3180 - (قَالَ أَبُو مُوسَى) هو محمد بن المثنى شيخ البخاريِّ، وفي بعض النُّسخ والأوَّل هو الصَّحيح، وبه جزم الإسماعيليُّ وأبو نعيم وغيرهما، ثمَّ هذه الصِّيغة هل تُحْمَلُ على السَّماع؟ فيه خلاف، قال الخطيب لا تُحْمَل على السِّماع إلَّا ممن جرت عادته أن يستعملها فيه.
(حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) أبو النَّضر التميميُّ، ويقال الليث الكناني خراساني سكن بغداد، قال (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ) وقد وافقه في هذا الحديث أخوه خالد بن سعيد بنحوه (عَنْ أَبِيهِ) سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص الأمويِّ القرشيِّ.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَمْ تَجْتَبُوا) من الجباية، بالجيم والموحدة (دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا) أي إذا لم تأخذوا من الجزية والخراج.
(فَقِيلَ لَهُ وَكَيْفَ تَرَى ذَلِكَ كَائِنًا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ إِيْ) بكسر الهمزة حرف تصديق (وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ، عَنْ قَوْلِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ) معنى الصَّادق ظاهر، والمصدوق هو الذي لم يقل له إلَّا الصِّدق، يعني أنَّ جبريل عليه السلام مثلًا لم يخبره إلَّا بالصدق. قال الكِرمانيُّ أو المصدق بلفظ المفعول.
(قَالُوا عَمَّ) أصله عن ما، فحذفت ألف ما، وأدغم النون في الميم (ذَاكَ، قَالَ تُنْتَهَكُ) بضم أوله، من الانتهاك، وانتهاك الحرمة تناولها بما لا يحلُّ من الجور والظُّلم (ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ فَيَشُدُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قُلُوبَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَيَمْنَعُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ) أي يمتنعون من أداء الجزية، وهذا التَّعليق وصله أبو نعيم في «المستخرج» من طريق موسى بن العباس، عن أبي موسى مثله.
وقال الحميديُّ أخرج مسلمٌ معنى هذا الحديث من وجهٍ آخر عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه (( مَنَعت العراقُ دِرْهَمها وقَفيزها ) )الحديث، وساقه بلفظ الماضي، والمراد به ما يستقبل مبالغةً في الإشارة إلى تحقق وقوعه.
وروى مسلم أيضًا عن جابر رضي الله عنه مرفوعًا (( يُوشكُ أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم ) )، قالوا ممَّ ذاك؟ قال (( من قبل العجم يمنعون ذلك ) ). وفيه علمٌ من علامات النُّبوَّة
ج 14 ص 341
والتوصية بالوفاء بأهل الذِّمة لما في الجزية التي تؤخذ منهم من نفع المسلمين. وفيه التَّحذير من ظلمهم، وأنَّهم متى وقع ذلك نقضوا العهد، فلم يجتب المسلمون منهم شيئًا فتضيق أحوالهم.
وذكر ابن حزم أنَّ بعض المالكية احتج بقوله في حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( مَنَعت العراقُ درهمها ) )الحديث، على أنَّ الأرض المغنومة؛ لا تُقْسَمُ ولا تُبَاع، وأنَّ المراد بالمنع منع الخراج. ورَدَّه بأن الحديث ورد في الإنذار بما يكون من سوء العاقبة وأنَّ المسلمين يمنعون حقوقهم، وكذلك وقع، والله تعالى أعلم.