فهرس الكتاب

الصفحة 493 من 11127

291 - (حَدَّثَنَا مُعَاذُ) بضم الميم (بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء وتخفيف المعجمة، البصري (قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائي (ح) إشارة إلى التحويل، ولا يحسن الواو معه في قوله (وَحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دكين (عَنْ هِشَامٍ) الدَّستوائي الذي سبق (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة المفسر (عَنِ الْحَسَنِ) البصري (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) نفيع الصائغ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، ورجال هذا الإسناد كلُّهم بصريون، وقد أخرج متنه مسلم، وأبو داود، والنَّسائي، وابن ماجه كلهم في الطهارة.

(عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ إِذَا جَلَسَ) أي الرجل (بَيْنَ شُعَبِهَا) أي شعب المرأة، ولم يَمْضِ ذكر الرجل والمرأة، لكن السياق يدل عليهما، فهو من قبيل قوله تعالى {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} [ص 32] ، وقد وقع مصرحًا بهما في رواية لابن المنذر من وجهٍ آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال (( إذا غشي الرجل امرأته فقعد بين شعبها ) )الحديث.

(الأَرْبَعِ) والشُّعَب _ بضم الشين المعجمة وفتح العين _، جمع شعبة، ويروى جمع شعب، قال ابن الأثير الشعبة الطائفة من كل شيءٍ، والقطعة منه، والشعب النواحي، واختلفوا في المراد بالشُعَب الأربع فقيل هي اليدان والرجلان، وقيل الرجلان والفخذان، وقيل الرجلان والشفران، وقيل الفخذان والإسكتان، وهما ناحيتا الفرج، والشَّفران طرفا الناحيتين، واختار القاضي عياض أن المراد من الشعب الأربع نواحيها الأربع.

وقال ابن دقيق العيد (الأقرب أن يكون المراد اليدين والرجلين؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة، أو هو حقيقة في الجلوس) .

(ثُمَّ جَهَدَهَا) بفتح الجيم والهاء؛ أي بلغ جهده فيها، وقيل بلغ مشقتها، يقال جِهَدْته وأَجْهَدْتُه إذا بلغتُ مشقَّته، وقيل معناه كدَّها بحركته، وفي رواية مسلم من طريق شعبة، عن قتادة (( ثمَّ اجتهد ) ).

ورواه أبو داود من طريق شعبة وهشام معًا، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( إذا قَعَدَ بين شُعَبها الأربع، وألزَقَ الختان بالختان فقد وَجَبَ الغسل ) )أي موضع الختان بموضع الختان؛ لأن الختان اسم للفعل، وهذا يدل على أن الجهد هاهنا كناية عن معالجة الإيلاج، وقيل [1] الجهد هو الجماع، فمعنى جَهَدَهَا جامعها، وإنما كنَّى بذلك للاجتناب عن التفوه بما يفحش ذكره صريحًا.

(فَقَدْ وَجَبَ الْغَسْلُ)

ج 2 ص 475

ومطابقة الحديث للترجمة من جهة قوله (( ثمَّ جَهَدها ) )فإنه مفسَّرٌ بالجماع كما مر، وهو مقتضٍ لالتقاء الختانين، وقد روى البيهقي من طريق ابن أبي عروبة، عن قتادة مختصرًا ولفظه (( إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل ) )، وهذا مطابقٌ للفظ الترجمة، فكأن المصنِّف أشار إلى هذه الرواية كعادته في التبويب بلفظ إحدى روايات حديث الباب.

وروي أيضًا هذا اللفظ من حديث عائشة رضي الله عنها، أخرجه الشافعي من طريق سعيد بن المسيَّب عنها، ولكن في طريقه علي بن زيد، وهو ضعيف، ورواه ابن ماجه من طريق القاسم بن محمد عنها برجال ثقات، ورواه مسلم من طريق أبي موسى الأشعري عنها بلفظ (( ومسَّ الختانُ الختان ) )بدل قوله (( ثمَّ جَهَدها ) )والمراد بالمس الالتقاء؛ دلَّ عليه رواية الترمذي بلفظ (( إذا جاوز ) )، وليس المراد حقيقة المسِّ؛ لأنه لا يتصور [2] ؛ عند غيبوبة الحشفة، ولو حصل المسُّ قبل الإيلاج لم يجب الغسل بالإجماع.

قال النووي معنى الحديث أن إيجاب الغسل لا يتوقف على [3] الإنزال، بل متى غابت الحشفة في الفرج وجب الغسل وإن لم ينزل، وتُعُقِّبَ بأنه يحتمل أن يراد بالجهد الإنزال؛ لأنه هو الغاية في الأمر فلا يكون في الحديث دليلٌ على ذلك، وأجيب بأنه قد ورد التصريح بعدم التوقف على الإنزال في بعض طرق الحديث المذكور؛ ففي رواية مسلم من طريق مطر الوراق، عن الحسن في آخر هذا الحديث (( وإن لم ينزل ) )، ووقع ذلك في رواية قتادة أيضًا، رواه ابن أبي خيثمة في (( تاريخه ) )عن عفان قال حدثنا همام وأبان قالا أخبرنا قتادة به، وزاد في آخره (( أنزل أو لم ينزل ) )، وكذا رواه الدارقطني وصحَّحه من طريق علي بن سهل، عن عفان، وكذا ذكرها أبو داود الطيالسي، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، فانتفى الاحتمال المذكور.

ثمَّ إنَّ ذلك مما لا خلاف فيه اليوم، وقد كان فيه خلافٌ في الصدر الأول، فإنَّ جماعةً ذهبوا إلى أن مَنْ وَطِئ في الفرج ولم يُنْزِلْ فليس عليه غُسْلٌ، وممن رأى أن لا غسل من الإيلاج في الفرج، إن لم يكن إنزال عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، ورافع بن خديج، وأبو سعيد الخدري، وأبي بن كعب، وأبو أيوب الأنصاري، وابن عباس

ج 2 ص 476

والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت، حمزة الأنصاري رضي الله عنهم، وهو قول عطاء بن أبي رباح، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وهشام بن عروة، والأعمش، وبه قالت الظاهرية.

واحتجوا في ذلك بأحاديث منها ما رواه البخاري من حديث زيد بن خالد رضي الله عنه على ما يجيء في الباب الآتي [خ¦292] ، وأخرجه مسلم أيضًا والطحاوي، وأخرجه البزار أيضًا ولفظه عن زيد بن خالد الجُهَني أنه سأل عثمان رضي الله عنه عن الرجل يجامع ولا ينزل، فقال (( ليس عليه إلا الوضوء ) )، وقال عثمان أشهد أني سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومنها حديث أبي بن كعب رضي الله عنه، رواه مسلم حدثنا أبو الربيع الأنصاري حدَّثنا حماد، عن هشام بن عروة وحدثنا أبو كُريب _ واللفظ له _ قال حدَّثنا أبو معاوية، قال حدَّثنا هشام، عن أبيه، عن أبي أيوب، عن أبي بن كعب قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يصيب من المرأة ثمَّ يُكْسِل، فقال (( يغسل ما أصابه من المرأة ثمَّ يتوضأ ) )، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة وأحمد والطحاوي.

ومنها حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أخرجه البخاري ومسلم عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ على رجلٍ من الأنصار فأرسل إليه فخرج ورأسه يقطُر، فقال (( لعلنا أعجلناك ) )قال نعم يا رسول الله، قال (( إذا أُعجِلْتَ أو قُحِطَّتَ فلا غُسْلَ عليك، وعليك الوضوء ) ).

وأخرجه الطحاوي أيضًا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال «قلت لإخواني من الأنصار أَنْزِلُوا الأمر كما يقولون الماء من الماء، أرأيتم إن اغتسل فقالوا لا والله حتى لا يكون في نفسك حرجٌ مما قضى الله ورسوله» .

وأخرجه أبو العباس السراج في (( مسنده ) )حدَّثنا روح بن عباد، عن زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار أن ابن عياض أخبره أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه كان ينزل في دارهم، وأن أبا سعيد أخبره أنه كان يقول لأصحابه أرأيتم لو اغتسلت وأنا أعرف أنه كما يقولون قالوا لا، حتى لا يكون في نفسك حرجٌ مما قضى الله ورسوله في الرجل يأتي امرأته ولا ينزل، وأخرج مسلمٌ أيضًا عن أبي سعيدٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( الماء من الماء ) ).

ومنها حديث أبي أيوب رضي الله عنه أخرجه ابن ماجه والطحاوي عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم (( الماء من الماء ) )، ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه الطحاوي عنه قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم

ج 2 ص 477

إلى رجل من الأنصار فأبطأ، فقال (( ما حَبَسَك ) )قال كنت أصبت من أهلي، فلما جاءني رسولُك اغتسلت من غير أن أحْدِثَ شيئًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( الماء من الماء، والغسل على من أنزل ) ).

ومنها حديث عتبان الأنصاري رواه أحمد عنه، أو ابن عتبان الأنصاري قال قلت يا نبي الله! إني كنت مع أهلي فلما سمعت صوتك أقلعت فاغتسلت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( الماء من الماء ) ).

ومنها حديث رافع بن خديج أخرجه الطبراني وأحمد عنه نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا على بطن امرأتي، فقمت ولم أنزل فاغتسلت، فأخبرته أنك دعوتني، وأنا على بطن امرأتي فقمت، ولم أَمْنِ، فاغتسلت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا عليك الماء من الماء ) ).

ومنها حديث عبد الرحمن بن عوف أخرجه أبو يعلى عنه قال انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب رجلٍ من الأنصار فدعاه فخرج الأنصاري ورأسه يقطر ماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما لرأسك ) )قال دعوتني وأنا مع أهلي، فخفت أن أحتبس عليك، فعجلت فقمت وصببتُ عليَّ الماء ثمَّ خرجتُ، فقال (( هل كنت أنزلت؟ ) )قال لا، قال (( إذا فعلت ذلك فلا تغتسلن، اغسل ما مس المرأة منك، وتوضأ وضوءك للصلاة، فإن الماء من الماء ) )، وأخرجه البزار أيضًا.

ومنها حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أخرجه البزار عنه قال أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجلٍ من الأنصار فأبطأ عليه، فقال (( ما حَبَسَك؟ ) )قال كنت حين أتاني رسولك على المرأة، فقمت فاغتسلت، فقال (( وما كان عليك أن لا تغتسل ما لم تنزل ) )قال فكان الأنصار يفعلون ذلك.

ومنها حديث عبد الله بن عبد الله بن عقيل أخرجه مَعْمَر بن راشد في (( جامعه ) )عنه فقال سلَّم النبي صلى الله عليه وسلم على سعد بن عبادة فلم يأذن له، كان على حاجته، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم فقام سعد سريعًا، فاغتسل ثمَّ تبعه، فقال يا رسول الله، إني كنت على حاجةٍ، فقمت فاغتسلت، فقال عليه السلام (( الماء من الماء ) ).

وحجة الجمهور حديث الباب، وحديث عائشة رضي الله عنها «أنها سُئِلت عن الرجل يجامع فلا ينزل، فقالت فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا منه جميعًا» ، أخرجه الطحاوي، وأخرجه الترمذي أيضًا ولفظُه (( إذا جاوز الختانُ الختانَ وجب الغسل فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم

ج 2 ص 478

فاغتسلنا )) ، وهذا حديثٌ حسنٌ صحيح، وأخرجه ابن ماجه أيضًا.

وروى مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه أتى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فقال «لقد شقَّ علي اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرٍ إني لأعظم أن أستقبلك به، فقالت ما هو كنت سائلًا عنه أمك فسلني عنه؟ فقال لها الرجل يطيب [4] أهله ثمَّ يُكْسِلُ ولا يُنْزِلُ، قالت إذا جاوز الختانُ الختانَ وجب الغسل، فقال أبو موسى لا أسألُ أحدًا عن هذا بعدك أبدًا» ، ورواه الشافعي أيضًا عن مالك، وأخرجه البيهقي من طريقه، وقال الإمام أحمد هذا إسنادٌ صحيحٌ إلا أنه موقوف على عائشة رضي الله عنها.

وقال أبو عمر هذا الحديث موقوفٌ في (( الموطأ ) )عند جماعةٍ من رواته، وروى موسى بن طارق وأبو قرة [5] ، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد ابن المسيَّب، عن أبي موسى، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( إذا التقى الختانان وجب الغسل ) )، ولم يُتَابَع على رفعه عن مالك.

وأخرج الطحاوي أيضًا عن عائشة مرفوعًا عن جابر بن عبد الله قال أخبرتني أم كلثوم، عن عائشة أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجامع أهله ثمَّ يكسل، هل عليه من غسل، وعائشة جالسة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إني لأفعل ذلك أنا وهذه، ثمَّ نغتسل ) ).

قالوا فهذه الآثار تخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يغتسل إذا جامع وإن لم ينزل.

فإن قالت الطائفة الأولى هذه الآثار تخبر عن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد يجوز أن يفعل ما ليس عليه بطريق الاستحباب، لا بطريق الوجوب، فلا يتم الاستدلال بها، والآثار الأُول تخبر عما يجب وما لا يجب، فهي أولى، أجاب الجمهور عنه إنَّ هذه الآثار على نوعين

أحدهما الماء من الماء لا غير، فهذا ابن عباس قد روي عنه أنه قال (مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا أن يكون في الاحتلام) ، وأخرج الترمذي عن علي بن حجر، عن شريك، عن أبي الجحاف، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال «إنما الماء من الماء في الاحتلام» ؛ يعني إذا رأى أنه يجامع ثمَّ لم ينزل، فلا غسل عليه.

والنوع الآخر الذي فيه الأمر، وأخبر فيه بالقصة، وأنه لا غسل في ذلك حتى يكون الماء قد جاء خلاف ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،

ج 2 ص 479

وهو حديث أبي هريرة المذكور في الباب، وهذا ناسخٌ لتلك الآثار، فإن قيل ليس فيه دليل على النَّسخ لعدم التعرُّضِ إلى شيءٍ من التاريخ.

فالجواب أنه قد جاء ما يدل على النسخ صريحًا، روى أبو داود حدَّثنا أحمد بن صالح حدَّثنا ابن وهب، قال أخبرني عمرو _ يعني ابن الحارث _، عن ابن شهاب قال حدثني بعض من أرضى أن سهل بن سَعْدٍ الساعدي أخبره أن أُبيَّ بن كعب أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جعل ذلك رخصةً للناس في أول الإسلام؛ لقلة الثياب، ثمَّ أَمَرنَا بالغسل، ونهى عن ذلك. قال أبو داود يعني الماء من الماء أخرجه الطحاوي أيضًا، وأخرج أبو داود أيضًا حدَّثنا محمد بن مهران الرازي، قال حدَّثنا مبشر الحلبي، عن محمد أبي غسان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال حدثني أبي بن كعب أن الفتيا التي كانوا يفتون إنَّ الماء من الماء، كانت رخصةً رخَّصها رسول الله صلى الله عليه وسلم في بَدْء الإسلام، ثمَّ أمر بالاغتسال بعد، وأخرجه ابن ماجه والترمذي وقال حديثٌ حسنٌ صحيح.

فإن قيل في الحديث الأول مجهول، وهو قوله «حدثني بعضُ من أرضى» ؟، فالجواب أن الظاهر أنه أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج؛ لأن البيهقي روى هذا الحديث ثمَّ قال ورويناه بإسناد آخر موصول، عن أبي حازم، عن سهل ابن سعد، والحديث محفوظ عن سهل، عن أبي بن كعب كما أخرجه أبو داود.

وقال ابن عبد البر في (( الاستذكار ) ) (إنما رواه ابن شهاب، عن أبي حازم، وهو حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ بنقل العدول له) ، وأخرج ابن أبي شيبة في (( مصنفه ) )قال حدَّثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن زيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حُيَيَّة مولى ابنة صفوان، عن عبيد بن رفاعة بن رافع، عن أبيه رفاعة بن رافع، قال بينا أنا عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذ دخل عليه رجلٌ فقال يا أمير المؤمنين هذا زيد بن ثابت يفتي الناس في المسجد برأيه في الغسل من الجنابة، فقال عمر عليَّ به، فجاء زيدٌ فلما رآه عمر قال أيّ عدو نفسه، قد بُلِّغتُ أنك تفتي الناس برأيك؟! فقال يا أمير المؤمنين بالله ما فعلت، لكني سمعت من أعمامي حديثًا، فحدثت به من أَبي أيوب، ومن أُبيِّ بن كعب، ومن رفاعة بن رافع، فأقبل عمر على رفاعة بن رافع فقال وقد كنتم تفعلون ذلك إذا أصاب أحدكم من المرأة فأكْسَلَ لم يغتسل؟ فقال قد كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم،

ج 2 ص 480

فلم يأتنا فيه تحريمٌ، ولم يكن من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فهيٌ، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم تعْلَمُ ذلك؟ قال لا أدري، فأمر عمر رضي الله عنه بجمع المهاجرين والأنصار، فجُمِعُوا له، فشاورهم فأشار الناس أن لا غسل في ذلك، إلا ما كان من معاذٍ وعلي رضي الله عنهما فإنهما قالا إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل، فقال عمر رضي الله عنه هذا وأنتم أصحاب بدر وقد اختلفتم، فَمَنْ بعدَكم أشدُّ اختلافًا.

قال فقال علي يا أمير المؤمنين، إنه ليس أحدٌ أعلم بهذا ممن سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه، فأرسل إلى حفصة رضي الله عنها فقالت لا علم لي بهذا، فأرسل إلى عائشة رضي الله عنها فقالت إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل، فقال عمر لا أسمع برجلٍ فعل ذلك إلا أوجعته ضربًا. ورواه الطحاوي أيضًا وفيه لا أعلم أحدًا فعله، ثمَّ لم يغتسل إلا جعلته نكالًا.

فإن قيل المنسوخ ينبغي أن يكون حكمًا شرعيًا، وعدم وجوب

ج 2 ص 481

الغسل عند عدم الإنزال ثابتٌ بالأصل، فالجواب أن عدمه ثابتٌ بالشرع، إذ مفهوم الحصر في (إنما) يدل عليه؛ لأن معنى الحصر إثبات المذكور ونفي غير المذكور، فيفيد أنه لا ماء من غير الماء.

وقال الكِرماني ثمَّ الراجح من الحديثين؛ يعني حديث (( الماء من الماء ) )، وحديث أبي هريرة المذكور في الباب، حديث التقاء الختانين؛ لأنه يدل بالمنطوق على وجوب الغسل، وحديث (( الماء من الماء ) )بالمفهوم يدل على عدمه، وحجية المفهوم مختلَفٌ فيها، وعلى تقدير ثبوتها، المنطوق أقوى من المفهوم، وعلى هذا التقدير لا يحتاج إلى القول بالنسخ.

وتعقَّبه محمود العيني بأن عدم دعوى الاحتياج إلى النسخ غير صحيح؛ لأن المستنبطين من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم ما وفقوا بين أحاديث هذا الباب المتضادة إلا بإثبات النسخ على ما ذكر.

هذا، ثمَّ قال الكِرماني فإن قلت حديث الالتقاء مطلق، وحديث الماء مقيد، فيجب حمل المطلق على المقيد، قلت ليس ذلك مطلقًا بل عامًا؛ لأن الالتقاء وصفٌ ترتَّبَ الحكمُ عليه، وكلما وُجِدَ الوصفُ وُجِدَ الحكم، وهذا ليس مقيدًا بل خاصًا، وكأنه قال بالالتقاء يجب الغسل، ثمَّ قال بالالتقاء مع الإنزال يجب الغسل، فيصير من باب قوله صلى الله عليه وسلم (( أيُّما إهاب دُبِغَ فقد طَهُر ) ).

ثمَّ قوله صلى الله عليه وسلم (( دباغها طهورها ) )وإفراد فرد من العام بحكم العام ليس من المخصصات، ولم يتقن الكلام أحد في هذا الباب مثل الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي، فإن أراد أحد أن يتقنه فعليه بكتابه (( معاني الآثار ) )، و (( شرحه ) )الذي عمله محمود العيني المسمى بـ (( مباني الأخبار ) ).

فإن قيل ادعى بعضهم أن التنصيص على الشيء باسمه العَلَمِ يُوجِبُ نفيَ الحكم عما عداه؛ لأن الأنصار فهموا عدمَ وجوب الغسل بالإكسال من قوله عليه السلام (( الماء من الماء ) )أي الاغتسال واجبٌ بالمني، فالماء الأول هو المطهِّر، والثاني هو المني و (من) سببية، والأنصار كانوا من أهل اللِّسان وفصحاء العرب وقد فهموا التخصيص منه، حتى استدلوا به على نفي وجوب الاغتسال بالإكسال؛ لعدم الماء، ولو لم يكن التنصيص باسم الماء موجبًا للنفي؛ لما صح استدلالهم على ذلك، قاله أبو بكر الدَّقاق وبعض الحنابلة.

فالجواب أن ذلك ليس من دلالة التنصيص على التخصيص، بل إنما هو من اللام المعرَّفة الموجبة للاستغراق عند عدم العهد.

ونحن نقول هذه اللام للاستغراق والانحصار كما فهمت الأنصار، ولكن لما دلَّ الدليل، وهو الإجماع على وجوب الاغتسال من الحيض والنفاس أيضًا، بقي الانحصار فيما وراء ذلك مما يتعلق بالمني منحصرٌ فيه لا تثبت لغيره، فعلى هذا، ينبغي أن لا يجب الغسل بالإكسال؛ لعدم الماء، لكنه واجبٌ لثبوت الماء فيه تقديرًا؛ لأنه تارةً يثبت عيانًا كما في حقيقة الإنزال، ومرة دلالةً كما في التقاء الختانين، فإنه سببٌ لنزول الماء، فأقيم مقامه؛ لكونه أمرًا خفيًا كالنوم أقيم مقام الحدَثِ لتعذُّرِ الوقوف عليه [6] .

(تَابَعَهُ) أي تابع هشامًا (عَمْرُو) بالواو، وهو عمرو بن مرزوق البصري أبو عثمان الباهلي، يقال مولاهم، وقد صرح بأنه في رواية كريمة، رَوَى عن شعبة وزهير بن معاوية وعمران القطان والحمادين وآخرين.

قال أبو حاتم كان ثقةً من العُبَّاد، ولم نجد أحدًا من أصحاب شعبة كان أحسن حديثًا منه، ولم يكن بالبصرة مجلسٌ أكثرَ من مجلسه، كان فيه عشرة آلاف رجل، روى عنه البخاري في أول الديات [خ¦6871] ، وفي مناقب عائشة رضي الله عنها [خ¦3769] ، وقال مات سنة أربع وعشرين ومائتين، وروى عنه أبو داود أيضًا، وذكره صاحب (( أسماء الرجال ) )للبخاري، ومسلم في (( أفراد البخاري ) )فدلَّ على أن مسلمًا لم يرو عنه، ولا روى له شيئًا.

وما ذكره الشيخ مُغلطاي أن رواية عمرو بن مرزوق هذه عند مسلم، عن محمد بن عمرو بن جبلة، عن وهب بن جرير، وابن أبي عدي كلاهما، عن عمرو بن مرزوق، عن شعبة، وتبعه بعضُهم فهو غلطٌ، فإن ذكر عمرو بن مرزوق في إسناد مسلم زيادة بلا فائدة، بل لم يخرج مسلم لعمرو بن مرزوق شيئًا على ما ذكره الحافظ العسقلاني وغيره

ج 2 ص 482

من الحفاظ.

(عَنْ شُعْبَةَ) أي تابعه عمرو، ويروى (مِثْلَهُ) أي مثل حديث الباب، ولفظ ساقط عند الأَصيلي، ويحتمل أن يراد به عن شعبة، عن قتادة، أو عن شعبة، عن الحسن نفسه، لكن هذا التعليق وصله عثمان بن أحمد السماك فقال حدثنا عثمان بن أحمد الضبي حدَّثنا عمرو بن مرزوق حدَّثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة نحو سياق حديث الباب، لكن في روايته من الإجهاد، وهذا يؤيد أن شعبةَ رواه عن قتادة، عن الحسن، لا عن الحسن نفسه.

(وَقَالَ مُوسَى) بن إسماعيل التبوذكي شيخ المؤلِّف (حَدَّثَنَا) وفي روايةٍ (أَبَانُ) بفتح الهمزة وتخفيف الموحَّدة منصرفًا وغير منصرف، هو ابن يزيد العطار البصري (قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة (قال أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ) البصري (مِثْلَهُ) . ولمَّا روى قتادة أولًا بالعنعنة، وهو مدلِّس، ذكره ثانيًا بلفظ قال أخبرنا الحسن إشعارًا بسماعه من الحسن، حتى زيد هنا في نسخة الصغاني هذا أجود وأوكد.

قال الحافظ العسقلاني وقرأت بخط مُغلطاي أن رواية موسى هذه عند البيهقي أخرجها من طريق عفان وهمام كلاهما، عن موسى، عن أبان، وتبعه عليه أيضًا بعضُهم وهو تخليط، وإنما أخرجها البيهقي من طريق عفان، عن همام وأبان جميعًا، عن قتادة، فهمام شيخ عفان لا رفيقه، وأبان رفيق همام لا شيخه، ولا ذِكْرَ لموسى أصلًا، بل عفان رواه عن أبان كما رواه عنه موسى فهو رفيقه لا شيخه. انتهى.

وإنما قال هنا وقال هناك تابعه؛ لأن المتابعة أقوى، فإن القول أعم من الذِّكْرِ على سبيل النقل والتحميل، ومن الذِّكْرِ على سبيل المحاورة والمذاكرة فأراد الإشعار بذلك.

وقال الكرماني واعلم أنه يحتمل سماع البخاري من عمرو وموسى، فلا يجزم بأنه ذكرهما على سبيل التعليق. انتهى؛ وذلك لأن كليهما من مشايخ البخاري، لكنهما تعليقان صورة.

[1] في هامش الأصل خطابي.

[2] في (خ) (( عند ) ).

[3] في هامش الأصل لأن ختانها في أعلى الفرج فوق مخرج البول الذي هو فوق مدخل الذكر، ولا يمسه الذكر في الجماع. منه.

[4] في هامش الأصل و (خ) (( في نسخة يصيب ) ).

[5] في (خ) (( مرة ) ).

[6] في هامش الأصل هذا السؤال إلى قوله (تابعه) محله بعد قوله (إلا جعلته نكالًا) قبل قوله (ولم يتقن الكلام) . فليكتب فيه حين التبييض. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت