(باب الأَمْرِ) الكائن (لِلنُّفَسَاءِ) وفي نسخة أي الأمر المتعلق بالنُفَساء _ بضم النون وفتح الفاء _ مفرد، وجمعه نفاس.
وقال الجوهري (ليس في الكلام(فُعَلاء) يجمع على (فِعَال) غير نُفَساء وعُشَراء، وهو الحامل من البهائم، ويجمع أيضًا على نُفَسَاوات بضم النون، وقال صاحب (( المطالع ) )وبالفتح أيضًا، ويجمع أيضًا على نُفُس، بضمتين، ويقال في الواحدة نُفْسَى مثل كُبْرى، وبفتح النون أيضًا، وامرأتان نُفَساوان ونساء نِفَاس، والنفاس أيضًا مصدر سُمِّي به الدم كما يُسَمَّى بالحيض، مأخوذٌ من تنفس الرحم بخروج النَّفْس الذي هو الدم.
وفي (( المغرب ) )النفاس مصدر نُفِست المرأة _ بضم النون وفتحها _ إن ولدت وهي نُفَساء.
والجمع في قوله (إِذَا نُفِسْنَ) باعتبار الجنس، وفي نسخة وتذكيره باعتبار الشخص، أو لعدم الالتباس؛ لاختصاص الحيض بالنساء، وترجم بالنفساء إشعارًا بأن ذلك يطلق على الحائض، وسقطت هذه الترجمة في أكثر الروايات.
294 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) وفي رواية ابن عساكر ، وهو المَدِيني _ بفتح الميم وكسر الدال _، قال ابن الأثير منسوبٌ إلى مدينة الرسول عليه السلام على خلاف القياس، فإن قياسه المدني، وقال الجوهري تقول في النسبة إلى مدينة الرسول مَدَني، وإلى مدينة المنصور مديني للفرق.
(قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عيينة (قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ قَالَ سَمِعْتُ) أبي (الْقَاسِمَ) بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم
ج 2 ص 494
(يَقُولُ سَمِعْتُ عَائِشَةَ) الصديقة رضي الله عنها (تَقُولُ) ورجال هذا الإسناد ما بين بصري ومكي ومديني، وقد أخرج متنه المؤلِّف في الأضاحي أيضًا، وأخرجه مسلم، وابن ماجه في الحج، والنسائي فيه وفي الطهارة.
(خَرَجْنَا) حال كوننا (لاَ نُرَى) بضم النون؛ أي لا نظن، وفي نسخة بفتحها (إِلاَّ الْحَجَّ) أي إلا قصده؛ لأنهم كانوا يظنون امتناع العمرة في أشهر الحج فأخبرت عن اعتقادها، أو عن الغالب عن حال الناس، أو حال الشارع (فَلَمَّا كُنَّا) وفي رواية (بِسَرِفَ) بفتح السين المهملة وكسر الراء آخره فاءٌ، وهو اسم موضعٍ قريبٌ من مكةَ بينهما عشرة أميال، أو تسعة، أو سبعة، أو ستة، غير منصرف للعَلمَيَّة والتأنيث، وقد يصرف باعتبار إرادة المكان (حِضْتُ) بكسر الحاء، من حاض يحيض كبعت من باع يبيع.
(فَدَخَلَ عَلَيَّ) بتشديد الياء (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا أَبْكِي قَالَ) وفي رواية (مَا لَكِ) بكسر الكاف (أَنُفِسْتِ) بهمزة الاستفهام وبضم النون، قال النووي _ بضم الفاء وفتحها _ في الحيض والنفاس، لكن الضم في الولادة، والفتح في الحيض أكثر، وحكى صاحب (( الأفعال ) )الوجهين جميعًا، وفي (( شرح مسلم ) )المشهور في اللغة أن نَفِست بفتح النون وكسر الفاء؛ معناه حاضت، وأما في الولادة فيقال نُفِست، بالضم، وقال الهروي نُفَست، بضم النون وفتحها، في الولادة، وأما في الحيض بالفتح لا غير).
(قُلْتُ نَعَمْ) نفست (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنَّ هَذَا) الحيض (أَمْرٌ) أي شأن (كَتَبَهُ اللَّهُ) سبحانه وتعالى (عَلَى بَنَاتِ آدَمَ) ابتلاهن به؛ لما فيه من صلاحهن كما تقدم (فَاقْضِي) خطاب لعائشة رضي الله عنها؛ أي فأدي؛ فإن القضاء يأتي بمعنى الأداء، كما في قوله تعالى {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا} [الجمعة 10] أي فإذا أديت صلاة الجمعة (مَا يَقْضِي الْحَاجُّ) من المناسك.
قال الكِرماني (والمراد من الحاج الجنس، فيشمل الجمع، وهو كقوله تعالى {سَامِرًا تَهْجُرُونَ} [المؤمنون 67] ) .
وقال محمود العيني لا ضرورة إلى هذا الكلام، بل هو اسم فاعلٍ، وأصله حاجج.
وفي (( الصحاح ) )حججت البيت أحجه حجًا وأنا حاج، ويجمع على حُجُج مثل بازل وبزل. انتهى.
وليت شعري ما محصل هذا الكلام، وكيف يخالف ما ذكره الكرماني من المرام؟
(غَيْرَ) بالنصب (أَنْ لاَ تَطُوفِي)
ج 2 ص 495
أي غير أنه؛ أي الشأن لا تطوفي، فأن مخففةٌ من المثقلة، وفيه ضمير الشأن، ولا تطوفي مجزوم؛ أي لا تطوفي (بِالْبَيْتِ) ويجوز أن تكون كلمة أن مصدرية، ولا زائدة؛ أي غير أن تطوفي بالبيت ما دمت حائضًا؛ لفقدان شرط صحة الطواف، وهو الطهارة، وزاد في الرواية الآتية .
(قَالَتْ) أي عائشة رضي الله عنها (وَضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ نِسَائِهِ) التسع رضي الله عنهن بإذنهن (بِالْبَقَرِ) ويروى ، والفرق بينهما ما بين تمرة وتمر، وعلى تقدير عدم التاءِ يحتمل التضحية بأكثر من بقرةٍ واحدة.
ومما يستفاد من الحديث أن المرأة إذا حاضت بعد الإحرام ينبغي لها أن تأتي بأفعال الحج كلِّها غير أنها لا تطوف بالبيت، فإن طافت قبل أن تتطهر فعليها بدنة، وكذلك النفساء والجنب عليهما بدنة بالطواف قبل التطهر عن النفاس والجنابة، وأما المحدث فإن طاف طواف القدوم فعليه صدقة، وقال الشافعي لا يعتد به، إذ الطهارة من شرطه عنده، وكذا الحكم في كل طوافٍ هو تطوع، ولو طاف طواف الزيارة محدثًا فعليه شاة، وإن كان جنبًا فعليه بدنة، وكذا الحائض والنفساء.
ومنه جواز البكاء والتحزن، بل ندبيته على حصول مانع من العبادة، ومنه جواز التضحية ببقرة واحدة لجميع نسائه، ومنه جواز تضحية الرجل لامرأته، وقال النووي هذا محمولٌ على أنه عليه السلام استأذنهن في ذلك، فإن تضحية الإنسان عن غيره لا تجوز إلا بإذنه. انتهى.
وهذا في الواجب، وأما في التطوع فلا يحتاج إلى الإذن، وقد استدل به مالك على أن التضحية بالبقر أفضل من البدنة، ولا دلالة له فيه، والأكثرون ومنهم الشافعي ذهبوا إلى أن التضحية بالبدنة أفضل من البقر؛ لتقديم البدنة على البقرة في حديث الجمعة، وسيأتي الكلام على هذا الحديث بتمامه في كتاب الحج إن شاء الله تعالى.
وقال التيمي الأحكام المتعلقة بالحيض منع وجوب الصلاة والصوم، عدم جواز فعلهما ودخول المسجد، والطواف، وقراءة القرآن، ومس المصحف، والعدة الشرعية، وحرمة الجماع، ويَتَعلَّقُ به وجوبُ الغسل، ويُزِيلُ حُكْمَ الاعتدادِ بالشهور، وتَبْلُغُ به المرأة.