فهرس الكتاب

الصفحة 4875 من 11127

3124 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ) أبو كريب الهمداني الكوفي، قال (أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ) هو عبدُ الله المروزي (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابن راشد (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ) أي أراد أن يغزوَ، قال ابن إسحاق هذا النَّبي هو يوشعُ بن نون، هذا، وقد رواه الحاكم من طريق كعب الأحبار وبيَّن تسميةَ القرية.

وقد ورد أصله من طريق مرفوعة صحيحة أخرجها أحمد من طريق هشام، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ الشَّمس لم تجلس لبشرٍ إلَّا ليوشع بن نون ليالي سار إلى بيت المقدس ) ).

وأغرب ابن بطَّال فقال في باب استئذان الرَّجل الإمام في هذا المعنى حديث لداود عليه السَّلام أنَّه قال في غزوةٍ خرج إليها لا يتبعني من ملك بضْعَ

ج 14 ص 187

امرأةٍ ولم يَبْنِ بها أو بَنَى دارًا ولم يسكُنْها.

قال الحافظ العسقلاني ولم أقف له على ما ذكره مسندًا، لكن أخرج الخطيب في (( ذم النُّجوم ) )له من طريق أبي حذيفة البخاري في (( المبتدأ ) )له بإسنادٍ له عن علي رضي الله عنه قال (( سأل قومٌ يوشع بن نون أن يطلعهم على بدءِ الخلق وآجالهم فأراهم ذلك في ماءٍ من غمامة أمطرها الله عليهم، وكان أحدُهم يعلم متى يموت فبقوا على ذلك إلى أن قاتلهُم داود على الكفر، فأَخرجوا إلى داود من لم يحضر أجلُه فكان يقتل من أصحاب داود ولا يقتل منهم فشكا إلى الله تعالى ودَعاه فحبست عليهم الشَّمس وزيد في النَّهار، فاختلطت الزِّيادة باللَّيل والنَّهار فاختلطَ عليهم حسابهم ) ).

قال الحافظ العسقلاني وإسناده ضعيفٌ جدًّا، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه المشار إليه عند أحمد أولى، فإنَّ رجال إسناده محتجٌّ بهم في الصَّحيح، فالمعتمد أنَّها لم تحبس إلَّا ليوشع بن نون، وقد اشتهر حَبْسُ الشَّمس ليوشع عليه السَّلام حتَّى قال أبو تمام في قصيدة

~فوَاللهِ لَا أَدْرِي أَأَحْلَامُ نَائِمٍ أَلَمَّتْ بِنَا أَمْ كَانَ فِي الرَّكْبِ يُوشَعُ

ولا يعارضه ما ذكره ابنُ إسحاق في (( المبتدأ ) )من حديث يحيى بن عروة بن الزُّبير، عن أبيه أنَّ الله عزَّ وجلَّ لمَّا أمر موسى عليه السَّلام بالمسير ببني إسرائيل أمره بحملِ تابوت يوسف عليه السَّلام فلم يدل عليه حتَّى كادَ الفجر يطلع وكان وعد بني إسرائيل أن يسيرَ بهم إذا طلع الفجر فدعا ربَّه أن يؤخِّر طلوعه حتَّى يفرغَ من أمر يوسف ففعلَ الله عزَّ وجلَّ ذلك لأنَّ الحصر إنَّما وقع في حقِّ يُوشع بطلوع الشَّمس فلا ينفي أن يحبسَ طلوع الفجر لغيره.

ولا يُعارضه أيضًا ما ذكره يونس بن بُكير في زيادته من (( مغازي ) )ابن إسحاق أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر قريشًا صبيحة الإسراء أنَّه رأى العير التي لهم، وأنَّها تقدم مع شروق الشَّمس فدعا الله تعالى فحبست الشَّمس حتَّى دخلت العير؛ لأنَّه منقطعٌ، لكن وقع في «الأوسط» للطَّبراني من حديث جابرٍ رضي الله عنه (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أمر الشَّمس فتأخَّرت ساعةً من نهارٍ ) ).

ج 14 ص 188

وإسناده حسن.

ووجهُ الجَمْع أنَّ الحصر محمولٌ على ما مضى للأنبياء قبل نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، وليس فيه نفي أنَّها لم تحبس لنبينا صلى الله عليه وسلم.

وقد روى الطَّحاوي والطَّبراني في «الكبير» والحاكم والبيهقي في «الدلائل» عن أسماء بنت عُمَيس أنَّه صلى الله عليه وسلم نام على فخذ عليٍّ رضي الله عنه حتَّى غابت الشَّمس فلمَّا استيقظ قال علي رضي الله عنه يا رسول الله إنِّي لم أصلِّ العصر؟ فقال صلى الله عليه وسلم (( اللهمَّ إنَّ عبدك عليًّا احتسب بنفسه على نبيك فرُدَّ عليه شَرْقها ) )، قالت أسماء فطلعت الشَّمس حتَّى وقعت على الجبال وعلى الأرض، ثمَّ قام عليٌّ رضي الله عنه فتوضأ وصلَّى العصر وذلك بالصَّهباء، ذكره الطحاوي في «مشكل الآثار» .

وقال كان أحمدُ بن صالح يقول لا ينبغِي لمن سبيله العلم أن يتخلَّف عن حفظ حديث أسماء لأنَّها من أجلِّ علامات النُّبوة، قال وهو حديثٌ متصلٌ ورواته ثقاتٌ، وأخطأ ابن الجوزي فأورده في الموضوعات ولا يُلْتَفَتُ إليه.

وأمَّا ما حكاه القاضي عياض أنَّ الشَّمس ردَّت للنَّبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق لما شغلوا عن صلاة العصر حتَّى غربت الشَّمس فردَّها الله عليه حتَّى صلى العصر، فقد قال الحافظ العسقلاني كذا قال، وعزاه للطَّحاوي، والذي رأيته في «مشكل الآثار» للطَّحاوي حديث أسماء بنت عميس فإن ثبت ما قال فهذه قصَّة ثالثة، وأمَّا ما ذكر من أنَّه وقع لسليمان عليه السلام أيضًا، وأنَّه روي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه قال سألت عليَّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه عن هذه الآية {إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} [ص 32] فقال ما بلغك في هذا يا ابن عباس؟ فقلت له سمعت كعب الأحبار يقول إنَّ سليمان عليه السَّلام اشتغل ذات يوم بعرض الأفراس والنَّظر إليها حتَّى توارت الشَّمس بالحجاب [فقال لما فاتته الصلاة إني أحببت حبَّ الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب] [1] ردُّوها علي يعني الأفراس، وكانت أربعة عشر فردُّوها عليه، فأمر بضرب سوقها وأعناقها بالسَّيف فقتلها، وأنَّ الله سلب ملكه أربعة عشر يومًا لأنَّه ظلم الخيل بقتلها، فقال عليٌّ رضي الله عنه كذب كعب، لكن سليمان

ج 14 ص 189

عليه السَّلام اشتغل بعرض الأفراس ذات يومٍ لأنَّه أراد جهاد عدوٍّ حتَّى توارت بالحجاب فقال بأمر الله للملائكة الموكلين بالشَّمس ردُّوها عليَّ؛ يعني الشَّمس، فردُّوها عليه حتَّى صلَّى العصر في وقتها. وأنَّ أنبياء الله لا يظلمون ولا يأمرون بالظُّلم، ولا يرضون بالظُّلم؛ لأنَّهم معصومون مطهَّرون، ففي ثبوت هذه القصَّة كلامٌ.

(فَقَالَ لِقَوْمِهِ لاَ يَتْبَعْنِي) بلفظ النَّهي (رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ) البُضْع، بضم الموحدة وسكون المعجمة، يُطْلَقُ على الفَرْج والجماع والتَّزويج، وكلٌّ منها ممكن هنا، ويطلق أيضًا على المهر والطَّلاق، وقال الجوهريُّ قال ابن السِّكِّيت البضع النِّكاح، يقال ملك فلان بُضْعَ فلانة.

(وَهْوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا) أي يدخل عليها وتزفُّ إليه، ويروى من الابتناء من الافتعال، والجملة حالية (وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا) أي والحال أنَّه لم يدخل عليها، والتَّعبير بلمَّا يُشعر بتوقُّع ذلك، قاله الزَّمخشري في قوله تعالى {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات 14] ، ووقع في رواية سعيد بن المسيَّب عن أبي هريرة رضي الله عنه عند النَّسائي وأبي عَوَانة وابن حبَّان (( لا يتبعني رجلٌ بنى دارًا ولم يسكنها أو تزوَّج امرأة ولم يدخل بها ) )، وفي التَّقييد بعدم الدُّخول ما يفهم أنَّ الأمر بعد الدُّخول بخلاف ذلك، ولا يخفى ما بين الأمرين؛ فإنَّه وإن كان بعد الدُّخول ربَّما استمرَّ تعلُّق القول، لكن ليس هو كما قَبْلَ الدُّخول غالبًا.

(وَلاَ أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا) وفي «صحيح مسلم» و «مسند أحمد» ولمَّا يرفع سقفها وهو بضم السين والفاء ليوافق هذه الرِّواية. قال الحافظ العسقلاني ووهم من ضبطها بالإسكان وتكلَّف في توجيه الضَّمير المؤنث للسَّقف. انتهى.

وأنت خبيرٌ بأنَّ هذا الكلام قاصرٌ، والظَّاهر أنَّ الرِّواية بنى بيتًا، ولمَّا يرفع سقفها، فإنَّه حينئذٍ يحتاج إلى التَّكلف كما لا يخفى.

(وَلاَ أَحَدٌ) ويروى (اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ) بفتح المعجمة وكسر اللام بعدها فاء خفيفة، قال ابن فارس هي

ج 14 ص 190

النَّاقة الحامل، وقيل جمْعُها مخاضٌ على غير قياس، كما يقال لواحدة النِّساء امرأة، وقيل هي التي استكملت سنة بعد النَّتاج ثمَّ حَمَل، وقيل الخلفة التي توهم أنَّ بها حملًا، ثمَّ لم تلقح.

وقال الأصمعيُّ فلا تزال خَلِفَة حتَّى تبلغ عشرة أشهر، وقال الجوهري الخَلِفة، بكسر اللام المخاض من النُّوق.

وفي «المغيث» يقال خلفت، إذا حَمَلت، وأخلفت إذا حالت ولم تحمل، وقد يُطْلَق على غير النُّوق، وأو في قوله غنمًا أو خَلِفَات، للتَّنويع، ويكون قد حذف وصف الغنم بالحمل لدَلالة الثَّاني عليه أو هو على إطلاقه؛ لأنَّ الغنم يقلُّ صبرها فيخشى عليها الضَّياع بخلاف النُّوق فلا يخشى عليها إلَّا مع الحمل.

ويحتمل أن يكون كلمة أو، للشك؛ أي هل قال غنمًا بغير صفةٍ أو خَلِفات؛ أي بصفة، أنَّها حوامل، كذا قال بعض الشُّراح، والمعتمد كما قال الحافظ العسقلاني إنَّها للتَّنويع؛ فقد وقع في رواية أبي يعلى عن محمد بن العلاء (( ولا رجل له غنم أو بقر أو خلفات ) ).

(وَهْوَ يَنْتَظِرُ وِلاَدَهَا) بكسر الواو، مصدر ولد ولادًا وولادةً (فَغَزَا) أي بمن تبعه ممَّن لم يتَّصف بتلك الصِّفة (فَدَنَا مِنَ الْقَرْيَةِ) هي أَرِيحا، بفتح الهمزة وكسراء الراء بعدها تحتانية ساكنة ومهملة مع القصر، سمَّاها الحاكم في روايته عن كعب، وفي رواية مسلم (( فأدنى للقرية ) )؛ أي قرَّب جيوشه لها.

وقال ابن إسحاق لمَّا مات موسى عليه الصلاة والسَّلام وانقضت الأربعون سنةً بعث يوشع بن نون نبيًّا فأخبر بني إسرائيل أنَّه نبي الله، وأنَّ الله قد أمره بقتال الجبارين فصدَّقوه وبايعوه فتوجَّه ببني إسرائيل إلى أريحا ومعه تابوت الميثاق فأحاط بمدينة أريحا ستَّة أشهرٍ، فلمَّا كان السَّابع نفخوا [في القرون ضجَّ الشعب ضحة واحدة، مسقط سور المدينة، فدخلوها وقتلوا الجبارين، وكان القتال] [2] في يوم الجمعة فبقيت منهم بقيَّة، وكادت الشَّمس تغرب وتدخل ليلة السَّبت فخشيَ يُوشع أن يعجزوا فقال اللَّهمَّ اردد الشَّمس عليَّ فقال لها إنَّك في طاعة الله، وأنا في طاعة الله، وهو معنى قوله إنَّك مأمورة وأنا مأمورٌ.

(صَلاَةَ الْعَصْرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ)

ج 14 ص 191

وفي رواية سعيد بن المسيَّب فلقي العدو عند غيبوبة الشَّمس، وروى الحاكم عن كعبٍ أنَّه قال إنَّه وصل إلى القرية وقت العصر يوم الجمعة، وكادت الشَّمس أن تغرب ويدخل الليل، وبهذا يتبيَّن معنى قوله وأنا مأمورٌ، والفرق بين المأمورين أنَّ أمر الجمادات أمر تسخيرٍ، وأمر العقلاء أمر تكليفٍ، وخطابُه للشَّمس يحتمل أن يكون على حقيقته وأنَّ الله خلق فيها تمييزًا وإدراكًا، كما سيأتي البحث فيه في (( الفتن ) )في سجودها تحت العرش واستئذانها من أين تطلع.

ويحتمل أن يكون ذلك على سبيل استحضاره في النَّفس لما تقرَّر أنَّه لا يمكن تحوُّلها عن عادتها إلَّا بخرق العادة، ويؤيِّد الاحتمال الثَّاني أنَّ في رواية سعيد بن المسيَّب فقال (( اللَّهمَّ إنَّها مأمورة وإنِّي مأمور فاحبسْها عليَّ حتَّى يُقْضَى بيني وبينهم فَحَبَسَها الله عليه ) ).

ومعنى قوله إنَّك مأمورةٌ؛ أي بالغروب، وأنا مأمورٌ؛ أي بالصَّلاة أو القتال قبل الغروب.

(اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا) وفي رواية أحمد (( اللهمَّ احبسها عليَّ شيئًا ) )وهو منصوبٌ نصب المصدر؛ أي قدر ما تَنْقَضِي حاجتُنا من فتح البلد (فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ) قال القاضي عياض اختلف في حَبْس الشَّمس هنا؛ فقيل ردَّت على أدراجها، وقيل وَقَفَتْ، وقيل بطئت حركتُها، وكلُّ ذلك محتملٌ، والثَّالث أرجحُ عند ابن بطَّال وغيره.

(فَجَمَعَ الْغَنَائِمَ فَجَاءَتْ يَعْنِي النَّارَ لِتَأْكُلَهَا) وفي رواية عبد الرَّزاق عند مسلمٍ وأحمد فجعموا ما غنموا فأقبلت النَّار، وزاد في رواية سعيد بن المسيَّب وكانوا إذا غنموا غنيمةً بعث الله عليها النَّار فتأكلها (فَلَمْ تَطْعَمْهَا) أي فلم تذق لها طَعْمًَا ولم يقل فلم تأكلها؛ للمبالغة، ومنه قوله تعالى {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} [البقرة 249] .

(فَقَالَ إِنَّ فِيكُمْ غُلُولًا) وهو الخيانة في المَغْنَم والسَّرقة منه، وكان الأنبياء المتقدِّمون إذا غنموا جمعوا المغانم في مربدٍ فتأتي نار من السَّماء فتحرقها، فإن كان فيها غلولٌ أو ما لا يحلُّ لم تأكلها، وكذلك

ج 14 ص 192

كانوا يفعلون في قرابينهم؛ كان المُتَقَبَّل تأكله النَّار، وما لا يتقبَّل يبقى على حاله ولا تأكله؛ ففضل هذه الأمَّة وجعلها خير أمَّة أخرجت للنَّاس وأعطاهم ما لم يُعْط غيرَهم وأحلَّ لهم الغنائم كما أشير إليه في آخر الحديث بقوله (( رأى ضَعْفَنا وعَجْزَنا فأحلَّها لنا ) ).

(فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ) فيه حذف؛ أي فبايعوه (فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ فِيكُمُ الْغُلُولُ، فَلْيُبَايِعْنِي قَبِيلَتُكَ) فبايعوه (فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ) وفي رواية أبي يعلى (( فلزقت يد رجلٍ أو رجلين ) )وفي رواية ابن المسيَّب (( رجلين ) )بالجزم، قال ابن المنيِّر جعل الله تعالى علامة الغلول إلزاق يد الغال، وفيه تنبيهٌ على أنَّها يدٌ عليها حقٌّ يُطْلَبُ أن يتخلَّص منه، وأنَّها يدٌ ينبغي أن يُضْرَب عليها ويُحْبَسَ صاحبُها حتَّى تؤدِّي الحقَّ إلى الإمام، وهو من جنس شهادة اليد على صاحبها يوم القيامة.

(فَقَالَ فِيكُمُ الْغُلُولُ) وفي رواية سعيد بن المسيَّب (( فقالا أَجَلْ غَلَلْنا فجاء رجلٌ برأس مثل رأس بقرة من الذَّهب ) ) (فَجَاءُوا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنَ الذَّهَبِ فَوَضَعُوهَا فَجَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا، ثُمَّ أَحَلَّ اللَّهُ لَنَا الْغَنَائِمَ) وفي رواية النَّسائي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك (( إنَّ الله أطعمنا الغنائم رحمةً رَحِمَنا بها وتخفيفًا خفَّفه عنَّا ) ).

(رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا) وفي رواية سعيد بن المسيَّب (( لما رأى من ضَعْفِنا ) )، وفيه إشعارٌ بأنَّ إظهار العجز بين يدي الله لنا يستوجبُ ثبوت الفضل، وفيه اختصاص هذه الأمة بحلِّ الغنيمة، وكان ابتداء ذلك في غزوة بدرٍ، وفيها نزل قوله تعالى {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} [الأنفال 69] فأحلَّ الله الغنيمة، وقد ثبت ذلك في (( الصَّحيح ) )من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وقد تقدَّم في أوائل فرض الخمس [خ¦3091] أنَّ أول غنيمةٍ خمست غنيمة السَّرية التي خرج فيها عبد الله بن جحش، وذلك قبل بدر بشهرين.

ويمكن الجمع بما ذكر ابن سعدٍ أنَّه صلى الله عليه وسلم أخَّر غنيمة تلك السرية حتَّى رجع من بدرٍ فقسمها مع غنائم أهل بدر.

ج 14 ص 193

قال المهلَّب في هذا الحديث أنَّ فتن الدُّنيا تدعو النَّفس إلى الهلع ومحبَّة البقاء، فإنَّ من ملك بضع امرأةٍ ولم يدخل بها، أو دَخَل وكان على قرب من ذلك فإنَّ قلبه متعلِّق بالرُّجوع إليها، ويجد الشَّيطان السَّبيل إلى شغل قلبه عمَّا هو عليه من الطَّاعة، وكذلك غير المرأة من أحوال الدُّنيا وهو كما قال إلَّا أنَّ ما بعد الدُّخول ليس كما قبله وإن لم يطل، ويدلُّ على التَّعميم في الأمور الدُّنيوية ما وقع في رواية سعيد بن المسيَّب من الزِّيادة وهي قوله أو له حاجةٌ في الرُّجوع.

وفيه أنَّ الأمور المهمَّة لا ينبغي أن تفوض إلَّا إلى أولي الحزم وأصحاب الفراغ لها فإن تعلَّق القلب بغيرها يمنع كمال بذل الوُسْع في ذلك.

وفيه أنَّ من مضى كانوا يغزون ويأخذون أموال أعدائهم وأسلابهم لكن لا يتصرَّفون فيها بل يجمعونها، وعلامةُ قبول غزوِهم ذلك أن تنزل النَّار من السَّماء فتأكلها، وعلامةُ عدم قبوله أن لا تنزل، ومن أسباب عدم القبول أن يقعَ منهم الغلول، وقد منَّ الله تعالى على هذه الأمة ورحمها لشرف نبيِّهم صلى الله عليه وسلم عنده فأحلَّ لهم الغنيمة، وستر عليهم الغلول وطوى عنهم فضيحةَ عدم القبول، فلله الحمد على نعمه تترى.

وفيه معاقبة الجماعة بفعل سفهائها، وفيه أنَّ أحكام الأنبياء عليهم السَّلام قد تكون بحسب الأمر الباطن، كما في هذه القصَّة، وقد تكون بحسب الأمر الظَّاهر، كما في حديث (( إنَّكم تختصمون إليَّ ) )الحديث، واستدلَّ به ابن بطَّال على جواز إحراق أموال المشركين.

وتُعُقِّب بأنَّ ذلك كان في تلك الشَّريعة وقد نسخ بحلِّ الغنائم لهذه الأمَّة، وأُجيب عنه بأنَّه لا يخفى عليه ذلك، ولكنَّه استنبط من إحراق الغنيمة بأكل النَّار جواز إحراق أموال الكفَّار إذا لم يوجد السَّبيل إلى أخذها غنيمة

ج 14 ص 194

وهو ظاهرٌ؛ لأنَّ هذا القدر لم يرد التَّصريح بنسخه، فهو محتملٌ على أنَّ شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يَرِدْ ناسخه.

واستدلَّ به أيضًا على أنَّ قتال آخر النَّهار أفضل من أوله، وفيه نظرٌ لأنَّ ذلك في هذه القصَّة إنَّما وقع اتفاقًا.

ومطابقة الحديث في قوله (( ثمَّ أحلَّ الله لنا الغنائم ) )، وقد أخرجه البخاري في النكاح أيضًا [خ¦5157] وأخرجه مسلم في المغازي.

[1] كذا في تفسير الثعالبي وبه يتم المعنى.

[2] ما بين معقوفين من عمد القاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت