3256 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن يحيى، أبو القاسم العامري الأويسي المدني، قال (حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ) بضم السين وفتح اللام، المدني. وعند مسلم في رواية ابن وهب، عن مالك (( أخبرني صفوان ) )، ووهم أيُّوب بن سويد، فرواهُ عن مالك، عن زيد بن أسلم بدل صفوان، ذكره الدَّارقطني في (( الغرائب ) ).
(عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وفي رواية فُليح عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسارٍ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أخرجه التِّرمذي، وصحَّحه ابن خُزيمة.
ونقل الدَّارقطني في (( الغرائب ) )عن الذُّهلي أنَّه قال لستُ أرفع حديث فُليح؛ يجوز أن يكون عطاء بن يسار حدَّث به عن أبي سعيد، وعن أبي هريرة رضي الله عنهما. انتهى.
وقد رواه أيُّوب بن سويد عن مالك فقال عن أبي حازم، عن سهل بن سعد رضي الله عنهما، ذكره الدَّارقطني في (( الغرائب ) )وقال إنَّه وهم فيه أيضًا.
قال الحافظ العسقلاني ولكن له أصل من حديث سهل بن سعد رضي الله عنهما عند مسلم.
(عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ) على وزن يتفاعلون من باب التفاعل؛ أي يرون وينظرون، وفيه معنى التكلُّف كما في قول أبي البحتري تراءينا الهلال؛ أي تكلَّفنا النَّظر إليه هل نراه أم لا؟ وفي رواية مسلم (( يرون ) )وهذا يدلُّ على أنَّ باب التفاعل هنا ليس على بابه.
(أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ) والغُرَف، بضم الغين المعجمة وفتح الراء جمع غرفة، وهي العليَّة، والمعنى إنَّ أهل الجنَّة تتفاوت منازلهم بحسب دَرجاتهم في الفضل، حتَّى إنَّ أهلَ الدَّرجات العُلى لَيَراهُم مَنْ هو أسفل منهم كالنُّجوم، كما بين في الحديث بقوله (( لتفاضل ما بينهم ) ).
(كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ) قد تقدَّم أنَّه هو النَّجم الشَّديد الإضاءة. وقال الفرَّاء هو النَّجم العظيم المقدار. وقد تقدَّم أيضًا [خ¦3254] أنَّ فيه لغات ضم الدال وكسر الراء المشددة بعدها تحتانية ثقيلة، وقد تسكن وبعدها همزة ومد وقد تكسر أوَّله على الحالين، فتلك أربعُ لغات.
ج 14 ص 486
ثمَّ قيل إنَّ المعنى مختلفٌ فالتَّشديد كأنَّه منسوب إلى الدُّرِّ لبياضه وضيائه، وبالهمز كأنَّه مأخوذٌ من درأ؛ أي دفع؛ لاندفاعهِ عند طلوعه.
ونقل ابنُ الجوزي عن الكسائي تثليث الدال، قال فبالضم نسبة إلى الدُّرِّ، وبالكسر الجاري، وبالفتح الدَّافع.
(الْغَابِرَ) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية (( الموطأ ) ) (( الغاير ) )بالتحتانية بدل الموحدة. قال القاضي عياض كأنَّه الدَّاخل في الغروب، ومعنى الغابر بالموحدة الذَّاهب، وهو من الأضداد، يقال غبر بمعنى ذهب، وبمعنى بقي. وفي رواية التِّرمذي (( الغارب ) )من الغروب، وفي رواية الأَصيليِّ (( العازب ) )بالمهملة والزاي، قال القاضي عياض معناه الذي يبعد للغروب. وقيل معناه الغائب، ولكن لا يحسن هنا؛ لأنَّ المراد أنَّ بُعْدَه عن الأرض كبُعْدِ غرف الجنَّة عن ربضها في رأي العين، والرِّواية الأولى هي المشهور.
(فِي الأُفُقِ) قال الحافظ العسقلاني المراد بالأفق السَّماء، يعني وإن كان الأصل بمعنى أطراف السَّماء. وليت شعري ما المانع من أن يكون المراد بالأفق أطراف السَّماء كما يفيده قوله
(مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ) فإن قيل هلا قيل في السَّماء؛ أي في كبدها، وما فائدة ذكر المشرق والمغرب؟ فالجواب أنَّه لو قيل في السَّماء، كان القصد الأَوَّلِيُّ بيان الرِّفعة، ويلزم منه البُعْد، وأمَّا إذا قيل في الأفق من المشرق أو المغرب، فيكون القصدُ الأَوَّلِيَّ بيانَ البُعْد، ويلزم منه الرِّفعة. قال الطِّيبي فإن قلت ما فائدة التَّقييد بالدري ثمَّ بالغارب في الأفق؟
قلت الإيذان بأنَّه من باب التَّمثيل الذي وجهه منتزع من عدَّة أمور متوهمة في المشبَّه، شبه رؤية الرَّائي في الجنَّة أصحاب الغرف برؤية الرَّائي الكوكب المستضيء الباقي في الجانب الشَّرقي أو الغربي في الاستضاءة مع البعد.
فلو قيل الغائر، لم يصح؛ لأنَّ الإشراق يفوت عند الغور إلَّا أن يقدر المشرق على الغور. فإن قيل إذا كان الغاير، بالتحتانية، كيف يصحُّ قوله من المشرق؛ لأنَّ الكواكب إنَّما تغور في المغرب خاصَّة.
فالجواب أنَّه من قبيل قوله
~مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا وعلفتُها تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا
أي طالعًا في الأفق من المشرق، وغائرًا في المغرب. وفي رواية مسلم (( من الأفق من المشرق أو المغرب ) ).
قال القرطبي مِنْ الأولى لابتداء الغاية، ومِنْ الثانية مبيِّنة لها، وقد قيل إنَّها ترد لانتهاء الغاية أيضًا، قال وهو خروج عن أصلها، وليس معروفًا عند أكثر النَّحْويين. قال وقد وقع في نسخ البخاري وهي أوضح. ووقع في رواية سهل بن سعد عند مسلم (( كما تراءون الكوكب الدُّري في الأفق الشَّرقي أو الغربي ) ).
واستشكله
ج 14 ص 487
ابن التِّين وقال إنَّما تغور الكواكب في المغرب خاصَّة، فكيف وقع ذكر المشرق؟ وقد عرفت أنَّه إنَّما يشكل هذا على رواية الغاير بالتحتانية، وأمَّا بالموحدة فالغابر يُطْلَق على الماضي والباقي فلا إشكال، وقد عرفت اندفاعه على الرِّواية الأولى أيضًا.
(لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ) أي في الدَّرجات (قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، تِلْكَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ لاَ يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، قَالَ بَلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ) .
قال القرطبي بلى حرف جواب وتصديق، والسِّياق يقتضي أن يكون الجواب بالإضراب عن الأوَّل، وإيجاب الثَّاني، فلعلَّها كانت بل فغُيِّرتْ بِبَلى. وقوله رجالٌ خبر مبتدأ محذوفٍ تقديره هم رجال؛ أي تلك المنازل منازل رجال آمنوا. وحكى ابن التِّين أنَّ في رواية أبي ذرٍّ بدل بلى.
ويمكن توجيه (بلى) بأنَّ التَّقدير نعم هي منازل الأنبياء بإيجاب الله تعالى لهم، ولكن قد يتفضَّل الله على عباده بالوصول إلى تلك المنازل، وإن لم يكونوا من الأنبياء.
وقال ابن التِّين يحتمل أن تكون (بلى) جواب النَّفي في قولهم لا يبلغها غيرهم، فكأنَّه قال بلى يبلغها رجالٌ غيرهم. وقوله (( آمنوا بالله ) )؛ أي حقَّ إيمانه، وصدَّقوا المرسلين؛ أي حقَّ تصديقهم، وإلَّا لكان كلُّ مَنْ آمن بالله وصدَّق رسله وصلَ إلى تلك الدَّرجة، وليس كذلك.
ويحتمل أن يكون التَّنكير في قوله رجالٌ يشير إلى ناس مخصوصين مَوصوفين بالصِّفة المذكورة، ولا يلزم أن يكون كلُّ من وصف بها كذلك؛ لاحتمال أن يكون لمن بلغَ تلك المنازل صفة أخرى، وكأنَّه سكتَ عن الصِّفة التي اقتضتْ لهم ذلك.
والسِّر فيه أنَّه قد يبلغها مَن له عمل مخصوصٌ، ومَن لا عَمَلَ له كأن يكون بلوغها إنَّما هو برحمة الله تعالى، وقد وقع للتِّرمذي من وجه آخر عن أبي سعيد رضي الله عنه (( وإنَّ أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لمنهم ) ).
وروى التِّرمذي أيضًا عن عليٍّ رضي الله عنه مرفوعًا (( إنَّ في الجنَّة لغرفًا يرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها ) )
ج 14 ص 488
فقال أعرابيٌّ لمن هي يا رسول الله؟ قال (( هي لمن ألانَ الكلام، وأدامَ الصِّيام، وصلَّى باللَّيل والنَّاس نيام ) ).
وقال ابن التِّين قيل إنَّ المعنى أنَّهم يبلغون درجات الأنبياء. وقال الدَّاودي يعني أنَّهم يبلغون هذه المنازل التي وصفت، وأمَّا منازل الأنبياء فإنَّها فوق ذلك.
قال الحافظ العسقلاني وقع في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند أحمد والتِّرمذي قال (( بلى والَّذي نفسي بيده وأقوام آمنوا بالله ورسوله ) )هكذا فيه بزيادة الواو العاطفة، ففسد تأويل الدَّاودي، ويحتمل أن يقال إنَّ الغرف المذكورة لهذه الأمَّة، وأمَّا مَن دونهم فهم الموحِّدون مِنْ غيرهم، أو أصحاب الغرف الذين دخلوا الجنَّة من أوَّل وَهْلَة ومَن دونَهم مَنْ دخل الجنَّة بالشَّفاعة، ويؤيَّد الذي قبله قوله في صفتهم (( هم الذين آمنوا بالله وصدَّقوا المرسلين ) )وتصديقُ جميع المرسلين إنَّما يتحقَّق لأمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم بخلافِ من قبلهم من الأمم، فإنَّهم وإن كان فيهم من صدَّق بمن سيجيءُ من بعده من الرُّسل فهو بطريق التوقُّع لا بطريق التوسُّع، والله تعالى أعلم.