقال غيره هذا الحديث يفسِّر قوله تعالى {يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي يأت به حاملًا له على رقبته، لا يقال إنَّ بعضَ ما يسرق من النَّقد أخفَّ من البعير مثلًا، والبعيرُ أرخص ثمنًا، فكيف يعاقبُ الأخف جناية بالأثقلِ وعكسه؛ لأنَّ المرادَ بالعقوبة بذلك فضيحةُ الحامل على رؤوس الأشهاد في ذلك الموقف العظيم لا بالثِّقل والخفَّة.
وقال ابنُ المنيِّر أظن الأمراء فَهِموا تجريس السَّارق ونحوه من هذا الحديث.
وممَّا ينبِّه عليه هنا ما قاله ابنُ المنذر أجمع العلماء على أنَّ الغال عليه
ج 14 ص 97
أن يردَّ ما غلَّ إلى صاحب المقاسم ما لم يفترق النَّاس. واختلفوا فيما يفعلُ بعد ذلك؛ أي بعد ما افترق النَّاس؛ فقالت طائفة يدفعُ إلى الإمام خمسه، ويتصدَّق بالباقي، وهو قول الحسن ومالك والأوزاعي واللَّيث والزُّهري والثَّوري وأحمد، وروي عن ابنِ مسعود رضي الله عنه، وكذا عن ابن عبَّاس ومعاوية رضي الله عنهم.
وقال الشَّافعي وطائفة يجب تسليمه إلى الإمام أو الحاكم كسائر الأموال الضَّائعة، وليس الصَّدقة بمال غيره، وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّه رأى أن يتصدَّق بالمال الذي لا يعرف صاحبه، واختلفوا في عقوبةِ الغال، فقال الجمهورُ يعزَّر بقدرِ حاله على ما يراهُ الإمام ولا يحرقُ متاعه، وهذا قول أبي حنيفة والشَّافعي ومالك وجماعة كثيرة من الصَّحابة والتَّابعين ومن بعدهم. وقال الحسن وأحمد وإسحاق ومكحول والأوزاعي يحرقُ رحله ومتاعه كله. قال الأوزاعيُّ إلَّا سلاحه وثيابه التي عليه. وقال الحسنُ إلَّا الحيوان والمصحف.
قال وأمَّا حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا في تحريق رحل الغال، فهو حديث تفرَّد به صالح بن محمَّد، وهو ضعيفٌ عن سالم، ولأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يحرق رحلَ الذي وجد عنده العباءة، قيل إنَّما لم يحرِّق رحل الرَّجل المذكور؛ لأنَّه كان ميتًا فخرجَ ماله إلى ورثته.
وقال الطحَّاوي ولو صحَّ حُمِلَ على أنَّه كان إذا كانت العقوبات في الأموالِ كأخذِ شطر المال من مانع الزَّكاة، وسارق الثَّمر، وكله منسوخٌ.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ. والحديث قد مضى في (( كتاب الزَّكاة ) )، في باب (( إثم مانع الزَّكاة ) ) [خ¦1402] .