فهرس الكتاب

الصفحة 5181 من 11127

3372 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفر المصري، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) هو عبدُ الله بن وهب المصري، قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) هو ابنُ يزيد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ) وسقط في بعض الرِّوايات لفظ واختلف السَّلف في المراد بالشَّك هنا، فحمله الطَّبري على ظاهره وجعلَ سببه حصول وسوسةٍ من الشَّيطان، لكنَّها لم تستقرَّ ولا زلزلت الإيمان الثَّابت، واستندَ في ذلك إلى ما أخرجَه هو وعبد بن حُميد وابن أبي حاتم والحاكم من طريق عبد العزيز المِاجِشُون، عن محمَّد بن المنكدر، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال أرجى آية في القرآن هذه الآية {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} [البقرة 260] الآية، قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما «هذا لما يعرض في الصَّدر ويوسوسُ به الشَّيطان فرضيَ الله من إبراهيم عليه السَّلام بأن قال بلى» .

ومن طريق مَعْمَر، عن قتادة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما نحوه. ومن طريق عليِّ بن زيد، عن سعيد بن المسيَّب، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما نحوه أيضًا. وهذه طُرُق يشدُّ بعضُها بعضًا، وإلى ذلك جنحَ عطاء، فروى ابنُ أبي حاتم من طريق ابن جُريج سألتُ عطاء عن هذه الآية قال دخل قلبُ إبراهيم عليه السَّلام ما يدخلُ قلوبَ النَّاس فقال ذلك.

وروى الطَّبري من طريق سعيدٍ، عن قتادة قال ذُكِرَ لنا أنَّ إبراهيم عليه السَّلام أتى على دابَّة توزَّعَتْها الدَّوابُّ والسِّباع، وهي من طريق حجَّاج، عن ابن جُريج قال بلغني أنَّ إبراهيم عليه السَّلام أتى على جيفةِ حمارٍ عليها السِّباع والطَّير فعجب، وقال ربِّ لقد علمتُ لتَجْمَعنَّها، ولكن ربِّ أرني كيف تُحيي الموتى.

وذهب آخرون إلى تأويل ذلك؛ فروى الطَّبري

ج 15 ص 163

وابنُ أبي حاتم من طريق السُّدي قال لما اتَّخذ اللهُ إبراهيمَ خليلًا استأذنه ملك الموت أن يبشِّره فأذن له، فذكر قصَّةً معه في كيفيَّة قبضِ روح الكافر والمؤمن، قال فقام إبراهيم يدعو ربَّه ربِّ أرني كيف تحيي الموتى حتَّى أعلمَ أني خليلك.

وروى ابنُ حاتم من طريق أبي العوام عن أبي سعيد قال «ليطمئنَّ قلبي بالخلَّة» . ومن طريق قيس بن مسلم عن سعيد بن جُبير قال ليطمئنَّ قلبي أني خليلُك. ومن طريق الضَّحَّاك عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما «لِأَعلم أنَّك أجبت دعائي» ، ومن طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه «لِأَعلم أنَّك تجيبني إذا دعوتُك» . وإلى هذا الأخير جنحَ القاضي أبو بكر الباقلاني.

وحكى ابنُ التِّين عن الدَّاودي الشَّارح أنَّه قال طلبَ إبراهيم عليه السَّلام ذلك ليُذْهِبَ شِدَّةَ الخوف، قال ابن التِّين وليس ذلك بالبيِّن. وأخرج ابنُ أبي حاتم من طريق الحَكَم بن أبان، عن عكرمة، قال المرادُ ليطمئنَّ قلبي أنَّهم يعلمون أنَّك تحيي الموتى.

وحكى ابن التِّين عن بعضِ من لا تحصيل عنده أنَّه أراد بقوله {قَلْبِي} رجلًا صالحًا كان يصحبُه سأله عن ذلك. وأبعدُ منه ما حكاه القُرطبي المفسِّر عن بعض الصُّوفية أنَّه سأل ربَّه أن يُريه كيف يحيي القلوب. واختُلِفَ في معنى قوله صلى الله عليه وسلم (( نحن أحقُّ بالشَّك ) )، فقال بعضُهم معناه نحن أشدُّ اشتياقًا إلى رؤية ذلك من إبراهيم عليه السَّلام، وقيل معناه إذا لم نشك نحن فإبراهيم أولى أن لا يشك؛ أي لو كان الشَّك متطرِّفًا إلى الأنبياء لكنتُ أحق به منهم، وقد علمتُم أني لم أشك فاعلموا أنَّه لم يشك، وإنما قال ذلك تواضعًا منه، أو من قَبْلِ أنْ يُعْلِمَه اللهُ بأنَّه أفضلُ من إبراهيم، وهو كقوله في حديث أنس رضي الله عنه عند مسلم أن رجلًا قال للنَّبي صلى الله عليه وسلم يا خيرَ البريَّة، قال (( ذاك إبراهيم ) ).

وقيل إنَّ سبب هذا الحديث أنَّ الآية لما نزلت قال بعضُ الناس شكَّ إبراهيمُ عليه السَّلام ولم يشك نبينا صلى الله عليه وسلم، فبلغه ذلك فقال (( نحن أحقُّ بالشَّك من إبراهيم عليه السَّلام ) )، وأراد ما جرتِ العادة به في المخاطبة لمن أرادَ أن يدفعَ عن آخر شيئًا، قال مهما أردت أن تقوله

ج 15 ص 164

لفلان فقله لي، ومقصوده لا تقلْ ذلك، وقيل أراد بقوله نحن أمته الذين يجوز عليهم الشَّك، وقيل معناه هذا الذي ترون أنَّه شكٌ أنا أولى به؛ لأنَّه ليس بشكٍّ إنما هو طلبٌ لمزيد البيان.

وحكى بعضُ علماء العربية أنَّ أفعل ربما جاءت لنفي المعنى عن الشَّيئين نحو قوله تعالى {أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ} [الدخان 37] أي لا خير في الفريقين، ونحو قول القائل الشَّيطان خير من فلان؛ أي لا خير فيهما، فعلى هذا، معنى قوله نحن أحقُّ بالشَّك من إبراهيم لا شك عندنا جميعًا.

وقال ابن عطيَّة ترجم الطَّبري في «تفسيره» فقال وقال آخرون شكَّ إبراهيم في القدرة. وذَكَرَ أَثَرَ ابنِ عبَّاس رضي الله عنهما وعطاء، قال ابن عطيَّة ومحمل قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما عندي أنها أرجى آية لما فيها من الإدلالِ على الله تعالى وسؤال الإحياء في الدُّنيا، أو لأنَّ الإيمان يكفي فيه الإجمال، ولا يحتاج إلى تنقيرٍ وبَحْثٍ، قال ومحمل قول عطاء دخل قلب إبراهيم بعضُ ما يدخل قلوبَ الناس؛ أي من طلب المعاينة، قال وأما الحديث فمبني على نفي الشَّك، والمراد بالشك فيه الخواطر التي لا تثبتُ، وأمَّا الشَّك المصطلحُ وهو الترددُ بين الأمرين من غير مزيَّة لأحدهما على الآخر فهو منفي عن الخليل عليه السَّلام قطعًا؛ لأنَّه يبعدُ وقوعه ممَّن رسخَ الإيمان في قلبه، فكيف ممن بلغ رتبة النُّبوة. قال وأيضًا فإنَّ السُّؤال لمَّا وَقَعَ بكيف دلَّ على حال شيءٍ موجود مقرَّر عند السَّائل والمسؤول، كما تقول كيف عَلِمَ فلانٌ، (فكيف) في الآية سؤالٌ عن هيئة الإحياء لا عن نفس الإحياء، فإنَّه ثابتٌ مقرَّر.

وقال ابنُ الجوزي إنما صارَ أحقَّ من إبراهيم لِمَا عَانَى من تكذيبِ قومه وردِّهم عليه وتعَجُّبِهم من أَمْر البعث، فقال أنا أحقُّ أن أسأل ما سأل إبراهيم عليه السَّلام لعظيم ما جرى لي مع قومِي المنكرين لإحياء الموتى، ولمعرفتي بتفضيل الله لي، ولكن لا أسأل ذلك، والله تعالى أعلم.

( {إِذْ قَالَ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ} ) قيل الاستفهام للتَّقرير ووجهه أنَّه طلب الكيفيَّة، وهو مشعرٌ بالتَّصديق بالإحياء ( {قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة 260] ) قد مرَّ تفسير معناه (وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا) هو ابنُ هاران بن آزر، وهو ابن أخ إبراهيم عليهما السلام،

ج 15 ص 165

وكان ممَّن آمن مع إبراهيم وهاجر معه إلى مصر، ثمَّ عاد معه إلى الشَّام فنزل إبراهيم عليه السَّلام فلسطين ونزل لوط عليه السَّلام الأردن، ثم أرسلَه الله تعالى إلى أهل سَدُوم وهي عدَّة قرى.

وقال مقاتل وبلادهم ما بين الشَّام والحجاز بناحية زغر، وكانت اثنَتَيْ عَشْرةَ قرية، وتُسَمَّى المؤتفكات من الإفك، وكانوا يعبدون الأوثان ويأتون الفواحشَ، ويُسافد بعضُهم بعضًا على الطَّريق، وغير ذلك من المفاسد، وقد ذكر الله لوطًا في القرآن في سبعة عشر موضعًا، وهو اسم أعجمي ولكنه صرف لسكون وسطه، وقيل اسم عربي من لاط؛ أي لصق؛ لأنَّ حبَّه لاط بقلب إبراهيم عليه السَّلام؛ أي تعلَّق ولصق.

(لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) إشارة إلى قوله تعالى {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً} لو قويت بنفسي على دفعكم {أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود 80] أي قوي أتمنعُ به عنكم، ويأتي الكلام فيه قريبًا في تَّرجمة لوط عليه السَّلام [خ¦3375] .

وقال الطِّيبي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك؛ لأنَّ كلامه يدلُّ على إقناط كلِّي وبأسٍ شديدٍ من أن يكون له ناصر ينصرُه، وكأنَّه صلى الله عليه وسلم استغربَ ذلك القول وعدَّه نادرة منه؛ إذ لا رُكْنَ أشدَّ من الركن الذي كان يأوي إليه.

وقال الزَّمخشري معناه إلى قويٍّ أستندُ إليه، وأمتنعُ به، فيحميني منكم، شبَّه القوي العزيز بالركن من الجبل في شدَّته ومنعته. وقال النَّووي يجوز أنَّه نسيَ الالتجاء إلى الله في حماية الأضياف، أو أنَّه التجأَ إلى الله فيما بينه وبين الله، وأظهرَ للأضياف العذر وضيق الصَّدر.

(وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ) وقد لبث سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات (لأَجَبْتُ الدَّاعِيَ) أي لأسرعتُ الإجابة في الخروج من السِّجن، ولما قدمت طلب البراءة حيث قال لما جاءه الرَّسول {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} [يوسف 50] فوصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بشدَّة الصَّبر حيث لم يبادر إلى الخروج، وإنما قاله صلى الله عليه وسلم تواضعًا، والتَّواضع لا يحطُّ مرتبة الكبير بل يزيده رفعة وجلالًا وهو من جنس قوله (( لا تفضِّلوني على يونس ) )، وقيل إنَّه كان قبل أن يعلم أنَّه أفضل من الجميع، وسيأتي تكملة لهذا الحديث في قصَّة يوسف عليه السَّلام، ومطابقته

ج 15 ص 166

للتَّرجمة ظاهرة.

وقد أخرجه البخاري في «التَّفسير» أيضًا [خ¦4537] . وأخرجه مسلم في «الإيمان» و «الفضائل» ، وابن ماجه في «الفتن» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت