فهرس الكتاب

الصفحة 495 من 11127

292 - (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، عبد الله بن عمرو المشهور بالمُقْعَد (قال حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد، وقد تقدم ذكرهما في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم (( اللهم علمه الكتاب ) ) [خ¦75] .

(عَنِ الْحُسَيْنِ) أي ابن ذكوان بفتح المعجمة كما في رواية أبي ذر (قَالَ يَحْيَى) أي قال الحسين قال يحيى بن أبي كثير، ولفظ قال في مثل هذا الموضع يحذف في الخط اصطلاحًا (وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ)

ج 2 ص 483

بفتح اللام، هو ابن عبد الرحمن بن عوف، وأتى بالواو العاطفة إشعارًا بأنه حدَّثه بغير ذلك أيضًا، فهو عطف على مقدَّرٍ؛ أي أخبرني بكذا، وأخبرني بكذا، ووقع في رواية مسلم بحذف الواو على الأصل.

وقال ابن العربي لم يسمعْه الحسين من يحيى فلهذا قال قال يحيى، وفيه أنه قد وقع في رواية مسلم في هذا الموضع عن الحسين، عن يحيى، وليس الحسين بمدلِّس، وعنعنة غير المدلِّس محمولةٌ على السَّماع إذا لقيه على الصحيح، وقد وقع التصريح في رواية ابن خزيمة في رواية الحسين، عن يحيى بالتحديث، ولفظه حدثني يحيى بن أبي كثير، وأيضًا لم ينفرد به الحسين فقد رواه عن يحيى معاوية بن سلام، أخرجه ابن شاهين، وشيبان بن عبد الرحمن، أخرجه البخاري في باب الوضوء من المخرجين [خ¦179] .

(أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ) بفتح الياء ضد اليمين (أَخْبَرَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ) بضم الجيم وفتح الهاء وبالنون، نسبةٌ إلى جُهَيْنة (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ) مستفتيًا (عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ) رضي الله عنه (فَقَالَ) وفي روايةٍ (أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ) أو أمته (فَلمْ يُمْنِ) بضم الياء وسكون الميم؛ أي لم ينزل المني؛ أي ماذا يفعل.

(قالَ عُثْمَان) رضي الله عنه (يتوضَأ ُكَمَا يَتَوَضُأ للصَّلاةِ، ويَغْسِلُ ذَكَرَهُ) مما أصابه من رطوبة فرج المرأة؛ أي يجمع بينهما، والظاهر أنه يقدم غسل الذكر كما تقدم (قالَ) وفي روايةٍ (عُثمانَ) رضي الله عنه (سَمِعْتُه) أي الذي أفتيت به من التوضؤ وغسل الذكر (من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم) .

قال زيد بن خالد (فسألْتُ عَنْ ذَلِكَ) الذي أفتاني به عثمان رضي الله عنه (عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُم، فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ) أي بغسل الذكر والوضوء، والضمير المنصوب في أمروه يرجع إلى الرجل المجامع، وقال الحافظ العسقلاني (فيه التفات؛ لأن الأصل أن يقول فأمروني) . وفيه أن الظاهر أنه ليس فيه التفات، فإنه سأل هؤلاء عن المجامع الذي لم يُمن، فأجابوا له بما أجابوا، فالكلام على أصله، ثمَّ ظاهر هذا أنهم أمروه بما أمر به عثمان رضي الله عنه، فليس صريحًا في الرفع، لكن في رواية الإسماعيلي «فقالوا مثل ذلك» . وهذا ظاهره الرفع؛ لأن عثمان رضي الله عنه أفتاه بذلك، وحدثه به عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالمثلية تقتضي أنهم أيضًا أفتوه وحدَّثوه، وقد صرَّح الإسماعيلي في روايةٍ أخرى له

ج 2 ص 484

ولفظه «فقالوا مثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم» ، وقال الإسماعيلي (لم يقل أحدٌ منهم عن النبي صلى الله عليه وسلم غير الحِماني، وليس هو على شرط هذا الكتاب) .

(قَالَ يَحْيَى وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ) وفي رواية سقط لفظ ، وهو معطوفٌ على الإسناد الأول، فيكون موصولًا لا متعلقًا كما توهم، وقد وقع في رواية مسلم من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه بالإسنادين معًا.

(أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ) الأنصاري رضي الله عنه (أَخْبَرَهُ) كذا في رواية أبي الوقت والأصيلي إثبات قوله (أَنَّهُ) أي أبا أيوب رضي الله عنه (سَمِعَ ذَلِكَ) المذكور من غسل الذكر والتوضؤ كوضوء الصلاة (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) .

قال الدارقطني (هو وهمٌ؛ لأن أبا أيوب لم يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما سمعه من أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال هشام عن أبيه عن أبي أيوب عن أبي بن كعب) ، وأجيب عنه بأن قوله (لم يسمعه) نفي، والاستدلال بالنفي غير صحيح.

والظاهر أن أبا أيوب رضي الله عنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذات وبواسطة أبي لاختلاف السياق، ولأن في روايته عن أبي بن كعب قصة ليست في روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم مع أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أكبر قدرًا وسنًا وعلمًا من هشام بن عروة، وروايته عن عروة من باب رواية الأقران؛ لأنهما تابعيان فقيهان من طبقة واحدة، وكذلك رواية أبي أيوب عن أبي بن كعب؛ لأنهما صحابيان كبيران، وقد جاء هذا الحديث من وجهٍ آخر عن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه الدارمي وابن ماجه.

فإن قيل قد حكى الأثرم عن أحمد أن حديث زيد بن خالد المذكور في هذا الباب معلولٌ؛ لأنه ثبت عن هؤلاء الخمسة الفتوى بخلاف ما في هذا الحديث، وكذا حكى يعقوب بن شيبة عن علي بن المديني أنه شاذ، فالجواب عن ذلك أن الحديث ثابتٌ من جهة اتصال إسناده، وحفظ رواته، وقد روى ابن عيينة أيضًا عن زيد بن أسلم، عن عطاء، أخرجه ابن شيبة فليس هو فردًا، وأما كونهم أفتوا بخلافه، فلا يقدح في صحة الحديث؛ لاحتمال أنه ثبت عندهم ناسخه، فذهبوا إليه، وكم من حديثٍ منسوخٍ، وهو صحيح من حيث الصناعة الحديثية.

وقد ذهب الجمهور إلى أن ما دل عليه الباب من الاكتفاء بالوضوء إذا لم ينزل منسوخٌ بما دل عليه حديث أبي هريرة

ج 2 ص 485

وعائشة رضي الله عنهما المذكورين في الباب الذي قبله، والدليل على النسخ ما رواه أحمد وغيره من طريق الزهري، عن سهل بن سعد حدثني أبي بن كعب «أن الفتيا التي كانوا يقولون الماء من الماء كانت رخصةً رخص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام، ثمَّ نهى عن ذلك، وأمر بالاغتسال بعد» ، صححه ابن خزيمة وابن حبان كما تقدم. وقال الإسماعيلي هو صحيحٌ على شرط البخاري، وكأنه لم يطلع على علته فقد اختلفوا في كون الزهري سمِعَه من سهل، نعم أخرجه أبو داود وابن خزيمة أيضًا من طريق أبي حازم، عن سهل، ولهذا الإسناد أيضًا علة أخرى ذكرها ابن أبي حاتم.

وفي الجملة هو صالح لأَنْ يحتج به، وهو صريحٌ في النسخ، على أن حديث (الغسل وإن لم ينزل) أرجح من حديث (الماء من الماء) ؛ لأنه بالمنطوق، وترك الغسل من حديث الماء من الماء بالمفهوم أو بالمنطوق أيضًا، لكن ذاك أصرح منه.

وقد روى ابن أبي شيبة وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه حمل حديث الماء من الماء على صورةٍ مخصوصة، وهي ما تقع في المنام من رؤية الجماع، وهو تأويل يجمع بين الحديثين من غير معارض، وقد سبق.

ثمَّ إنَّ مذهب الجمهور أن إيجاب الغسل لا يتوقف على إنزال المني، بل متى غابت الحشفة في الفرج وجب الغسل على الرجل والمرأة، ولهذا جاء في روايةٍ أخرى في الصحيح (( وإن لم ينزل ) ).

وفي (( المغني ) )لابن قدامة تغييب الحشفة في الفرج هو الموجب للغسل سواء كان الفرج قبلًا أو دبرًا من كل حيوان آدمي أو بهيمي، حيًا أو ميتًا، طائعًا أو مكرهًا، نائمًا أو مستيقظًا. انتهى.

وقال أصحابنا والتقاء الختانين يوجب الغسل؛ أي مع تواري الحشفة، فإن نفس ملاقاة الفرج بالفرج من غير التواري لا يوجب الغسل، ولكن يوجب الوضوء عندهما خلافًا لمحمد.

وفي (( المحيط ) )أتى امرأته وهي بكر فلا غُسْل ما لم يُنْزِل؛ لأن ببقاء البكارة يعلم أنه لم يوجد الإيلاج، ولكن إذا جومعت البكر فيما دون الفرج فحِبلَت فعليهما الغسل؛ لوجود الإنزال؛ لأنه لا حبل بدونه.

وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يجب الغسل بوطء البهيمة أو الميتة إلا بالإنزال.

فائدة في قوله (( الماء من الماء ) )جناسٌ تام، والمراد بالماء الأول ماء الغسل، وبالثاني المني، وذكر الشافعي أن كلام العرب يقتضي أن الجنابة تطلق بالحقيقة على الجماع وإن لم يكن معه إنزالٌ، قال فإن كل من خوطب بأن فلانًا أجنبَ من فلانة عَقَل أنه أصابها، وإن لم ينزل، قال ولم يختلف أن الزنا الذي يجب به الحد هو الجماع، ولو لم يكن معه إنزال.

ج 2 ص 486

وقال ابن العربي إيجاب الغسل بالإيلاج بالنسبة إلى الإنزال، نظير إيجاب الوضوء بمس الذكر إلى خروج البول [1] ، فهما متفقان دليلًا وتعليلًا، فافهم، والله أعلم.

[1] في هامش الأصل وفي رواية إلى خروج المذي وهو الظاهر. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت