306 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي (قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) وسقط في رواية لفظ (عَنْ أَبِيهِ) عروة ابن الزبير (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها، أنَّها (قَالَتْ قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ) بضم المهملة وفتح الموحدة، هو ابن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية الأسدية.
(لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لاَ أَطْهُرُ) وقد تقدم في باب غسل الدم [خ¦228] التصريح ببيان السبب، وهو قولها إني أستحاض، فكأنها قالت إني لا أطهر بسبب أني أستحاض، وظنت أن طهارة الحائض لا تكون إلا بانقطاع الدم، فكنَّت بعدم الطهر عن اتصاله، وكانت قد علمت أن الحائض لا تصلي، فظنت أن ذلك الحكم مقترن بجريان الدم من الفرج، وأرادت
ج 2 ص 524
تحقُّقَ ذلك فقالت
(أَفَأَدَعُ) أي أأترك (الصَّلاَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ) وفي رواية الأصيلي (صلى الله عليه وسلم) لا تدعيها (إِنَّمَا ذَلِكِ) بكسر الكاف؛ أي ما رأيت من الدم (عِرْقٌ) أي دم عرق يسمى العاذل كما مر (وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ) بفتح الحاء، كما نقله الخطابي عن أكثر المحدثين أو كلِّهم، وإن كان قد اختار الكسر على إرادة الحالة، لكن الفتح أظهر، بل هو متعيَّن، كما قاله النووي، إذ المراد نفي الحيض مطلقًا لا نفيَ نوعٍ منه (فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ) بالفتح، قال الحافظ العسقلاني يجوز فيه الوجهان معًا جوازًا حسنًا على ما قاله النووي، والذي في روايتنا، بفتح الحاء، في الموضعين. انتهى.
(فَاتْرُكِي الصَّلاَةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا) أي قدْر الحيضة، وذلك يختلف بالنسبة إلى المبتدأة والمعتادة والمميزة، وموضِعُه الفقه (فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي) بكسر اللام خطاب لفاطمة بنت أبي حبيش، ومعناه وصلي بعد الاغتسال، كما سيأتي التصريح به في باب إذا حاضت في شهرٍ ثلاثَ حِيَض، هذا، وقد وقع في لفظ (( فدعي الصلاة قدْر الأيام التي كنت تحيضين فيها ) )، وفي رواية ابن منده من طريق مالك (( دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثمَّ اغتسلي وصلي ) )، وفي لفظ (( ثمَّ توضئي لكل صلاة ) )، وفي لفظ (( تغتسل الغسل الأول ثمَّ تتوضأ لكل صلاة ) ).
وعند أبي داود من حديث عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت سبع سنين، فاستفتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فاغتسلي وصلي ) )، وكانت تغتسل في مركن، في حجرة أختها زينب بنت جحش، حتى تعلو حمرة الدم على الماء.
وعنده أيضًا من حديث عائشة رضي الله عنها أن سهلة بنت سهيل استحيضت فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة، فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، وتغتسل للصبح.
وعنده من حديث عائشة رضي الله عنها أيضًا قالت استحيضت امرأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرت أن تُعَجِّلَ العَصر وتؤخر الظهر وتغتسل لهما غسلًا، وأن تؤخِّر المغربَ وتعجِّل العشاء وتغتسل لهما غسلًا، وتغتسل لصلاة الصبح.
وعنده من حديث عائشة رضي الله عنها في المستحاضة
ج 2 ص 525
تغتسل مرة واحدة، ثمَّ تتوضأ إلى أيام إقرائها، وفي لفظ (( فاجتنبي الصلاة إثر محيضك، ثمَّ اغتسلي وتوضئي لكل صلاة، وإن قطر الدم على الحصير ) )، وعند أبي عوانة الإسفرائني (( فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم ) )، وعند الترمذي مصحَّحًا (( توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت ) )، وعند الإسماعيلي (( فإذا أقبلت الحيضة، فلتدع الصلاة، وإذا أدبرت فلتغتسل ولتتوضأ لكل صلاة ) )، وعند الطحاوي مرفوعًا (( فاغتسلي لطهرك وتوضئي عند كل صلاة ) )، وعند الدارمي (( فإذا ذهب قدْرها فاغسلي عنك الدم وتوضئي وصلي ) )، وعند أحمد (( اغتسلي وتوضئي لكل صلاة وصلي ) ).
وقال الشافعي ذِكْرُ الوضوء عندنا غير محفوظ، ولو كان محفوظًا؛ لكان أحب إلينا من القياس.
وفي (( التمهيد ) )رواه أبو حنيفة عن هشام رحمهما الله مرفوعًا، كرواية يحيى بن هشام سواء قال فيه (( وتوضئي لكل صلاة ) )، وكذلك رواه حمَّاد بن سلمة، عن هشام مثله، وحماد في هشام ثقة ثبت.
واعلم أن وطء المستحاضة جائز في حال جريان الدَّم عند جمهور العلماء، حكاه ابن المنذر عن ابن عباس وابن المسيب والحسن وعطاء وسعيد بن جبير وقتادة وحماد بن أبي سليمان وبكر المزني والأوزاعي والثوري ومالك وإسحاق وأبي ثور، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي تمسكًا بما في كتاب أبي داود بسند جيد «أن حمنةَ كانت مستحاضةً وكان زوجها يأتيها» .
قال ابن المنذر وروينا عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت «لا يأتيها زوجها» ، وبه قال النخعي والحكم وسليمان بن يسار والزهري وابن عُلَية، وكرهه ابن سيرين، وقال أحمد لا يأتيها إلا أن يطول ذلك بها، وفي رواية لا يجوز وطؤها إلا أن يخاف زوجها العنت.
وعن منصور تصوم ولا يأتيها زوجها ولا تمس المصحف، وتصلي ما شاءت من الفرائض والنوافل، وفي وجه للشافعية لا تستباح النافلة أصلًا، ومذهب الشافعي أنها لا تصلي بطهارة واحدة أكثر من فريضة واحدة، مؤداة أو مقضية، وحُكِيَ ذلك عن عروة والثوري وأحمد وأبي ثور.
وقال إمامنا أبو حنيفة رحمه الله طهارتها مقدرة بالوقت، فتصلي في الوقت بطهارتها الواحدة ما شاءت.
وقال مالك وربيعة وداود دم الاستحاضة لا ينقض الوضوء، فإذا تطهرت فلها أن تصلي ما شاءت من الفرائض والنوافل، إلا أن تُحْدِث بغير الاستحاضة،
ج 2 ص 526
ويصح وضوؤها لفريضة قبل دخول وقتها خلافًا للشافعي، ولا يجب عليها الاغتسال لشيء من الصلوات، ولا في وقت من الأوقات إلا مرة واحدة في وقت انقطاع حيضها، وبه قال جمهور العلماء، وهو مروي عن علي وابن مسعود وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم، وهو قول عروة وأبي سلمة ومالك وأبي حنيفة وأحمد رحمهم الله.
وروي عن ابن عمر وعطاء بن أبي رباح وابن الزبير أنهم قالوا «يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة» ، وروي أيضًا عن علي وابن عباس، وعن عائشة أنها قالت «تغتسل كل يوم غسلًا واحدًا» ، وعن ابن المسيب والحسن تغتسل من صلاة الظهر إلى صلاة الظهر [1] .
فائدة كان في زمنه صلى الله عليه وسلم جماعة مستحاضات منهن أم حبيبة بنت جحش وسيأتي حديثها، وزينب أم المؤمنين، وأسماء أخت ميمونة لأمها، وفاطمة بنت أبي حبيش، وحمنة بنت جحش، ذكرها أبو داود، وسهلة بنت سهل ذكرها أيضًا، وكذا زينت بنت جحش، وسودة بنت زمعة ذكرها العلاء بن المسيب، وزينب بنت أم سلمة ذكرها الإسماعيلي، وأسماء بنت مرشد الحارثية ذكرها البيهقي، وبادية بنت غيلان ذكرها ابن الأثير، وهي الثقفية، التي قال عنها هِيْتُ المخَنَّثُ تقبل بأربع وتدبر بثمان، تزوجها عبد الرحمن بن عوف، وأبوها أسلم وتحته عشر نسوة.
ثمَّ من فوائد الحديث استفتاء من وقعت له مسألة، وجواز استفتاء المرأة بنفسها ومشافهتها للرجال فيما يتعلق بأحوال النساء، وجواز سماع صوتها للحاجة.
[1] كذا في الأصل و (خ) .