314 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابن موسى البلخي، وجزم به ابن السَّكن في روايته عن الفِربَري، وقال البيهقي هو يحيى بن جعفر البيكندي.
وقال الغساني في (( تقييد المهمل ) )قال ابن السكن على سبيل القاعدة الكلية كل ما كان للبخاري في هذا الصحيح عن يحيى غير منسوب هو يحيى بن موسى البلخي، المعروف بخَتٍّ، بفتح الخاء المنقوطة، وتشديد المثناة الفوقية،
ج 2 ص 537
ويعرف بالختي، وبابن خت أيضًا، كان من خيار المسلمين، مات سنة أربعين ومائتين.
وقال الكِرماني وفي بعض النسخ التي عندنا هكذا (( حدثنا يحيى بن جعفر البِيْكَندي حدثنا ابن عيينة ) ).
(قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ) بنت شيبة بن عثمان، ومنصور هو ابن عبد الرحمن بن طلحة العبدري الحجبي كان خاشعًا بكاء، مات سنة سبع وثلاثين ومئة، نُسِبَ لأمه لشهرته بها (عَنْ أُمِّهِ صَفِيَّة) وقد تقدَّمت (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها، ورواة هذا الإسناد ما بين بلخي ومكي.
ووقع في (( مسند الحميدي ) )التصريح بالسماع في جميع السند، وقد أخرج متنه البخاري في الطهارة، والاعتصام أيضًا، وأخرجه مسلم، والنسائي في الطهارة أيضًا.
(أَنَّ امْرَأَةً) زاد في رواية وُهَيْبٍ ، وسماها مسلم في رواية أبي الأحوص عن إبراهيم بن مهاجر (( أسماء بنت شَكَل ) )بفتح الشين المعجمة والكاف وفي آخره لام، ولم يُسَمَّ أباها في رواية غُنْدَر، عن شعبة، عن إبراهيم.
وقال الخطيب في روايته لهذا الحديث أسماء بنت يزيد، وجزم بأنها أسماء بنت يزيد بن السكن بالمهملة والنون، الأنصارية التي يقال لها خطيبة النساء.
وتبعه ابن الجوزي في (( التنقيح ) )، والدمياطي وزاد أن الذي وقع في مسلم تصحيف؛ لأنه ليس في الأنصار مَن يقال له شَكَل، وهو ردُّ للرواية الثابتة بغير دليل، ويحتمل أن يكون (شَكَل) لقبًا لا اسمًا، والمشهور في (( المسانيد ) )و (( الجوامع ) )في هذا الحديث أسماء بنت شكل كما في مسلم، أو أسماء بغير نسب كما في أبي داود، وكذا في (( مستخرج أبي نعيم ) )من الطريق التي أخرجه منها الخطيب.
وحكى النووي في (( شرح مسلم ) )الوجهين من غير ترجيح، وتبع رواية مسلم جماعات منهم أبو طاهر وأبو موسى في كتابه (( معرفة الصحابة ) )فسلم مسلم من الوهم والتصحيف.
(سَأَلَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ) أي الحيض وكلاهما مصدران (فَأَمَرَهَا) صلى الله عليه وسلم (كَيْفَ تَغْتَسِلُ) أي بين لها كيفية الاغتسال، ففي الحديث اختصار كما يدل عليه رواية مسلم أن أسماء سألت عن غسل المحيض، فقال صلى الله عليه وسلم (( تأخذ إحداكن ماء وسِدرتها، فتطهر فتحسن الطهور، ثمَّ تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى يبلغ شؤون رأسها؛ أي أصوله ثمَّ تصبّ
ج 2 ص 538
عليها الماء )) .
(قَالَ ثُمَّ خُذِي فِرْصَةً) بكسر الفاء، وحكى ابن سيده تثليثها وبإسكان الراء؛ أي قطعة من صوف، أو قطن، أو جلدة عليها صوف، حكاه أبو عبيد وغيره، وقيل قَرصَة بفتح القاف والصاد المهملة، كما حكاه أبو داود في رواية أبي الأحوص.
ووجهه المنذري فقال أي شيئًا يسيرًا مثل القرصة بطرف الإصبعين.
قال الحافظ العسقلاني ووهم من عزا هذه الرواية للبخاري.
وقال ابن قتيبة هي قَرضة، بفتح القاف وبالضاد المعجمة؛ وهي القطعة.
وقال القسطلاني والرواية بالفاء والصاد المهملة، ولا مجال للرأي في مثله، والمعنى صحيح بنقل أئمة اللغة.
(مِنْ مِسْكٍ) بكسر الميم، يعني دم الغزال، وهي معرب مُشك، بضم الميم وبالشين، وكانت العرب تسميه بالمشموم، وروي بفتحها وهو الجلد، والمراد الجلد الذي عليه شعر.
وقال القاضي عياض وهو رواية الأكثرين، واستبعد ابن قتيبة رواية الكسر فقال إنهم كانوا في ضيق يمتنع معه أن يمتهنوا المسك مع غلاء ثمنه. وتبعه ابن بطال.
وما استبعده ليس ببعيد؛ لما عرف من شأن أهل الحجاز من كثرة استعمال الطيب، وقد يكون المأمور به مَن يَقْدِرُ عليه على أن الظاهر أن المراد بقوله (( خذي فِرصة من مسك ) )قطعة من صوف أو قطن، أو خرقة مطيبة بالمسك، لا أنها قطعة منه حتى يستبعد، ورجح النووي الكسر، ويقوي رواية الكسر وأن المراد التطيب ما في رواية عبد الرزاق حيث وقع عنده (( من ذريرة ) )، ووقع في رواية (( فرصة مُمَسَّكة ) )بضم الميم الأولى وفتح الثانية وتشديد السين مع فتحها؛ أي قطعة من صوف ونحوه، مطيبة بالمسك، وروى بعضهم بإسكان الميم الثانية وبتخفيف السين المفتوحة، من الإمساك بمعنى أنها تمسكها بيدها فتستعملها، وفي بعض الروايات (( خذي فرصة ممسكة فتجملي بها ) )أي عالجي بها قُبُلَك بالمسح بها، وقيل أراد بها الخَلَقَ التي أُمْسِكَتْ كثيرًا، فإنه أراد أن لا تَستَعْمِل الجديد من القطن وغيره؛ للارتفاق به، ولأن الخَلَقَ أَصْلحُ لذلك.
هذا، وقال الكِرماني إنَّ قولها (( قال خذي فرصة ... إلى آخره ) )بيان لقولها (( أمرها ) )، ثمَّ قال فإن قلت كيف يكون بيانًا للاغتسال وهو إيصال الماء إلى جميع البشرة لا أخذ الفرصة؟، قلت السؤال لم يكن عن نفس الاغتسال؛ لأن ذلك معلوم لكل أحد، بل كان لقدر زائد على ذلك مختص بغسل الحيض، فلذلك أجاب به أو هو جملة حالية.
هذا وقد سبقه إلى الجواب الأول الرافعي في (( شرح المسند ) )وابن أبي جمرة، وفيه أنها سألت عن غسلها من المحيض، وليس هذا إلا سؤالًا عن ماهية الاغتسال، وقوله (لأن ذلك معلومٌ لكل أحد) فيه نظر؛ لأنه يحتمل أن لا يكون معلومًا لها على ما ينبغي، أو كان في اعتقادها
ج 2 ص 539
أن الغسل عن المحيض خلاف الغسل عن الجنابة، فالأوجه أن في الحديث اختصارًا على ما يدل عليه رواية مسلم كما تقدَّم، والله أعلم.
(فَتَطَهَّرِي) أي تنظفي (بِهَا) أي بالفرصة (قَالَتْ) أي تلك المرأة الأنصارية (كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بها؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (تَطَهَّرِي بِهَا، قَالَتْ كَيْفَ؟ قَالَ) عليه الصلاة والسلام (سُبْحَانَ اللَّهِ) متعجِّبًا من خفاء ذلك عليها، فكأنه قال كيف يخفى مثل هذا الظاهر الذي لا يحتاج الإنسان في فهمه إلى فكر.
(تَطَهَّرِي) وفي رواية قالت عائشة رضي الله عنها (فَاجْتَبَذْتُهَا) بتقديم الموحدة على الذال المعجمة، وفي رواية بعكس الأولى، يقال جذب واجتذب واجتبذ بمعنى.
(فَقُلْتُ لها تَتَبَّعِي) أمر من التتبع وهو المراد من تطهري (بِهَا) أي بالفرصة (أَثَرَ الدَّمِ) في الفرج كما حكاه النووي عن العلماء.
وقال المحاملي يستحب لها أن تُطيِّب كل موضع أصابه الدم من بدنها، قال محمود العيني (ولم أره لغيره) ، نعم يؤيد ما قاله المحاملي رواية الإسماعيلي (( تتبعي بها مواضع الدم ) ).
ففي الحديث استحباب التطيب للمغتسلة من الحيض والنفاس على جميع المواضع التي أصابها الدم من بدنها، قال النووي والمقصود باستعمال الطيب دفع الرائحة الكريهة على الصحيح، وقيل هو لكونه أسرع إلى العلوق والحبل، حكاه الماوردي، وقال فعلى الأول إن فقدت المسك استعملت ما يخلفه في طيب الريح، وعلى الثاني ما يقوم مقامه في إسراع العلوق، وضعف النووي الثاني وقال لو كان صحيحًا؛ لاختصت به المزوَّجة، قال وإطلاق الحديث يردُّه، والصواب أن ذلك مستحب لكل مغتسلة من حيض، أو نفاس، ويكره تركه للقادرة، فإن لم تجد مسكًا فطيبًا، فإن لم تجد فمزيلًا كالطين، وإلا فالماء كاف، وقد سبق في الباب قبله أن الحادة تتبخر بالقسط فيجزئها. واختلف في وقت استعمالها لذلك، قال بعضهم بعد الغسل، وقال آخرون قبله.
وفيه أنه لا عار على من سأل عن أمر دينه، وفيه استحباب تطييب فرج المرأة بأخذ قطعة من صوف ونحوه وإدخالها في فرجها بعد الغسل، والنفساء مثلها، وفيه التسبيح عند التعجب، وفيه استحباب الكنايات فيما يتعلق بالعورات، وفيه سؤال المرأة العالم عن أحوالها التي تحتشم منها، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها في نساء الأنصار(نعم النساء نساء الأنصار
ج 2 ص 540
لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين).
وفيه الاكتفاء بالتعريض والإشارة في الأمور المستهجنة، وفيه تكرير الجواب لإفهام السائل، وفيه تفسير كلام العالم بحضرته لمن خفي عليه إذا عرف أن ذلك يعجبه، وفيه الأخذ عن المفضول مع حضور الفاضل، وفيه صحة العرض على المحدث إذا أقره، ولو لم يقل عقبه نعم، وأنه لا يشترط في صحة التحمل فهم السامع لجميع ما يسمعه، وفيه الرفق بالمتعلم وإقامة العذر لمن لا يفهم، وفيه أن المرء مطلوب بستر عيوبه وإن كان مما جبل عليها من جهة أمر المرأة بالتطيب لإزالة الرائحة الكريهة، وفيه الدلالة على حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم، وعظيم حلمه، وحيائه.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنَّ تتبع أثر الدم بالفرصة لا يكون إلا بالدلك.