فهرس الكتاب

الصفحة 5233 من 11127

3411 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ) أي ابن أعين، أبو زكريا البخاري البِيْكندي، وهو من أفراده، مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين، قال (أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) بضم الميم وتشديد الراء، المرادي الأعمى الكوفي، وقد مرَّ في كتاب الصلاة [خ¦717] (عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ) وهو مرَّة بن شراحيل الكوفي، وهو مخضرمٌ ثقةٌ عابدٌ، من كبار التابعين، ويقال له مرَّة الطيب ومرَّة الحبر، كان يصلِّي كلَّ يوم ألف ركعة، ولما كبرَ كان له وتدٌ يعتمدُ عليه، وهو غيرُ والد عَمرو بن مرَّة؛ فإنَّه مرَّة بن عبد الله بن طارق الجَمَلي، بفتح الجيم والميم، المرادي، ثقةٌ عابدٌ، من صغار التابعين.

(عَنْ أَبِي مُوسَى) هو عبدُ الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَملَ) بضم الميم وفتحها وكسرها ثلاث لغات، والمراد من الكمال التَّناهي في جميع فضائل الرِّجال (مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ) وآسيةُ بالمد وكسر المهملة وتخفيف التحتية، هي بنتُ مزاحم ابنة عمِّ فرعون، وقيل إنَّها من العَمالقة، وقيل من بني إسرائيل من سبط موسى. وقال السُّهيلي هي عمَّة موسى، وكانت لها فراسة حين قالت قرَّة عين لي ولك.

(وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ) أمُّ المسيح عليه السلام حَمَلَتْ به ولها ثلاث عشرة سنة، وعاشتْ بعد ما رُفِعَ ستًا وستين سنة، وماتت ولها مائة واثنتا عشرة سنة، وفيه اختلافٌ واستدلَّ بهذا الحصر على أنَّ آسية ومريم نبيَّتان؛ لأنَّ أكملَ النَّوع الإنساني الأنبياء ثمَّ الأولياء والصِّدِّيقون والشُّهداء، فلو كانتا غير نبيَّتين للزم أن لا يكون في النَّساء وليَّة ولا صديقة ولا شهيد.

والواقعُ أنَّ هذه الصِّفات في كثير منهنَّ موجودةٌ، فكأنَّه قال لم ينبأ من النِّساء إلَّا فلانة وفلانة، ولو قيل لم تثبت صفة الصِّدِّيقية أو الولاية أو الشَّهادة إلَّا لفلانة وفلانة لم يصحَّ لوجود ذلك في غيرهنَّ، إلَّا أن يكون المراد بالحديث كمال غير الأنبياء،

ج 15 ص 267

فلا يتم الدَّليل على ذلك لأجل ذلك.

وقال القرطبي الصَّحيح أنَّ مريم نبيَّة؛ لأنَّ الله تعالى أوحى إليها بواسطةِ الملك، وأمَّا آسية فلم يردْ ما يدلُّ على نبوتها.

وقال الكِرماني لا يلزم من لفظ الكمال ثبوت نبوَّتهما؛ لأنَّه يطلق لتمام الشَّيء وتناهيهِ في بابه، فالمراد تناهيهمَا في جميع الفضائل التي للنِّساء قال وقد نُقِلَ الإجماعُ على عدمِ نبوَّة النساء، كذا قال.

وقد نُقِلَ عن الأشعريِّ أنَّ من النِّساء من نبِّئ وهنَّ ستٌّ حواء، وسارة، وأم موسى، وهاجر، وآسية، ومريم، والضَّابط عنده أنَّ من جاءه المَلَكُ عن الله تعالى بحُكْمٍ أو أَمْرٍ أو نَهْيٍ أو بإعلام شيءٍ فهو نبيٌّ، وقد ثبتَ مجيءُ الملك لهؤلاء بأمور شتَّى من ذلك من عند الله عزَّ وجلَّ، ووقع التَّصريح بالإيحاءِ لبعضهنَّ في القرآن، وقد قال الله تعالى بعد أن ذكرَ مريم والأنبياء بعدها {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ} [مريم 58] فدخلتْ في عمومه.

وذكر ابنُ حزم في «الملل والنحل» أنَّ هذه المسألة لم يحدث التَّنازع فيها إلَّا في عصره بقرطبة، وحَكَى عنهم أقوالًا ثالثُها الوقف قال وحجَّة المانعين قوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ} [يوسف 109] قال وهذا لا حجَّة فيه؛ لأنَّ أحدًا لم يدع فيهن الرَّسالة وإنما الكلامُ في النُّبوة فقط، قال وأصرحُ ما وردَ في ذلك قصَّة مريم، وفي قصَّة أم موسى ما يدلُّ على ثبوتِ ذلك لها من مُبادرتها بإلقاء ولدها في البحرِ بمجرَّد الوحي إليها بذلك، ثمَّ إنَّ من فضائل آسية امرأة فرعون أنَّها اختارت القتلَ على المُلْكِ، والعذاب في الدُّنيا على النَّعيم الذي كانت فيه.

(وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ) أي على نساءِ هذه الأمَّة (كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ) فإنَّه أفضل طعامِ العرب، قال الشاعر

~إِذَا مَا الْخَبَزُ تَأْدِمُهُ بِلَحْمٍ فَذَاكَ أَمَانَةَ اللَّهِ الثَّريدُ

وقال النَّووي الثَّريد من كلِّ الطَّعام أفضلُ من المرق، فثريدُ اللَّحم أفضلُ من مرقهِ بلا ثريدٍ، والمراد بالفضيلةِ نفعه، والشِّبع الطَّعام منه، وسهولةُ مساغهِ، والالتذاذُ به وتيسير تناوله، وتمكن الإنسانِ من أخذَ كفاية منه بسرعة، وكان أجلَّ أطعمتهِم يومئذٍ، وهو من ثَرَدت الخبزَ ثَرْدًا كسرتُه، فهو ثَرِيد ومَثْرود

ج 15 ص 268

والاسم الثُّردة، بالضم، والثَّريد غالبًا لا يكون إلا باللَّحم.

وقال ابنُ الأثير في قوله صلى الله عليه وسلم (( فضل عائشة على النَّساء ... ) )الحديث، قيل لم يُرِدْ عينَ الثَّريد وإنَّما أرادَ الطَّعام المتَّخذَ من اللَّحم ومن الثَّريد معًا؛ لأنَّ الثَّريد غالبًا لا يكون إلَّا من اللَّحم، والعرب قلَّما تجدُ طبيخًا ولا سيَّما بلحمٍ، وفيه إشارةٌ إلى كونها جامعةٌ لحُسن الخُلق وحلاوةِ المنطقِ، وجودةِ القريحة، وفصاحة اللَّهجة ونحوها من حُسْن التَّبَعل وغيره، وليس في الحديث تصريحٌ بأفضليةِ عائشة رضي الله عنها على غيرها مطلقًا؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم شبَّه فضلها بفضل الثريد على غيره من الطَّعام لما فيه من تيسيرِ المؤنةِ وسهولة الإساغةِ وغير ذلك ممَّا ذُكِرَ، وكلُّ هذه الخصال لا يستلزمُ الأفضليَّة له من كلِّ وجه فقد يكون مَفضولًا بالنَّسبة إلى غيره من جهات أخرى.

وقد ورد من طريق صحيحٍ ما يقتضِي أفضليَّة خديجة رضي الله عنها على غيرها، وذلك فيما سيأتي في قصَّة مريم من حديث عليٍّ رضي الله عنه [خ¦3432] بلفظ (( خير نسائها خديجة ) ). وجاء في طريق أُخرى ما يقتضِي أفضليَّة خديجة وفاطمة رضي الله عنهما، فيما أخرجه ابن حبَّان وأحمدُ وأبو يَعلى والطَّبراني وأبو داود في كتاب «الزهد» والحاكم كلُّهم من طريق موسى بن عقبة، عن كُريب، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أفضلُ نساء أهل الجنَّة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريمُ ابنةُ عمران، وآسيةُ امرأة فرعون ) ).

وله شاهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، رواه الطَّبراني في «الأوسط» ، وأحمدُ في «مسنده» من حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( حسبُك من نساءِ العالمين بأربع مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ) )رواه أحمدُ والترمذيُّ وابن عساكر.

وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال خطَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الأرض أربعةَ خطوطٍ فقال (( أتدرون ما هذا؟ ) )قالوا الله ورسوله أعلمُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أفضلُ نساءِ أهل الجنَّة خديجة بنت خُويلد، وفاطمةُ بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مُزاحم امرأة فرعون ) )رواه النَّسائي وأبو يعلى

ج 15 ص 269

وابن عساكر.

وروى الإمام أحمدُ من حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( فاطمةُ سيِّدة نساءِ أهل الجنَّة إلَّا ما كان من مريم بنت عمران ) )وهذا يدلُّ على أنَّ فاطمة ومريم أفضل هذه الأربع، ثمَّ يحتمل الاستثناء أن تكون مريم أفضل من فاطمة، ويحتمل أن تكونا على السَّواء في الفضيلةِ، لكن وردَ حديث إنْ صَحَّ عَيَّن الاحتمالَ الأول، وهو ما روي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( سيِّدة نساء أهل الجنَّة مريم بنت عمران ثمَّ فاطمة ثمَّ خديجة ثمَّ آسية امرأة فرعون ) )رواه ابن عساكر. فإن كان هذا اللَّفظ محفوظًا بثمَّ للترتيب فهو مبيِّن لأحدِ الاحتمالين اللَّذين دلَّ عليهما الاستثناء، ويقدَّم على ما تقدَّم من الألفاظ التي وردتْ بواو العطف التي لا تقتضِي التَّرتيب ولا تنفيهِ.

وقد روى هذا الحديث أبو حاتم الرَّازي بإسناده إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما مرفوعًا، وذكره بواو العطف لا بثمَّ التي للترتيب؛ فخالفَه إسنادًا ومتنًا.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه البخاريُّ في فضل عائشة [خ¦3769] ، وفي الأطعمة أيضًا [خ¦5418] ، وأخرجه مسلم في الفضائل، والترمذيُّ في الأطعمة، والنَّسائي في المناقب، وفي عِشْرة النساء، وابن ماجه في الأطعمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت