3366 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ)
ج 15 ص 150
قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) هو ابنُ زياد، قال (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، قال (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ) هو ابنُ يزيد (عَنْ أَبِيهِ) يزيد بن شريك بن طارق التيمي، عداده في أهل الكوفة، أنه (قَالَ سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلُ؟) بضم اللام، قال أبو البقاء هي ضمة بناء لقطعه عن الإضافة مثل قبلُ وبعدُ، والتقدير أول كل شيءٍ، ويجوز الفتح منصرفًا وغير منصرف، والمعنى أي مسجد وضع للصَّلاة أولًا.
(قَالَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ؟) بالتنوين؛ أي ثم أي مسجدٍ بُني بعد المسجد الحرام (قَالَ الْمَسْجِدُ الأَقْصَى) أي قال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( بُني بعده المسجد الأقصى ) )، وقيل له الأقصى؛ لبُعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام، وقيل لأنَّه لم يكن وراءه موضعُ عبادة، وقيل لبعدِهِ عن الأقذارِ والخبائث والمقدَّس المطهَّر عن ذلك، وهذا الحديث يفسِّر المراد بقوله تعالى {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ} [آل عمران 96] ، ويدلُّ على أنَّ المراد بالبيت بيت العبادة لا مطلق البيوت، وقد وردَ ذلك صريحًا عن علي رضي الله عنه، أخرجه إسحاق بن راهويه وابنُ أبي حاتم وغيرهما بإسنادٍ صحيحٍ عنه قال «كانت البيوت قبلَه ولكنَّه أوَّل بيت وضعَ لعبادة الله» .
(قُلْتُ كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ أَرْبَعُونَ سَنَةً) أي بينهما أربعون سنة، قال ابنُ الجوزي فيه إشكال؛ لأنَّ إبراهيم عليه السَّلام بنى الكعبة وسليمان عليه السَّلام بنى بيتَ المقدس، وبينهما أكثر من ألف سنة، انتهى. ومستندُه في أنَّ سليمان عليه السَّلام هو الذي بنى المسجد الأقصى ما رواه النَّسائي من حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص رضي الله عنهما مرفوعًا بإسنادٍ صحيحٍ (( أنَّ سليمان لما بنى بيت المقدس سألَ الله تعالى خلالًا ثلاثًا ) )الحديث قال وجوابه أنَّه ليس إبراهيم عليه السَّلام أوَّل من بنى الكعبة، ولا سليمان عليه السَّلام أوَّل من بنى بيت المقدس، فقد رويَ أنَّ أول من بنى الكعبة آدم ثمَّ انتشر ولده في الأرض، فجائز أن يكون بعضُهم قد وضع بيت المقدس بعده بأربعين عامًا ثمَّ بنى إبراهيم الكعبة بنص القرآن، وكذا
ج 15 ص 151
قال القُرطبي حيث قال إنَّ الحديث لا يدلُّ على أنَّ إبراهيم وسليمان عليهما السلام لما بنيا المسجدين ابتدآ وضعهما بل ذلك تجديد لما كان أسَّسه غيرُهما.
وقد مشى ابن حبَّان في «صحيحه» على ظاهر هذا الحديث فقال في هذا الخبر ردٌّ على من زَعَم أنَّ بين إسماعيل وداود عليهما السلام ألفَ سنة.
وتعقَّبه الحافظ الضِّياء بنحو ممَّا أجاب به ابن الجوزي والقرطبي.
وقال الخطَّابي يشبه أن يكون المسجدُ الأقصى أوَّلَ ما وضعَ بناءَه بعض أولياء الله تعالى قبل داود وسليمان عليهما السلام ثمَّ بناه داود وسليمان فزادا فيه ووسَّعاه فأُضيف إليهما بناؤه، قال وقد يُنْسبُ هذا المسجد إلى إيلياء، فيحتمل أن يكون هو بانيهِ أو غيره، ولست أحقِّق لِمَ أضيفَ إليه هذا، والاحتمالُ الأول موجَّه.
وقد رويَ أنَّ أوَّل من أسَّس المسجد الأقصى يعقوب عليه السَّلام لكن قوله فيحتمل أن يكون هو؛ يعني إيلياء، بانيه، فيه نظرٌ؛ لأنَّ إيلياء اسم البلد فأضيفَ إليه المسجد، كما قيل مسجد المدينة ومسجد مكَّة. وقال أبو عبيدة في «معجم البلدان» إنَّ إيلياء مدينة بيت المقدس فيها ثلاثُ لغات مد آخره وقصره وحذف الياء الأولى.
قال الفرزدق
~لَوَى ابْنُ أَبِي الرَّقْرَاقَ عَيْنَيْهِ بَعْدَ مَا دَنَا مِنْ أَعَالِي إِيْلِيَاءَ وَغَوْرًا.
ولو كان ما قاله الخطَّابي منقولًا لأمكن أن يقال إنَّها سُمِّيت باسم بانيها كغيرها، والله أعلم.
ثمَّ إنَّ ما ذَكَرَه ابن الجوزي أَوْجَه وقد وُجِدَ ما يَشهدُ له، فذكر ابنُ هشام في كتاب «التيجان» أنَّ آدم عليه السَّلام لما بنى الكعبة أمرهُ الله بالمسير إلى بيت المقدس وأن يبنيهِ، فبناهُ ونسك فيه، وقد تقدَّم أنَّ آدم عليه السَّلام هو الذي بنى الكعبة، وأنَّه رُفِعَ في الطُّوفان حتى بوَّأه الله لإبراهيم عليه السَّلام، وروى ابنُ أبي حاتم من طريق مَعمر، عن قتادة قال (( وضعَ الله البيتَ مع آدمَ لمَّا هبطَ ففقد أصواتَ الملائكة وتسبيحهم، فقال الله عزَّ وجلَّ له يا آدم، إنِّي قد أهبطت بيتًا يُطاف به كما يُطاف حول عرشي، فانْطَلِقْ إليه، فخرج آدمُ إلى مكَّة وكان هبطَ بالهند، فأتَى البيتَ فطافَ به ) ).
هذا، وذكر الثَّعلبي أنَّ داود عليه السَّلام أمر بني إسرائيل أن يتَّخذوا مسجدًا في صعيدِ بيت المقدس، فأخذوا في بنائهِ لإحدى عشر سنة مضتْ من ملك داود عليه السَّلام، وكان داود ينقلُ لهم الحجارة
ج 15 ص 152
على عاتقهِ، فأوحى الله تعالى إلى داود إنَّك لستَ بانيه، ولكن لك ابنٌ أُمَلِّكُه بعدك اسمه سليمان، فأقضي إتمامَه على يده.
ورُوِيَ عن كَعْبٍ الأحبار أنَّ سليمان عليه السَّلام بنى بيتَ المقْدِس على أساسٍ كان أسَّسَه سامُ بنُ نوح عليه السَّلام. وذكر أبو بكر محمَّد بن أحمد الواسطي في (( تاريخ بيت المقدس ) )أنَّ سليمان عليه السَّلام اشترى أرضه بسبعة قناطير ذهبًا.
(ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاَةُ بَعْدُ) بضم الدال؛ أي بعد إدراك وقت الصَّلاة، كذا قال العيني. والظَّاهر أنَّ يقال بعد مبعثي فإنَّه جُعِلَتْ له الأرضُ طهورًا ومسجدًا، فافهم.
(فَصَلِّهْ) الهاء فيه للسَّكت، وفي رواية الكُشْمِيْهني بلا هاء (فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ) أي فإنَّ الفضلَ في فعل الصَّلاة إذا حضر وقتها، وزاد من وجه آخر عن الأعمش في آخره (والأرضُ لك مسجد) أي للصَّلاة فيه. وفي (( جامع ) )سفيان بن عُيينة عن الأعمش (( فإنَّ الأرض كلَّها مسجد ) )أي صالحةٌ للصَّلاة فيها، ويُخَصُّ هذا العمومُ بما ورد فيه النَّهي.
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة في قوله المسجد الحرام فإنَّه بناه إبراهيم الخليل عليه السَّلام. وقد أخرجَه البخاريُّ في باب قول الله تعالى {وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ} [ص 30] أيضًا [خ¦3425] وأخرجه مسلم في الصَّلاة، وكذا النَّسائي فيه وفي التَّفسير، وابن ماجه في الصَّلاة.