فهرس الكتاب

الصفحة 527 من 11127

313 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ) الحَجَبِي، أبو محمد البصري (قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ) السَّختياني، وقد تقدم ذكرهم في باب ليبلغ الشاهد [خ¦105] (عَنْ حَفْصَةَ) بنت سيرين الأنصارية أم الهذيل، وفي رواية كريمة والمُسْتَملي (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أي البخاري (أَوْ هِشَامِ بْنِ حَسَّان) بالصرف وتركه، من الحسن أو من الحس (عَنْ حَفْصَةَ) فكأنه شكَّ في شيخ حماد أهو أيوب، أو هشام؟ وليس ذلك عند بقية الرواة، ولا عند أصحاب الأطراف.

(عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسَيبة بضم النون وفتح السين على صيغة التصغير، بنت الحارث، وقيل بنت كعب، كانت من فاضلات الصحابة، وكانت تمرض المرضى، وتداوي الجرحى، وتغسل الموتى، ورجال هذا الإسناد بصريون، وقد أخرج متنه المؤلِّف في الطلاق أيضًا [خ¦5340] ، وكذا مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

(قَالَتْ كُنَّا نُنْهَى) بضم النون الأولى وفاعل النهي هو النبي صلى الله عليه وسلم (أَنْ نُحِدَّ) بضم النون وكسر الحاء المهملة، وفي رواية ، بضم التاء؛ أي تحد المرأة، وكلاهما

ج 2 ص 533

من الإحداد وهو الامتناع من الزينة.

قال الجوهري أحدَّت المرأة؛ أي امتنعت من الزينة والخضاب بعد وفاة زوجها، وكذلك حدَّت تُحدُّ بالضم، وتحِدَّ بالكسر حِدادًا، وهي حادٌّ، ولم يعرف الأصمعي إلا أَحَدَّت فهي مُحِدة، كذا في (( المحكم ) )، وأصل هذه المادة المنع، ومنه قيل للبواب حداد؛ لأنه يمنع الدخول والخروج، وأغرب بعضهم فحكاه بالجيم من جردت الشيء إذا قطعته، فكأنها قد انقطعت عن الزينة وعما كانت عليه قبل ذلك.

(عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ) تعني به الليالي مع أيامها، ولذلك أنث العدد، وسيأتي تحقيقه قريبًا (إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ) كذا في أكثر الروايات، وفي رواية فالأولى موافقة لرواية التكلم، والثانية لرواية الغيبة في تحد، وتوجيه الثانية على رواية التكلم أن الضمير يعود إلى الواحدة المندرجة في قولها كنا ننهى (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) أي عشر ليال مع أيامها، إذ لو أريد الأيام لقيل وعشرة.

قال الزمخشري في قوله تعالى {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة 234] لو قيل في مثله (عشرة) لخرجت من كلام العرب، لا تراهم قط يستعملون التذكير فيه). انتهى؛ وذلك لأنها غُرَرُ الشهور والأعوام.

وقال بعضهم الفرق بين المذكر والمؤنث في الأعداد إنما هو عند ذكر المميز، وأما إذا لم يذكر فيجوز فيه التاء وعدمه، ولعل المقتضي لهذا التقدير أن الجنين في غالب الأمر يتحرك لثلاثة أشهر إن كان ذكرًا، ولأربعة إن كان أنثى، فاعتبر أقصى الأجلين، وزيد عليه العشر استظهارًا، إذ ربما تضعف حركته في المبادئ، فلا يُحسُّ لها.

والمراد بالعشر هي الليالي مع أيامها كما سبق، وهو مذهب العلماء كافة إلا ما حُكِيَ عن يحيى بن أبي كثير والأوزاعي أنه أراد أربعة أشهر وعشر ليال، وأنها تحل في اليوم العاشر، وعند الجمهور لا تحل حتى تدخل ليلة الحادي عشر، وهذا خرج على غالب أحوال المعتدات أنها تعتد بالأشهر، أما إذا كانت حاملًا فعدتها بالحمل، ويلزمها الإحداد في جميع المدة حتى تضع، سواء قصرت المدة أم طالت، فإذا وضعت فلا إحداد بعده، وقال بعض العلماء لا يلزمها الإحداد بعد أربعة أشهر وعشر وإن لم تضع الحمل.

(وَلاَ نَكْتَحِلَ) بالنون أو بالتاء، ويجوز فيه الرفع والنصب، أما الرفع فعلى أنه عطف على قولها نُنْهَى، والمعنى كنا لا نكتحل، أو كان كل واحدة منا لا تكتحل، وأما النصب فعلى أنه عطف على المنصوب السابق.

وردَّه البدر الدماميني بأنه يلزم من عطفه عليه فسادُ المعنى؛ لأن تقديره كنا ننهى أن لا نكتحل، ويوجَّه بأن تكون لا زائدة، أو تأكيدًا للنفي الذي في معنى النهي، فافهم.

(وَلاَ نَتَطَيَّبَ) بالنون أو بالتاء، وبالرفع أو بالنصب أيضًا، وكذا قوله (وَلاَ نَلْبَسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلاَّ ثَوْبَ عَصْبٍ) بفتح العين وسكون الصاد المهملتين، وفي آخره باء موحدة، هو برود اليمن يصبغ غزلها ثمَّ ينسج.

وفي (( المحكم ) )هو ضرب من برود اليمن يُعصب غزله؛ أي يجمع، ثمَّ يصبغ ثمَّ ينسج، وقيل

ج 2 ص 534

هي برود مخططة.

وفي (( المنتهى ) )العَصْبُ في اللغة إحكامُ الفَتْلِ والطيِّ، وشدةُ الجمَعْ واللَّيِّ، وكل شيء أحكمتَه فقد عصبتَه، ومنه أُخِذَ عصَبْ اليمن، وهو المفتول من برودها.

(وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا) أي التطيب لدفع رائحة الدم؛ لما نستقبله من الصلاة لا للزينة، ولذا خص بذلك كُسْت أَظْفَار؛ لأنه ليس مما يقصد به الزينة (عِنْدَ الطُّهْرِ، إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضها فِي نُبْذَةٍ) بضم النون وفتحها وسكون الموحدة وبالذال المعجمة، هو الشيء اليسير، قال ابن سيده والجمع أنباذ، والمراد به قطعة يسيرة.

(مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ) بضم الكاف وسكون المهملة وبالمثناة، هو القُسْط، بضم القاف، ويقال له الكُسْط أيضًا، وهو من طِيْبِ الأعراب، وسماه ابن البيطار في كتاب (( الجامع ) )رَاسَنا.

والأظفار بفتح الهمزة، ضربٌ من العطر أسود مغلف من أصله على شكل ظفر الإنسان يوضع في البخور، وقيل الأظفار شيء يتداوى به كأنه عود، وكان يُثْقَب ويُجْعَلُ في القِلادة.

وقال ابن التين صوابه قسط ظَفار، بفتح الظاء المعجمة، وحكمه حكم حَضَار، فإنه مبني باتفاق الحجازيين والتميميين، وظَفار ساحلٌ من سواحل عدن.

وقال القرطبي هو مدينة باليمن يجلب إليها القُسْط الهندي، وقيل ظفار هو العود الذي يتبخر به، وقد حكي في ضبطه وجهان كسرُ أوَّلهِ وصرفُه، وفتح أوله والبناء، والظاهر أن المراد هنا هو القسط المنسوب إلى ظفار المدينة التي يجلب إليها القسط الهندي، ووقع في رواية مسلم (( من قسط أو أظفار ) )بإثبات أو، وهي للتخيير، وقد عرفت أن كلاهما من أنواع الطيب.

(وَكُنَّا نُنْهَى عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ) وسيأتي الكلام على اتباع الجنائز في موضعه إن شاء الله تعالى [خ¦1278] (قَالَ) وفي رواية أي البخاري (رَوَاهُ) أي الحديث المذكور، وفي رواية ، وفي أخرى (هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) المذكور، وسيأتي موصولًا عند المؤلِّف في كتاب الطلاق إن شاء الله تعالى [خ¦5307] ، وأَغْرَبَ الكِرماني حيث جوَّز أن يكون قائلُ قوله ورواه حماد بن زيد المذكور في أول الباب، فلا يكون تعليقًا، ولم يقع هذا التعليق في رواية كريمة والمستملي.

(عَنْ حَفْصَةَ) بنت سيرين (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) وفائدة ذِكْرِ هذا التعليق الدلالة على أن الحديث السابق من قبيل المرفوع، وكذا هو في سنن أبي داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث هشام مسندًا.

وقال البخاري في موضع آخر [خ¦1279] «توفي لأم عطية ابن، فلما كان اليومُ الثالث دَعَتْ بصُفْرةٍ فَتَمَسَّحَتْ به، وقالت نهينا أن نُحِدُّ أكثرَ من ثلاثٍ إلا لزوج» .

وعند الطبراني «وأمرنا أن لا نلبس في الإحداد الثياب المصبغة إلا العَصْب،

ج 2 ص 535

وأمرنا أن لا نمسَّ طيبًا إلا أدناه للطهرة الكست والأظفار»، وفي لفظ «ولا نختضب» ، وفي لفظ «إلا ثوبًا مغسولًا» .

وفي الحديث وجوب الإحداد على من هي ذات زوج توفي عنها، سواء دخل بها أو لم يدخل، وسواء فيها الصغيرة والكبيرة، والبكر والثيب، والحرة والأمة.

وعند إمامنا أبي حنيفة رحمه الله لا إحداد على الصغيرة، ولا على الزوجة الأمة، وأجمعوا على أنه لا إحداد على أم الولد، والأمة إذا توفى عنها سيدها ولا على الرجعية، وفي المطلقة ثلاثًا قولان

قال أبو حنيفة والحكم وأبو ثور وأبو عبيد عليها الإحداد، وهو قول ضعيف للشافعي، وقال عطاء وربيعة ومالك والليث والشافعي وابن المنذر بالمنع.

وحكي عن الحسن البصري أنه لا يجب الإحداد على المطلقة، ولا على المتوفى عنها زوجها، وهو شاذ.

وقال ابن عبد البر أجمعوا على وجوب الإحداد إلا الحسن فإنه قال ليس بواجب، وتعلق أبو حنيفة وأبو ثور ومالك في أحد قوليه، وابن نافع وأشهب بأن لا إحداد على الكتابية المتوفى عنها زوجها المسلم بقوله في الحديث (( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد ) )الحديث.

وقال الشافعي وعامة أصحاب مالك عليها الإحداد سواء دخل بها أو لم يدخل.

وفيه أيضًا تحريم الاكتحال سواء احتاجت إليه أم لا، وجاء في (( الموطأ ) )وغيره عن أم سلمة «اجعليه بالليل، وامسحيه بالنهار» ، ووجه الجمع أنه إذا لم تحتج إليه لا يحل لها فعله، وإن احتاجت لم يجز بالنهار دون الليل، والأولى تركه.

وقال صاحب (( التوضيح ) ) (والمراد بالكحل الأسود والأصفر، وأما الأبيض كالتوتيا، فلا تحريم فيه عند أصحابنا، إذ لا زينة فيه، وحرَّمه بعضهم على الشعثاء حيث تتزين، وفيه أيضًا تحريم الطيب وهو ما حرم عليها في حال الإحرام، وسواء كان في ثوبها أو بدنها، وفي(( التوضيح ) )يحرم عليها أيضًا كُلُّ طعامٍ فيه طيب.

وفيه أيضًا تحريم لبس الثياب المعصفرة، وقال ابن المنذر أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادة لبس الثياب المُعَصْفَرة والمصَبَّغَة إلا ما صُبِغَ بسواد، فرخص فيه عُروة العصب، وأجازه الزهري، وأجاز مالك غليظه، وصحح الشافعية تحريم البرود مطلقًا، وهذا الحديث حجة لمن

ج 2 ص 536

أجازه، نعم أجازوه ما إذا كان الصبغ لا يقصد به الزينة، بل يعمل للمصيبةِ واحتمالِ الوسخ كالأسود، بل حكى الماوردي أنه يلزمها في الحداد؛ أعني السواد.

وفيه أيضًا الترخيص للحادة إذا اغتسلت من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة، وقال النووي (وليس القسط والأظفار مقصود التطيب، وإنما رخص فيه لإزالة الرائحة) .

وقال المهلَّب رُخِّصَ لها في التبخر به؛ لدفع رائحة الدم عنها لما تستقبله من الصلاة.

وقال ابن بطال أبيح للحائض محدًا أو غير محد عند غسلها من الحيض أن تدرأ رائحة الدم عن نفسها بالبخور بالقسط مستقبلةً من الصلاة، ومجالسة الملائكة؛ لئلا تؤذيهم برائحة الدم.

وقال النووي في (( شرح مسلم ) )المقصود باستعمال المسك إما تطييب المحل ودفع الرائحة الكريهة، وإما كونه أسرع إلى علوق الولد، فإن قلنا بالأول يقوم مقامه القسط والأظفار وشبهها. انتهى، وكلامُه هذا يدلُّ على أن الأظفار بالهمزة طِيْبٌ لا موضع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت