3175 - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) قال (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابنُ سعيدٍ القطان، قال (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ عروة (قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي) هو عروة بن الزبير بن العوام (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُحِرَ) على البناء للمفعول (حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ) على صيغة المجهول (أَنَّهُ صَنَعَ شَيْئًا وَلَمْ يَصْنَعْهُ) واسم اليهوديِّ الذي سحره لبيد بن أعصم.
روي عن ابن عباس وعائشة رضي الله عنهم كان غلامٌ من اليهود يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدنت إليه اليهود ولم يزالوا به حتَّى أخذ مشاطة رأس النَّبي صلى الله عليه وسلم، وعدَّة أسنان من مشطه، فأعطاها اليهود فسحروه فيها، وكان الذي تولَّى ذلك لبيد بن أعصم، ثم دسَّها في بئرٍ لبني زريق، يقال لها ذَرْوان، ويقال أَرْوان، ويقال ذي أروان.
فمرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتثر شعر رأسه ولبث ستة أشهر، يرى أنَّه يأتي النساء ولا يأتيهنَّ، وجعل يذوب ولا يدري ما عراه، ويُخَيَّل إليه أنَّه يفعل الشَّيء وما يفعله، فبينا هو نائمٌ ذات يومٍ إذا أتاه ملكان فقعد أحدُهما عند رأسه، والآخر عند رجليه،
ج 14 ص 331
فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه ما بال الرجل؟ قال طُبَّ، قال وما طُبَّ؟ قال سُحِر، قال ومن سَحَره؟ قال لبيد بن أعصم اليهوديُّ، قال فبم طبَّه؟ قال بمشط ومشاطة، قال وأين هو؟ قال في جُفِّ طلعةٍ تحت راعوفة في بئر ذروان.
الجُفُّ، بالجيم وعاء الطلع، والراعوفة صخرةٌ تترك في أسفل البئر إذا حفرت، فإذا أرادوا تنقية البئر جلس المنقيُّ عليها، فانتبه النَّبي صلى الله عليه وسلم مذعورًا، وقال (( يا عائشة أما شعرت أنَّ الله تعالى أخبرني بدائي ) ).
ثمَّ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا والزبير وعمار بن ياسر رضي الله عنهم، فنزحوا ماء تلك البئر كأنَّه نقاعة الحنَّاء، ثمَّ رفعوا الصَّخرة وأخرجوا الجف، فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان من مشطه، وإذا وتر معقد فيه إحدى عشرة عقدة مغروزة بالإبر، فأنزل الله تعالى المعوَّذتين، فجعل كلما قرأ آيةً انحلَّت عقدة، ووجد صلى الله عليه وسلم خفة حتى إذا انحلَّت العقدة الأخيرة، قام صلى الله عليه وسلم كأنَّما نشط من عقال، وجعل جبريل عليه السلام يقول (( بسم الله أرقيك من كلِّ شرٍّ يؤذيك، ومن كلِّ حاسدٍ، ومن عين والله يشفيك ) )فقالوا يا رسول الله أفلا نأخذ الخبيث فنقتله، فقال صلى الله عليه وسلم (( أمَّا أنا فقد شفاني الله وأكره أن أُثِيرَ على النَّاس شرًا ) ). قالت عائشة رضي الله عنها ما غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبًا ينتقم من أحدٍ لنفسه قط، إلَّا أن يكون شيئًا هو لله فيغضب لله وينتقم.
وسيأتي هذا في كتاب الطبِّ عن عائشة رضي الله عنها إن شاء الله تعالى [خ¦5763] .
وقد اعترض بعض الملحدين على حديث عائشة رضي الله عنها وقالوا كيف يجوز السِّحر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسحر كفرٌ وعملٌ من أعمال الشياطين، فيكف يصل ضرره إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم مع حياطة الله تعالى، وتسديده إياه بملائكته وصون الوحي عن الشَّياطين؟
وأجيب بأنَّ هذا اعتراضٌ فاسد وعناد للقرآن؛ لأنَّ الله تعالى قال لرسوله {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}
ج 14 ص 332
إلى {فِي الْعُقَدِ} [الفلق 1 - 4] .
والنفاثات السَّواحر في العقد كما ينفث الرَّاقي في الرقية حين سحر، وليس في جواز ذلك عليه ما يدلُّ على أنَّ ذلك يلزمه أبدًا، أو يدخل عليه داخلةٌ في شيءٍ من ذاته، أو شريعته، وإنَّما كان له من ضرر السِّحر ما ينال المريض من ضرر الحمَّى والبرسام من ضَعْف الكلام وسوء التخيُّل، ثم زال ذلك عنه، وأبطل الله كيد السحر، وقد قام الإجماع على عصمته في الرسالة، والله الموفق.
ومطابقةُ الحديث للترجمة من حيث إنَّه صلى الله عليه وسلم سحره يهوديٌّ وعفا عنه كما تدلُّ عليه تتمة القصة.