3115 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البخاري البيكندي، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) أنَّه (قَالَ وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلاَمٌ فَسَمَّاهُ الْقَاسِمَ، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ لاَ نُكَنِّيكَ) بضم النون وفتح الكاف وكسر النون المشددة، من التَّكنية ويروى بفتح النون وسكون الكاف، من كنى يكني (أَبَا الْقَاسِمِ وَلاَ نُنْعِمُكَ عَيْنًا) أي لا نقِرُّ عينك بذلك ولا نكرمك، تقول العرب في الكرامة
ج 14 ص 180
وحسن القبول نعم عين ونعمة عين ونعام عين، أمَّا النَّعمة فمعناها التَّنعم، ويقال كم من ذي نِعمة لا نَعمة له؛ أي لا تنعم له بماله، والنَّعمة، بالفتح الفرح والسُّرور أيضًا، ونُعمة العين، بالضم قرَّتها.
(فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وُلِدَ لِي غُلاَمٌ فَسَمَّيْتُهُ الْقَاسِمَ، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ لاَ نَكْنِيكَ أَبَا الْقَاسِمِ وَلاَ نُنْعِمُكَ عَيْنًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَتِ الأَنْصَارُ فَسَمُّوا) ويروى بفتح التاء والسين وتشديد الميم (بِاسْمِي وَلاَ تَكَنُّوْا) من التَّكنية، ويروى من الاكتناء (بِكُنْيَتِي فَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ) وهذا طريقٌ آخر في حديث جابرٍ رضي الله عنه المذكور.
وفي الحديث إباحة التَّسمِّي باسمه للبركة الموجودة منه، ولما فيه من الفال الحسن من معنى الحمد ليكون من تسمَّى باسمه محمودًا.
وفيه النَّهي عن التَّكني بكنيته؛ لما رواه أنس رضي الله عنه نادى رجلٌ يا أبا القاسم، فالتفتَ النبي صلى الله عليه وسلم فقال الرَّجل لم أَعْنِك، ونقل أيضًا عن اليهود أنَّها كانت تُناديه فإذا التفتَ قالوا لم نعنك، فحسم الذَّريعة بالنَّهي.
فإن قيل هل في التَّسمية بمحمد أيضًا مَنْعٌ؟ فالجواب أنَّه قد قيل به، ولم يكن أحدٌ من الصَّحابة رضي الله عنهم يجترِئ أن ينادي النَّبي صلى الله عليه وسلم باسمه؛ لأنَّ النِّداء بالاسم لا توقير به بخلاف الكنية، وإنَّما كان يناديه باسمه الأعراب ممَّن لم يؤمن منهم، أو لم يرسخ في قلبه الإيمان، وقيل إنَّ النَّهي مخصوصٌ بحياته، وقد ذهبَ إليه بعض أهل العلم.
وكان عمر رضي الله عنه كتب إلى أهل الكوفة (( لا تسمُّوا أحدًا باسم نبي ) ). وأمر جماعةً بالمدينة بتغيير أسماء أبنائهم المسمين بمحمَّد حتَّى ذكر له جماعةٌ من الصَّحابة أنَّه صلى الله عليه وسلم أذن لهم في ذلك فتركهم.
وقال القرطبي حديث النَّهي غير معروفٍ عند أهل النَّقل، وعلى تسليمه فمقتضاه النَّهي عن لعن من تسمَّى بمحمد، وقيل إنَّ سبب نهي عمر رضي الله عنه عن ذلك أنَّه سمع رجلًا يقول لابن أخيه محمَّد بن زيد بن الخطَّاب فعل الله بك يا محمَّد، فقال وإن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسب بك، والله لا ندعوك محمدًا ما بقيت وسمَّاه
ج 14 ص 181
عبد الرَّحمن.
وقد تقرَّر الإجماع على إباحة التَّسمية بأسماء الأنبياء عليهم السَّلام وتسمَّى جماعة من الصَّحابة رضي الله عنهم بأسماء الأنبياء، وكَرِهَ بعضُ العلماء، حكاه القاضي عياض، التَّسمي بأسماء الملائكة، وهو قول الحارث بن مسكين، قال وكره مالك التَّسمي بجبريل وإسرافيل وميكائيل ونحوها من أسماء الملائكة.
وعن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أنَّه قال (( ما قنعتُم بأسماء بني آدم حتَّى سمَّيتم بأسماء الملائكة ) )، والله تعالى أعلم.