فهرس الكتاب

الصفحة 5299 من 11127

3464 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ) أي ابن الحصين، أبو إسحاق السلمي السُّرَّماري، بضم السين المهملة وتشديد الراء الأولى المفتوحة، وقيل بسكونها نسبة إلى سُرْمارة قرية من قرى بُخارى، الزَّاهد المجاهد، وهو من أقران البخاري وأفراده، مات يوم الاثنين لستِّ ليال بقين من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعين ومائتين.

قال (حَدَّثَنَا عَمْرُو) بفتح العين (ابْنُ عَاصِمٍ) أي ابن عُبيد الله القيسي الكلابي البصري، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين، قال (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابنُ يحيى العودي الأزدي البصري، قال (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن أبي طلحة ابن أخي أنس بن مالك رضي الله عنهم، مات سنة أربع وثلاثين ومائة، وليس له في البخاري عن عبد الرَّحمن بن أبي عمرة سوى هذا الحديث وآخر في التَّوحيد [خ¦7507] .

قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ) واسم أبي عمرة

ج 15 ص 438

عمرو بن محصن الأنصاري البخاري، قاضي أهل المدينة (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ح) تحويل من سند إلى آخر (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ) كذا وقع غير منسوب.

قال الجياني لعلَّه محمَّد بن يحيى الذُّهلي ويقال إنَّه البخاري نفسه، ويؤيِّد ذلك أنه روى عن عبد الله بن رجاء في «اللُّقطة» [خ¦2439] [خ¦1683] وغيرها بغير واسطة، لكن جزم أبو ذرٍّ بأنَّه عند المصنف عن محمَّد غير منسوب، عن عبد الله بن رجاء، وجوَّز أنَّه الذُّهلي، وساقه عن الجوزقي، عن مكِّي بن عبدان، عن الذُّهلي بطوله، وكذلك جزم أبو نُعَيم، وساقه من طريق موسى بن العبَّاس، عن محمَّد بن يحيى، وسيأتي في التَّوحيد حديث آخر، أخرجه البخاري بهذين السَّندين سواء إلى أبي هريرة رضي الله عنه [خ¦7507] .

(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ) أي ابن المثنى، أبو عمرو البصري، مات سنة تسع عشرة ومائتين، قال (أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أنَّه قال (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ ثَلاَثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى بَدَا لِلَّهِ) بتخفيف الدال المهملة بغير همز؛ أي سَبِقَ في عِلْمِ الله فأراد إظهاره، وليس المراد أنَّه ظهر له بعد أن كان خافيًا؛ لأن ذلك محال في حقِّ الله تعالى، وقد أخرج مسلم عن شيبان بن فرُّوخ، عن همَّام بهذا الإسناد بلفظ (( أراد الله ) ) (أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ) فلعلَّ التغيير فيه من الرُّواة مع أنَّ في الرِّواية أيضًا نظر؛ لأنه لم يزل مريدًا، والمعنى أظهر الله ذلك فيهم. وقال الخطَّابي معنى أراد قضى؛ لأن القضاء سابق.

وقال صاحب «المطائع» ضبطناه على متقني شيوخنا بالهمزة؛ أي ابتدأ الله أن يبتليهم، قال ورواه كثير من الشُّيوخ بغير همز وهو خطأ. انتهى.

وسبق إلى التَّخطئة أيضًا الخطَّابي وليس كما قال؛ لأنه موجَّه كما ترى، وأولى ما يُحْمَلُ عليه أنَّ المراد قضى الله أن يبتليهم ويختبرهم، وليس من البدء لأنَّه على الله ممتنع.

ج 15 ص 439

(فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا، فَأَتَى الأَبْرَصَ. فَقَالَ أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ، قَالَ لَوْنٌ حَسَنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ) بكسر الذال المعجمة؛ أي كرهه الناس واشمأزوا من رؤيته، ويروى من باب أكلوني البراغيث، قاله الكِرماني.

(قَالَ فَمَسَحَهُ) أي مسح على جِسْمه (فَذَهَبَ عَنْهُ) أي البرص (فَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا) على البناء للمفعول (فَقَالَ أَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ) هكذا في رواية الكُشْمِيْهَني بلا واو، وفي رواية غيره بالواو (قَالَ الإِبِلُ، أَوْ قَالَ الْبَقَرُ، هُوَ شَكَّ فِي ذَلِكَ، إِنَّ الأَبْرَصَ وَالأَقْرَعَ، قَالَ أَحَدُهُمَا الإِبِلُ، وَقَالَ الآخَرُ الْبَقَرُ) ووقع عند مسلم عن شيبان بن فروخ، عن همَّام التَّصريحُ بأنَّ الذي شك في ذلك هو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة راوي الحديث (فَأُعْطِيَ) على البناء للمفعول؛ أي أُعْطِي الذي تمنَّى الإبل (نَاقَةً عُشَرَاءَ) بضم العين المهملة وفتح الشين المعجمة وبالمدِّ، هي الحامل التي أتى عليها في حملها عشرة أشهر من يوم طَرَقَها الفَحْلُ، وقيل يقال لها ذلك إلى أن تلدَ وبعد ما تضع، وهي من أنفس المال.

(فَقَالَ يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا) كذا وقع يُبارك بضم أوله، وفي رواية شيبان (( بارك الله ) )بلفظ الفعل الماضي وإظهار الفاعل (وَأَتَى الأَقْرَعَ) ويروى (( قال فأتى الأقرع ) ) (فَقَالَ أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ شَعَرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا، قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ. قَالَ فَمَسَحَهُ) أي مسح على رأسه (فَذَهَبَ) أي هذا عنه (فَأُعْطِيَ) على البناء للمفعول (شَعَرًا حَسَنًا. قَالَ فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ الْبَقَرُ. قَالَ فَأَعْطَاهُ بَقَرَةً حَامِلًا، وَقَالَ يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا) ويروى (( بارك لك فيها ) ) (وَأَتَى الأَعْمَى فَقَالَ أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ يَرُدُّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَأُبْصِرُ بِهِ النَّاسَ. قَالَ فَمَسَحَهُ) أي مسح على عينيه.

(فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ. قَالَ فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ الْغَنَمُ. فَأَعْطَاهُ شَاةً وَالِدًا)

ج 15 ص 440

أي ذات وَلَدٍ، وقال الجوهري شاةٌ والدٌ؛ أي حَامِلٌ، والشاةُ يُذَكَّر ويُؤَنَّث، ويقال فلان كثير الشاة، وهو في معنى الَجْمع (فَأُنْتِجَ هَذَانِ) أي صاحبا الإبل والبقر، كذا وقع أُنتج، وهي لغة قليلة، والفصيح عند أهل اللغة نُتجت الناقة، بضم النون، ونتج الرَّجل النَّاقة؛ أي حمل عليها الفحل، وقد سُمِعَ أنتجت الفرس؛ أي ولدت فهي نتوج، ولا يقال مُنْتِج.

(وَوَلَّدَ هَذَا) بتشديد اللام المفتوحة؛ أي صاحب الشَّاة، وراعى عرف الاستعمال حيث قال في الإبل والبقر أنتج، وفي الغنم ولد (فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنْ إِبِلٍ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ بَقَرٍ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ غَنَمِ) ويروى (ثُمَّ إِنَّهُ) أي الملك (أَتَى الأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ) أي في الصُّورة التي كان عليها لما اجتمع به وهو أبرص؛ ليكون أبلغ في إقامة الحجَّة عليه (فَقَالَ رَجُلٌ مِسْكِينٌ) وزاد شيبان (( وابن سبيل ) ).

(تَقَطَّعَتْ بِهِ الْحِبَالُ فِي سَفَرِهِ) وفي رواية الكُشْمِيْهَني والحِبال، بكسر الحاء المهملة بعدها موحدة خفيفة جَمْعُ حَبْلٍ أراد به الأسباب التي يَقْطَعُها في طلب الرِّزق، وقيل العقبات، وقيل الحبل هو المستطيلُ من الرَّمل، ولبعض رواة مسلم (( الحيال ) )بالمهملة والتحتية جَمْع حيلة، وفي «التَّوضيح» ويروى الحِيَل؛ أي لم يبق لي حِيْلَة، ولبعض رواة البخاري (( الجِبَال ) )بالجيم والموحدة. قال الحافظ العسقلاني وهو تصحيفٌ. قال ابن التِّين قول الملك له رجلٌ مسكين ... إلى آخره، أراد أنك كنت هكذا، وهو من المعاريض، والمراد به ضَرْبُ المثل ليتيقَّظ المخاطب ويتَّعظ.

(فَلاَ بَلاَغَ الْيَوْمَ إِلاَّ بِاللَّهِ) أي لا كفاية اليوم إلَّا بالله (ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ فِي سَفَرِي) وفي رواية الكُشْمِيْهَني وهو من البُلْغَة بالغين المعجمة، وهي الكفاية، والمعنى أتوصَّلُ به إلى مرادي، يقال تبلَّغَ بكذا؛ أي اكتفى به (قَالَ لَهُ إِنَّ الْحُقُوقَ كَثِيرَةٌ. فَقَالَ لَهُ كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ) بفتح الذال المعجمة؛ لأنَّه من باب عَلِمَ يَعْلَم (فَقِيرًا) نُصِبَ على الحال

ج 15 ص 441

(فَأَعْطَاكَ اللَّهُ، فَقَالَ لَقَدْ وَرِثْتُ كَابِرًٍا عَنْ كَابِرٍ) كذا في رواية الكُشْمِيْهَني، وفي رواية غيره (( لِكَابِرٍ عن كَابِرٍ ) )، وفي رواية شيبان (( إنما ورثت هذا المال كابرًا عن كابر ) )أي كبيرًا عن كبير في العزِّ والشَّرف، والمعنى ورثتُ هذا المال من آبائي وأجدادي حال كون كل واحد منهم كابرًا؛ أي كبيرًا وَرِثَ عن كَبير.

(فَقَالَ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا) ويروى (فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ) إنما أورده بلفظ الفعل الماضي لإرادة المبالغة في الدُّعاء عليه، وإنَّما دخلت الفاء فيه لأنَّه دعاء (وَأَتَى الأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَيْهِ هَذَا، فَقَالَ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ. وَأَتَى الأَعْمَى فِي صُورَتِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ وَتَقَطَّعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلاَ بَلاَغَ بِيَ الْيَوْمَ إِلاَّ بِاللَّهِ، ثُمَّ بِكَ أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي. فَقَالَ قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ بَصَرِي، وَفَقِيرًا، فَخُذْ مَا شِئْتَ) زاد شيبان (( ودع ما شئت ) ) (فَوَاللَّهِ لاَ أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ لِشَيْءٍ) ويروى (أَخَذْتَهُ لِلَّهِ) قال القاضي عياض إنَّ رواية البخاري لم تختلف أنَّه لا أحمدك، بالحاء المهملة والميم، من الحمد يعني لا أحمدك على تَرْكِ شيءٍ تحتاج إليه من مالي، كما قال الشَّاعر

~وَلَيْسَ عَلَى طُولِ الحَيَاةِ تَنَدُّمٌ

أي على فوت طول الحياة. انتهى.

وقوله رواية البخاري لم تختلف ليس بذاك، فإنَّ رواية كريمة بالجيم والهاء، وكذا في أكثر روايات مسلم أي لا أشقُّ عليك في ردِّ شيءٍ تطلبه مني أو تأخذه أو لَأُبْلِغَنَّكَ غايةً تفي لك بما تريد.

وقال القاضي عياض لم يتَّضح هذا المعنى لبعض النَّاس فقال لعله لا أحدُّك، بالمهملة وتشديد الدال بغير ميم؛ أي لا أمنعك قال وهذا تكلُّفُ. انتهى.

وقال الكِرماني وفي بعض النسخ بلام القسم، وفي بعضها بتشديد الميم أي لا أطلب منك الحَمْد من قولهم فلان يتحمَّد على فلان؛ أي يمتنَّ عليه؛ أي لا أمتنُّ عليك

ج 15 ص 442

يقال مَنْ أنفق ماله على نفسهِ فلا يتحمَّد به على النَّاس [1] .

(فَقَالَ أَمْسِكْ مَالَكَ، فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ) أي امتحنتم (فَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ) ويروى على البناء للمفعول، وكذا .

وقال الكِرمانيُّ وكان هو خيرَ الثَّلاثة، ولا شكَّ أنَّ مزاجه أقرب إلى السَّلامة من مزاجهما، فإنَّ البرصَ مرضٌ يحصلُ من فساد المزاج، وكذلك ذهاب الشَّعرَ، بخلاف العَمى فإنَّه لا يستلزم فسادَهُ؛ فقد يكون من أمر خارجي. انتهى.

يعني فلهذا حسنت طباعُ الأعمى، وساءت طباعُ الآخرين. وفي الحديث جواز ذِكْرِ ما اتَّفقَ لِمَنْ مَضَى ليتَّعظ به مَنْ سَمِعَه، ولا يكون ذلك غيبةً فيهم، ولعلَّ هذا هو السِّر في ترك تسميتهم ولم يفصحْ بما اتَّفق لهم بعد ذلك، والذي يظهر أنَّ الأمر فيهم وقع كما قال المَلَك، كذا قال الحافظُ العسقلاني.

وفيه التَّحذير من كُفْران النِّعمة، والتَّرغيبُ في شكرها والاعترافُ بها وحمد الله عليها. وفيه فضلُ الصَّدقة والحثُّ على الرِّفق بالضُّعفاء، وإكرامُهم وتبليغُهم مآربهم. وفيه الزَّجر عن البُخْل؛ لأنَّه يَحْمِلُ صاحبَه على الكَذِبِ وعلى جَحْدِ نعمة الله تعالى.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة أظهرُ من أن تخفى. وقد أخرجه البخاري في الإيمان والنذور أيضًا [خ¦6653] . وأخرجه مسلم في آخر الكتاب.

52 - (باب {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ} ) وسقط في رواية أبي ذرٍّ عن المُسْتملي والكُشْمِيْهَني لفظ وليس في رواية النَّسَفي لا باب ولا غيره من التَّرجمة. قال العيني وهو الصَّواب؛ لأنَّ الكتاب في الحديث لا في التَّفسير. انتهى.

وفيه أنَّ من عادة البخاري أن يَذْكُرَ التَّرجمةَ ثمَّ إن وَجَدَ حديثًا على شرطه ذَكَره، وإلَّا اقتصر على تفسير بعض الكلمات القرآنية التي جَعَلَها ترجمة، فكذا هذا قال الله تعالى في أوائل سورة الكهف {أَمْ حَسِبْتَ} أمْ هنا بمعنى بل، والهمزة الاستفهاميَّة الإنكاريَّة وهو يقتضي الاستفهام قبله لفظًا أو تقديرًا، فتقديره هنا والله أعلم أحسبت أنَّ ذلك المذكورَ من تزيين الأرض بما عليها من الحيوان والنَّبات والمعادن لاختبار النَّاظرين إليها

ج 15 ص 443

أيُّهم أَحْسَنُ عملًا بأن زَهِدَ فيه ولم يغترَّ به ويقنع بما يُزْجِي به أيَّامه ويصرفه على ما ينبغي، ثمَّ إزالة ذلك كله كأن لم يكن بأن يعيد ما عليها من الزِّينة ترابًا مستويًا، ويجعله كصعيدٍ أملس لا نبات فيه من الآيات الكليَّة بل أَحَسِبْتَ {أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ} في إبقاء حياتهم مدَّة طويلة {كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا} [الكهف 9] يعني أنَّ ذلك المذكورَ أعظمُ من قصَّتهم، وإبقاء حياتهم مدَّة مديدة، بل قصَّتهم بالإضافة إلى ذلك [2] ليس بعجيب مع أنَّ ذلك المذكور من آيات الله كالنَّزْرِ الحقير. والكهفُ الغار الواسع في الجبل، والرَّقيم اسمُ الجبل أو الوادي الذي فيه كهفهم، أو اسم قريتهم، أو اسم كلبهم. قال أميَّة بن أبي الصَّلت

~وَلَيسَ بِهَا إِلَّا الرَّقِيمُ مُجَاوِرًا وَصَيْدَهُمُ [3] وَالقَومُ فِي الكَهْفِ هُجَّدٌ [4]

وقيل هو لوحٌ رَصَاصِيٌّ أو حَجَرِيٌّ رُقِمَتْ فيه أسماؤهم، وجُعِلَتْ على باب الكهف، وقيل مكانهم بين غضْبَان [5] وأيلة دون فلسطين، وقيل أصحاب الرقيم كانوا قومًا آخرين، وكانوا ثلاثة وهم المذكورون في الحديث الآتي بعد ذلك، والله أعلم.

وقوله {كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا} من قِبَلِ الوَصْفِ بالمصدر، أو التَّقدير ذات عجب.

{إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ} يعني فتيةً من أشراف الرُّوم أرادهم دقيانوس على الشِّرك؛ أي أراد إِكْرَاهَهم عليه فأبَوا وهربوا إلى الكهف؛ ليجعلوه مأوى لهم خوفًا على دينهم من قومهم الكفرة ومَلِكِهم، والفتيةُ جَمْع فتى، وهو الشَّاب الكامل {فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} توجب لنا المغفرة والرِّزق والأمن من العدوِّ. وقال الزَّمخشري أي رحمة من خزائن رحمتك وهي المغفرةُ والرِّزق والأمن من الأعداء، فانظرْ في الفرق بين العبارتين.

{وَهَيِّئْ لَنَا} أي أصلح لنا {مِنْ أَمْرِنَا} الذي نحن عليه من مفارقة الكفَّار {رَشَدًا} نصير بسببه راشدين مهتدين، أو اجعل أمرنا كلَّه راشدًا كقولك رأيت منك أَسَدًا، فعلى هذا، كلمة {مِنْ} للتَّجريد وأصله الابتداء أيضًا،

ج 15 ص 444

والتَّجريد من المحسِّنات البديعيَّة، وهو أن يُنْتَزعَ من أَمْرٍ ذي صِفة أَمْرٌ آخرُ مماثلٌ لذلك الأمر ذي الصِّفة في تلك الصِّفة لأجل المبالغة في كمالِ تلك الصِّفة في ذلك الأمر ذي الصِّفة حتَّى كأنَّه بلغ من الاتصاف بتلك الصِّفة إلى حيث يصحُّ أن ينتزعَ منه موصوف آخر بتلك الصِّفة، هذا وأصلُ التَّهيئة إحداثُ هيئة الشَّيء.

{فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ} أي ضربنا عليها حجابًا يمنع السَّماع بمعنى أنمناهم [6] إنامةً ثقيلةً لا تنبههم فيها الأصوات، كما ترى المستثقل في نومهِ يصاح به فلا يَسْمعُ ولا يَنْتَبه، فحذف المفعول الذي هو الحجاب، كما يقال بنى على امرأته، يريدون بنى عليها القبَّة {فِي الْكَهْفِ سِنِينَ} ظرفان لضربنا {عَدَدًا} [الكهف 11] ذوات عدد، ويجوز أن يكون مصدرًا وُصِفَ به، ووَصْفُ السِّنين به يَحْتَمِل التَّكثيرَ والتقليل؛ لأنَّ الكثيرَ قليلٌ عنده تعالى كقوله تعالى {لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ} [الأحقاف 35] {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ} أي أيقظناهم {لِنَعْلَمَ} أي ليتعلَّق عِلْمنا تَعَلُّقًا حاليًا مطابقًا لتعلُّقه أولًا تَعَلُّقًا استقباليًا.

{أَيُّ الْحِزْبَيْنِ} المختلفين منهم أو من غيرهم في مدَّة لبثهم؛ لأنهم لما انتبهوا اختلفوا في ذلك، وذلك قوله تعالى {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ} [الكهف 19] إلى آخره، وكان الذين قالوا ربكم أعلم بما لبثتُم هم الذين علموا أنَّ لبثهم قد تطاول، وأيُّ يتضمَّن معنى الاستفهام فعلَّق عنه لِنَعْلَم فلم يَعْمَل فيه، وقرئ (( ليُعْلَم ) )على البناء للمفعول وهو معلَّق عنه أيضًا؛ لأنَّ ارتفاعَه بالابتداء لا بإسناد يُعلم إليه، وفاعل يُعْلَم مضمون الجملة، وخبر {أي} قوله {أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا} [الكهف 12] أي ضبط {أَمَدًا} لزمان لبثهم فـ {أَحْصَى} فعل ماض و {أَمَدًا} مفعوله، و {لِمَا لَبِثُوا} حال منه أو مفعول له. وقيل إنَّه المفعول، واللام مزيدةٌ و {مَا} موصولة و {أَمَدًا} تمييز، وقيل {أَحْصَى} اسم تفضيل من الإحصاء بحذف الزوائد، كقولهم هو أحصى للمال، وأَفْلس مِن ابن المُذَلَّق، و {أَمَدًا} نُصِبَ بفعلٍ دلَّ عليه كقوله

~وَأَضْرَبَ مِنَّا بِالسُّيُوفِ القَوَانِسَا

أي يَضْرِبُ القَوَانس. جَمْعُ القَونس،

ج 15 ص 445

وهو أعلى الرَّأس، وقيل أعلى البيضة.

وقال الزَّمخشري جَعْلُه أفعل من أَفْعَلُ التَّفضيل ليس بالوَجْه السَّديد؛ لأن بناءه من غير الثُّلاثي المجرَّد ليس بقياس، ونحو أحصى للمال وأفلس من ابن المُذَلَّق شاذ، والقياس على الشَّاذ في غير القرآن مُمْتَنِعٌ فكيف به. انتهى.

قال أبو حيَّان الحكم بشذوذ ذلك إنَّما هو مذهب أبي علي، وأمَّا مذهب سيبويه فجواز بناء أفعل التَّفضيل من أفعل مطلقًا. وقال العَلَم العراقي ومنه قوله تعالى {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ} [البقرة 282] ، وقولهم أَفْلَسُ من ابن المُذَلَّق، قال الميداني يروى بالمعجمة والمهملة، وهو رجلٌ من بني عبد شمس وأبوه وأجدادُه يعرفون بالإفلاس. قال الشَّاعر في أبيه

~فَإِنَّكَ إِذَا تَرْجُو تَمِيْمًا وَنَفْعَها كَرَاجِي النَّدَى وَالعرْفِ عِنْدَ المُذَلَّقِ

قال الزَّمخشري فإن قلت كيف جعلَ الله تعالى العلم بإحصائهم المدد غرضًا في الضَّرب على أذانهم؟

قلت الله تعالى لم يزل عالمًا بذلك، وإنَّما أراد ما تعلَّق به العلم من ظهورِ الأمر لهم ليزدادوا إيمانًا واعتبارًا، ويكون لطفًا لمؤمني زمانهم وآية بيِّنة لكفَّاره، والله تعالى أعلم.

{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ} بالصِّدق {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ} أي شبَّان جمع فتى كصبي وصِبيَّة {آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف 13] بالتَّوفيق والتَّثبيت {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ} أي وقوَّيناهم بالصَّبر على هجر الأوطان والأهل والمال والنَّعيم وجبرناهم على القيام بكلمة الحقِّ وإظهارها والتَّظاهر بالإسلام والرد على دقيانوس الجبار.

في «الأساس» ربطتُ الدَّابة شددتُها برباط، والمَربط الحبل، ومن المجاز ربطَ اللهُ على قلبهِ صبَّره، ولما كان الخوف والقلقُ يُزعج القلوب عن مقارِّها قال الله تعالى {وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} [الأحزاب 10] قيل في مقابلتهِ ربط قلبه إذا تمكَّن وثبتَ وهو تمثيلٌ شبَّه تثبيت القلوب بالصَّبر بشدِّ الدَّواب بالرباط.

{إِذْ قَامُوا} من بين يدي الجبار، وهو دِقيانوس، بكسر الدال، من غير مبالاة به حين عاتبهم على ترك عبادة الصَّنم، وقد كان أكره أهلَ الإنجيل على عبادة الأصنام حين دخل مدينة أفسوس بعَسْكَرهِ وتسلَّط عليهم، فمن كَفَرَ بالله واتَّبع دينه تركه، ومن لم يتَّبعه قتلَه، وأراد فِتْيةً من أشرافِ قومه على الشِّرك وتوعَّدهم بالقتل فأبوا عنه، وقاموا بإثبات الحجَّة، وإظهار الإسلام بعد أن أمرهم بالسُّجود للأصنام والتَّشديد على عبادةِ غير الله تعالى وقول الكفر.

{فَقَالُوا} بالإخلاص والتوكُّل على الله، وتفويض أمرهم إليه رَبُّنَا

ج 15 ص 446

رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ أي لن نَعْبُدَ {مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} [الكهف 14] أي والله لقد قلنا قولًا ذا شططٍ؛ أي ذا بُعْدٍ عن الحَقِّ وإفراطٍ في الظُّلم، والشَّططُ هو الإفراط في الظُّلم والإبعادُ فيه من شطَّ إذا بَعُدَ، ومنه أشطَّ في السَّوم وفي غيره {هَؤُلَاءِ} مبتدأ {قَوْمُنَا} عطف بيانه، وفي التَّعبير باسم الإشارة تحقير لهم {اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً} خبر المبتدأ وهو إخبار في معنى إنكار.

{لَوْلَا يَأْتُونَ} أي هلَّا يأتون {عَلَيْهِمْ} أي على عِبَادَتهم، فحَذَفَ المضاف {بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ} أي بِبُرهانٍ ظاهر، فإنَّ الدِّين لا يؤخذ إلَّا به وهو تبكيتٌ لأنَّ الإتيان بالسُّلطان على عبادة الأوثان محالٌ، وفيه دليل على أنَّ ما لا دَليل عليه من الدِّيانات مردود، وأنَّ التَّقليد فيه غيرُ جائز؛ لأنَّه لابدَّ في الدِّين من الحُجَّة حتَّى يصحَّ ويثْبُتَ {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الكهف 15] بنسبة الشَّريك إليه {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ} خطاب بعضِهم لبعض يعني قال بعض الفتية لبعض حين صممت عزيمتهم على الفرار بدينهم وإذ تركتموهم؛ أي الكافرين {وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} عطف على الضمير المنصوب؛ يعني وإذ اعتزلتُم القوم ومعبوديهم إلَّا الله وهو يجوز أن يكون استثناءً متَّصلًا على ما رُوِيَ أنَّهم كانوا يقرُّون بالخالق ويعبدونه، ويعبدون الأصنام كسائر المشركين، ويجوز أن يكون منقطعًا، ثم يجوز أن تكون ما مصدريَّة أيضًا على تقدير وإذ اعتزلتموهم وعبادتهم إلَّا عبادة الله، ويجوز أن تكون نافيةً على أن يكون إخبارًا من الله تعالى عن الفتنة بالتَّوحيد، فيكون كلامًا معترضًا بين إذا وجوابه لتحقيق اعتزالهم، فعلى هذا، يستحسنُ توقيفه على قوله {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ} فهي من آداب القراءة.

{فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ} يبسطُ لكم ويوسِّع عليكم {مِنْ رَحْمَتِهِ} في الدَّارين بإنقاذكُم من عدوِّكم وإثابتكُم الجنَّة {وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا} [الكهف 16] بفتح الميم وكسرها، وهو ما يرتفقُ به؛ أي ينتفع،

ج 15 ص 447

وجَزْمُهم بذلك إما لنُصُوع [7] يقينهم وقوَّة وثوقهم بفضلِ الله تعالى، وإمَّا لكون نبيٍّ في عصرهم أَخْبَرَهَم بذلك، وإمَّا لكون بعضِهم نبيًا، والأول هو الظَّاهر.

{وَتَرَى الشَّمْسَ} أي لو رأيتهم، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكلِّ أَحَدٍ ممَّن يَصْلُح أن يخاطَبَ للمبالغة في إظهار هذه الحال {إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ} تميل عنه ولا يقع شعاعُها عليه فيؤذيهم؛ لأنَّ الكهف كان جنوبيًا؛ أي كانت ساحتُه وداخِلُه في جانب الجنوب، وذلك إنَّما يكون بابه في جانب الشِّمال، أو لأنَّ الله زوَّرها عنهم، وأصل تزَّاور تتزاور، فأدغمت التاء في الزاي، وقرأ الكوفيون بحذفها، وابن عامر ويعقوب (( تَزْوَرُّ ) )كتَحْمَرُّ، وقرئ (( تَزْوَارُّ ) )كتَحْمَارُّ، وكلها من الزُّور وهو الميل، ومنه زاره إذا مال إليه، والزَّوَر [8] الميل عن الصِّدق.

{ذَاتَ الْيَمِينِ} جهة اليمين، وحقيقتُها الجهةُ ذاتُ اسمِ اليمين؛ أي الجهة المسمَّاة باليمين {وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ} أي تقطعهم وتصرم منهم، ولا تقربُهُم، من معنى القطيعةِ والصَّرم {ذَاتَ الشِّمَالِ} يعني يمين الكهف وشماله {وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ} وهم في متَّسع من الكهف، والمعنى أنَّهم في ظلِّ نهارهم كله لا تصيبهم الشَّمس في طلوعها ولا غروبها مع أنَّهم في مكان واسعٍ منفتح معرض لإصابة الشمس لولا أنَّ الله يحجبها عنهم، وقيل في متفسَّح من غارهم وفي وسطه بحيث ينالهم فيه رَوْحُ الهواء وبَرْدُ النَّسيم، ولا يؤذيهم كربُ الغار ولا حرُّ الشَّمس.

قال القاضي وذلك لأنَّ باب الكهف في مقابلة بنات النَّعش، وأقرب المشارق والمغارب إلى محاذاته مشرقُ السَّرطان ومغرِبُه، والشَّمس إذا كان مدارها مداره تطلعُ مائلة عنه مقابلة لجانبه الأيمن، وهو الذي يلي المغرب وتغربُ محاذية لجانبه الأيسر فيقعُ شعاعُها على جنبتيهِ، وتُحَلِّل عفونَته وتُعَدِّلُ هواه، ولا يقع عليهم فيؤذي أجسادهم ويُبْلِي ثيابهم.

{ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ} أي ما صنعه الله من ازورار الشَّمس وقرضها طالعة وغاربة آية من آياته؛ يعني أنَّ ما كان في ذلك السَّمت

ج 15 ص 448

تصيبُه الشَّمس ولا تصيبهم اختصاصًا لهم بالكرامة، وقيل أي شأنهم وحديثهم أو إيواؤهم إلى كهف كذلك أو إخبارك قصَّتهم من آيات الله {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ} بالتَّوفيق والإرشاد {فَهُوَ الْمُهْتَدِ} الذي أصاب الفلاح {وَمَنْ يُضْلِلْ} ومن يخذله {فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف 17] من يليه ويرشده، والمراد به إمَّا الثناء عليهم بأنَّهم جاهدوا في الله وأسلموا له وجوهَهم فلطفَ بهم وأعانَهم وأرشدَهم إلى نَيْلِ تلك الكرامة السنيَّة والاختصاص بالآية العظيمة، وفيه دَلالة على أنَّ كلَّ من سَلَكَ طريقة المهديِّين الرَّاشدين فهو الذي أصاب الفلاح، واهتدى إلى السَّعادة، ومن تعرَّض للخذلان فلن يجد له وليًا يلي أمره ويرشدُه، وإمَّا التَّنبيه على أن أمثالَ هذه الآيات كثيرةٌ، ولكن المنتفع بها مَن وفَّقه الله للتأمُّل فيها والاستبصار.

{وَتَحْسبُهُمْ} بكسر السين وفتحها لكلِّ أحد أو خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم {أَيْقَاظًا} هو جمع يقظ {وَهُمْ رُقُودٌ} أي نيام، قيل كانت عيونهم منفتحةً وهم نيام، فيحسبهم النَّاظر كذلك، وقيل لكثرة تقلُّبهم كما قال تعالى {وَنُقَلِّبُهُمْ} أي في رقدتهم {ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ} [9] لئلا تأكل الأرض من أبدانهم على طولِ الزَّمان، قيل لهم تقلُّبتان في السَّنَةِ، وقيل تَقَلُّبة واحدةٌ في يوم عاشوراء، وقرئ (( ويُقَلِّبُهم ) )بالياء والضَّمير لله تعالى، وقرئ (( وتَقَلُّبهم ) )على المصدر منصوبًا بفعل يدلُّ عليه {وَتَحْسَبُهُمْ} أي وترى تقلبهم وتشاهده.

{وَكَلْبُهُمْ} هو كلبٌ مرُّوا به فتبعهم فطردُوه، فأنطقه الله فقال أنا أحبُّ أحباء الله، فناموا وأنا أحرُسُكم، أو كلب راع مرُّوا به فتبعهم وتبعه الكَلْبُ، ويؤيِّده قراءة جعفر الصَّادق (وكالبهم) أي وصاحبُ كلبهم، روي أنهم مرُّوا براعي غنم فقال لهم أين تذهبون؟ فقالوا نفرُّ بديننا من هذا الجبَّار، فقال الرَّاعي ما أنا أغنى منكم فترك غَنَمَه ولحقَ بهم، فتبعه كلبُه {بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ} حكاية حال ماضية؛ لأنَّ اسم الفاعل لا يعملُ إذا كان في معنى المضيِّ {بِالْوَصِيدِ} بفناء باب الكهف، وقيل المراد العتبةِ، وقيل الباب، وأنشد

~بِأَرْضٍ فَضَاءٍ لَا يُسَدُّ وَصِيدُهَا عَلَيَّ وَمَعْرُوفِي بِهَا غَيْرُ مُنْكَرِ

أي بصحراء مكشوفة لا يُسَدُّ بابُها عَلَيَّ ولا يُنْكِرُ بها أحدٌ معروفي، يعني يعرف أنسابي كلُّ أحد.

ج 15 ص 449

{لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ} فنظرت إليهم يا محمَّد وقرئ (( لوُ اطلعت ) )بضم الواو {لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا} لهربت منهم، وفرارًا يحتمل المصدر لأنه نوع من التَّولية والعلَّة والحال {وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} [الكهف 18] أي خوفًا يملأ صدرك، والرُّعب، بالتخفيف والتثقيل هو الخوف الذي يُرْعِبُ الصَّدر؛ أي يملؤه، وذلك لما ألبسهم الله من الهيبة، وقيل لطول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم، وانفتاح عيونهم، وقيل لوحشةِ مكانهم.

وعن معاوية رضي الله عنه أنَّه غزا الرُّوم فمرَّ بالكهف فقال لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال له ابن عبَّاس رضي الله عنهما ليس لك ذلك فقد منع الله تعالى من هو خيرٌ منك، فقال {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا} فقال معاوية لا أنتهي حتَّى أعلم فبعث ناسًا فقال لهم اذهبوا فانظروا ففعلوا، فلمَّا دخلوا الكهف بعث الله ريحًا فأحرقتْهم. وقرأ الحرميان (( ولملِّئت ) )بالتشديد للمبالغة، وابن عامر والكسائي وأبو جعفر ويعقوب (( رعُبًا ) )بالتثقيل؛ يعني بالضم.

{وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ} أي وكما أنمناهم تلك النَّومة كذلك بعثناهم؛ أي أيقظناهم من نومهم ليكون ذلك آيةً على كمال قدرتنا على الإماتة والبعث جميعًا {لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ} أي ليسأل بعضُهم بعضًا، ويتعرَّفوا حالهم وما صنع الله بهم فيَعتبروا ويَستدلُّوا على عِظَمِ قدرة الله فيزدادوا يقينًا، ويستبصروا به أمر البعث، ويشكروا ما أنعم به عليهم وكرموا به.

{قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ} قيل وهو رئيسُهم مكسينا [10] {كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} بناءً على غالب ظنِّهم؛ لأنَّ النَّائم لا يُحْصِي مدَّة نومه، ولذلك أحالوا العلم إلى الله، وفيه دليل على جواز الاجتهاد والقول بالظنِّ الغالب، وأنه لا يكون كذبًا وإن جاز أن يكون خطأ {قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} إحالة للعلم إلى الله، ويجوز أن يكون ذلك قولُ بعضِهم

ج 15 ص 450

وهذا إنكارٌ عليهم من البعض الآخر كأنَّهم قد علموا بالأدلَّة أو بإلهام من الله أنَّ المدَّة متطاولة، وأنَّ مقدارَها مبهمٌ لا يَعْلَمُه إلَّا الله.

وقد رُوِيَ أنَّهم دخلوا الكهف غدوة، وكان انتباهُهم بعد الزَّوال فظنُّوا أنَّهم في يومهم أو اليوم الذي بعده، فلمَّا نظروا إلى طول أظفارهم وأشعارهم قالوا ذلك، ثمَّ لمَّا علموا أنَّ الأمر مُلْتَبِسٌ لا طريق لهم إلى عِلْمِه أخذوا فيما يهمُّهم؛ فكأنَّهم قالوا ربُّكم أعلم بذلك لا طريق لكم إلى عِلْمِه.

{فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ} والورِق الفِضَّة مضروبة كانت أو غير مضروبة، وقرأ أبو بكر وأبو عَمرو وحمزة وروح عن يعقوب بالتخفيف؛ أي بسكون الراء، وقيل المدينة طرسوس قالوا وتَزَوُّدُهم ما كان معهم من الوَرِق، وحَمْلُهم له عند فِرارهم دليلٌ على أنَّ حَمْلَ النَّفقة وما يُصْلِحُ المسافر هو رأي المتوكِّلين على الله دون المتَّكلين على الإنفاقات، وعلى ما في أوعية القوم من النَّفقات، ومنه قول عائشة رضي الله عنها لِمَن سألها عن محرم يَشُدُّ عليه هِمْيَانَه (( أوثق عليك نفقتك ) ).

وما حُكِيَ عن بعضِ صَعاليك العلماء أنَّه كان شديد الحنين إلى أن يرزقَ حجَّ بيت الله وتُعُولِمَ [11] منه ذلك فكانت مياسيرُ أهلِ بلده، كلما عزم منهم فوج أتوه فبذلوا له أن يحجُّوا به، وألحُّوا عليه فيعتذر إليهم ويحمد إليهم بذلهم، فإذا انفضوا عنه قال لمن عنده ما لهذا السَّفر إلا شيئان شدُّ الهِمْيان والتوكُّل على الرَّحمن.

{فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا} أي أهلها فحذف الأهل، كما في قوله {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف 82] {أَزْكَى طَعَامًا} أحل وأطيب أو أكثر وأرخص {فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} أي بشيءٍ منه يكون رزقًا لكم {وَلْيَتَلَطَّفْ} وليتكلَّف اللُّطف فيما يباشره من المعاملة والمبايعة حتَّى لا يُغْبَنَ أو في أمر التَّخفي حتَّى لا يُعْرَف {وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} [الكهف 19] يعني ولا يفعلنَّ ما يؤدِّي من غير قَصْدٍ منه إلى الشُّعور بنا، فسُمِّي ذلك إشعارًا منه بهم؛ لأنَّه سبب فيه {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} أي إن يطَّلعوا عليكم، أو يظفروا عليكم والضَّمير للأهل المقدر في أيُّها {يَرْجُمُوكُمْ} أي يقتلوكم أخبثَ القتلة، وهي الرَّجْمُ وكانت عادتهم.

{أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ}

ج 15 ص 451

أو يدخلوكم في ملَّتهم بالإكراه العنيف، ويصيِّروكم إليها من العَود بمعنى الصَّيرورة، فإنَّ العود في معنى الصَّيرورة أكثر شيءٍ في كلامهم؛ يقولون ما عدتُ أفعل كذا يريدون ابتداء الفعل، وقيل كانوا أولًا على دينهم {وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا} [الكهف 20] إنْ دخلتهم في ملتهم ودينهم {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} أي وكما أنمناهم وبعثناهم لما في ذلك من الحكمة من ازدياد بصيرتهم اطَّلعنا عليهم {لِيَعْلَمُوا} ليعلم الذين أطلعناهم على حالهم {أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} أي وعدَ الله بالبعث أو الموعود الذي هو البعثُ ثابتٌ لا خُلْفَ فيه؛ لأنَّ حالهَم في نومهم وانتباهَهم بعدها كحال من يموت ثمَّ يُبْعَثُ.

{وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا} وأنَّ القيامة لا ريبَ في إمكانها، فإنَّ من توفَّى نفوسَهم وأمسَكَها ثلاثمائة سنة حافظًا أبدانها عن التحلُّل والتفتُّت، ثمَّ أرسلها إليها قَدِرَ أن يتوفَّى نفوس جميع النَّاس ممسكًا إيَّاها إلى أن يحشرَ أبدانها فيَرُدَّها عليها {إِذْ يَتَنَازَعُونَ} ظرف لأعثرنا؛ أي أعثرناهم عليهم حين يتنازعون؛ أي النَّاس {بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ} أمر دينهم، ويختلفون في حقيقة البعث، وكان بعضُهم يقولون تبعثُ الأرواح دون الأجساد، وبعضُهم تُبْعَثُ الأجسادُ مع الأرواح؛ ليرتفع الخلاف ويتبيَّن أنَّ الأجساد تبعث حيَّة حسَّاسة فيها أرواحها، كما كانت قبل الموت، أو المراد بالأمر أمر الفتية حين أماتهم الله ثانيًا بالموت، فقال بعضهم ماتوا، وقال آخرون ناموا نومَهم أوَّل مرَّة، أو قالت طائفة نبني عليهم بنيانًا يسكنه النَّاس ويتَّخذونه قرية، وقال آخرون لنتخذنَّ عليهم مسجدًا يُصَلَّى فيه كما قال تعالى.

{فَقَالُوا} أي المسلمون بعضُهم لبعضٍ حين توفَّى الله أصحابَ الكهف {ابْنُوا عَلَيْهِمْ} أي على باب كهفهم {بُنْيَانًا} يسكنه النَّاس كما تقَّدم، وقيل لئلا يتطرَّق إليهم الناس ضنًّا بتربتهم ومحافظة عليها، كما حُفِظَتْ تُرْبةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحظيرةِ، وقيل إذ يتنازعون بينهم أمرهم؛ أي يتذاكرون بينهم أمر أصحاب الكهف، ويتكلَّمون في قصَّتهم، وما أظهر الله من آلائه فيهم،

ج 15 ص 452

أو يتنازعون بينهم تدبيرَ أمرهم حين توفوا كيف يُخْفُون مكانَهم، وكيف يسدُّون الطَّريقَ إليهم، فقالوا ابنوا عليهم بنيانًا يسترهم عن العيون {رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} هو إمَّا من كلام المتنازعين كأنَّهم تذاكروا أَمْرَهم وتناقَلوا الكلامَ في أنسابهم وأحوالِهم ولبثهم، فلمَّا لم يهتدوا إلى حقيقة ذلك قالوا ربُّهْم أعلمُ بهم، أو هو من كلام الله تعالى ردًا لقولِ الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين أو من الذين تنازعوا فيهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب.

{قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ} من المسلمين الذين أطلعهُم الله على حالهم، وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم ممَّن قالوا ابنوا عليهم بنيانًا وهم من المسلمين أيضًا، وقيل من الكافرين زعمًا منهم أنهم كانوا على دينهم، والظَّاهر هو الأوَّل {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف 21] يُصَلِّي فيه المسلمون ويتبرَّكون بمكانهم.

ورُوي أنَّ أهل الإنجيل عظمتْ فيهم الخطايا، وطغتْ ملوكُهم حتَّى عبدوا الأصنام وأَكْرَهُوا على عبادتها، وممَّن شدَّد في ذلك دقيانوس؛ فأرادَ فتيةً من أشراف قومه على الشِّرك وتوعَّدَهم بالقتل فأبوا إلا الثَّبات على الإيمان والتصلَّبَ فيه، ثمَّ هربوا إلى الكهف، ومرُّوا بكلب فتبعهم فطردوهُ فأنطقه الله تعالى، فقال ما تريدون مني أنا أحب أحباء الله فناموا وأنا أحْرُسُكم، وقيل مرُّوا براعٍٍ معه كلبٌ فتَبِعَهم على دينهم ودخلوا الكهف وكانوا يعبدون فيه ثمَّ ضرب الله على آذانهم وقبل أن يبعثَهُم الله مَلَكَ مدينَتَهم رجلٌ صالح مؤمن، وقد اختَلَفَ أهلُ مملكته في البَعْثِ معترفين وجاحدين، فدخل المَلِكُ بيتَه وأغلق بابَه ولبس مَسْحًا وجلسَ على رمادٍ وسأل ربه أن يبيِّن لهم الحقَّ فألقى الله في نَفْسِ رَجُلٍ من رعيانهم فهدمَ ما سُدَّ به فَمِ الكهف ليتَّخذه حظيرة لغنمه ولما دخل المدينة من بعثوه لابتياع الطَّعام وأَخْرَجَ الوَرِقَ وكان من ضَرْبِ دقيانوس اتهموه بأنَّه وجد كنزًا فذهبوا به إلى الملك وكان نصرانيًا موحِّدًا فقصَّ عليه القصص

ج 15 ص 453

فقال بعضُهم إنَّ آباؤنا أخبرونا أنَّ فتيةً فرُّوا بدينهم من دقيانوس فلعلَّهم هؤلاء فانطلق المَلِكُ وأهلُ المدينة معه من مؤمن وكافرٍ وأبصروهم وكلَّموهم وحمدوا الله على الآية الدَّالة على البعث، ثمَّ قالت الفتيةُ للمَلِكِ نستودعك الله ونعيذُك به من شرِّ الإنس والجنِّ، ثمَّ رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى الله أنفسَهم، فألقى الملك عليهم ثيابه وأمر فَجُعِل لكلِّ واحدٍ تابوتٌ من ذَهَبٍ فرآهم في المنام كارهين للذَّهب فجَعَلها من السَّاج.

ورُوِيَ فَدَفَنَهم المَلِكُ في الكهفِ وبنى عليهم مسجدًا، وقيل لما انتهوا إلى الكهف، قال لهم الفتى مكانَكم حتَّى أدخُلَ أولًا لئلا يفزعوا فدخل وعَمِيَ عليهم المدخَلُ وبنو ثمةَ مسجدًا، والله تعالى أعلم، هذا، وقد رُوِيَ عن عكرمة أنَّ السَّبب فيما جرى لهم أنهم كانوا تذاكروا هل يَبعثُ الله الروحَ والجَسَدَ أو الروح فقط، فألقى الله عليهم النومَ فناموا المدة المذكورة، ثمَّ بعثهم فعرفوا أنَّ الجسد يُبْعَثُ كما تُبْعَثُ الروح، ولا مانعَ من أن يكون ذلك التَّذاكرُ بعد أن دخلوا الكهف فارِّين بدينهم، والله تعالى أعلم.

{سَيَقُولُونَ} الضَّمير لمن خاض في قصَّتهم في عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب والمؤمنين سألوا [12] رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فأخَّر الجواب إلى أن يوحى إليه فنزلت الآيةُ إخبارًا بما سيجري بينهم من تنازعهم في عدد الفتية بأنَّ بعضهم يقولون ثلاثة رابعهم كلبهم، وبعضهم يقولون خمسة وسادسهم كلبهم، وبعضهم يقولون سبعة وثامنهم كلبهم وأنَّ المصيب منهم من يقول سبعة وثامنهم كلبهم، وقال تعالى {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} أي هم ثلاثة رجال يربعهم كلبهم بانضمامه إليهم، قيل هو قول اليهود، وقيل هو قولُ السَّيد من نصارى نجران وكان يعقوبيًا {وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ} قاله النصارى، وقيل قاله العاقب منهم، وكان نسطوريًا {رَجْمًا بِالْغَيْبِ} يرمون رميًا بالخبر الخفي الذي لا مُطَّلَعَ لهم عليه وإيتانًا به، كقوله {ويَقْذِفُوَن بالغَيْبِ} [سبأ 53] ؛ أي يأتون به

ج 15 ص 454

أو وَضَعَ الرَّجْمَ موضعَ الظَّنِّ، فكأنَّه قيل ظنًا بالغيب؛ لأنهم أكثروا أن يقولوا رَجَمَ، مكان قولهم ظنَّ، حتَّى لم يبق عندهم فرق بين العبارتين، قال زهير

~وَمَا الحَرْبُ إِلَّا مَا عَلِمْتُم وذُقْتُمُ وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ

أي المظنون.

{وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} [13] قاله المسلمون، روي أنَّ السَّيد والعاقب وأصحابَهما من أهل نجران كانوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجرى ذِكْرُ أصحاب الكهفِ فقال السَّيد، وكان يعقوبيًا كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم، وقال العاقب، وكان نسطوريًا كانوا خمسةً سادسُهم كلبُهم، وقال المسلمون كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، فحققَّ الله قول المسلمين، وإنما عرفوا ذلك بإخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم عن جبريل عليه السَّلام، وإيماء الله تعالى إليه بأن أَتْبَعَهُ بقوله {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ} أي من الناس.

قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما وأنا من القليل وأَتْبَعَ الأولين قوله {رَجْمًا بِالْغَيْبِ} وبأن أثبتَ العِلْمَ بهم لطائفةٍ بعد ما حصر أقوال الطَّوائف في الثلاثة المذكورة، فإنَّ عَدَمَ إيرادِ رابع في نحو هذا المحلِّ دليل العدم مع أن الأصل ينفيه، ثمَّ ردَّ الأولين بأن أَتْبَعَهُمَا قولَه {رَجْمًا بِالْغَيْبِ} ليتعين الثَّالث، وبأن أدخل فيه الواو على الجملة الواقعة صفة للنَّكرة تشبيهًا لها بالواقعة حالًا عن المعرفة، نحو قولك جاءني رجل ومعه آخر، ومررت بزيد وفي يده سَيْفٌ، ومنه قوله تعالى {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} [الحجر 4] .

وفائدتُها توكيد لصوق الصَّفة بالموصوف، والدَّلالة على أنَّ اتِّصافه بها أمرٌ ثابت مستقرٌّ فهذه الواو هي التي آذنت بأن الذين قالوا {سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} قالوا عن ثبات عِلْمٍ وطمأنينة نَفْسٍ، ولم يرجُموا بالظَّنِّ كما غيرهم. قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( حين وقعت الواو انقطعت العدَّة ) )أي لم يبق عدَّة عادٍّ يُلْتَفَتُ إليها وثبت أنَّهم سبعةٌ وثامِنُهم كلبُهم، على

ج 15 ص 455

الثَّبات والقطع، وإنَّما جِيء بالسين في الأوَّل دون الأخيرين إمَّا لدخول الأخيرين في حُكْم السين كما تقول قد أكرم وأنعم، تريد مَعْنى التوقُّع في الفِعْلين جميعًا، أو لإرادة معنى الاستقبال بيفعل لكونه صالحًا له، هذا، وقيل قوله {إِلَّا قَلِيلٌ} أي من أهل الكتاب، والضَّمير في {سَيَقُولُونَ} على هذا لأهل الكتاب خاصَّة أي سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا، ولا عِلْمَ بذلك إلَّا في قليلٍ منهم، وأكثرهم على ظنٍّ وتخمين.

وعن علي رضي الله عنه (( هم سبعة وثامنهم كلبُهم أسماؤهم يمليخا، ومكشلينيا، ومشلينيا، هؤلاء أصحاب يمين الملك، ومرنوش، ودبرنوش، وشاذنوش، أصحاب يساره، وكان يستشير هؤلاء السِّتة، والسَّابع الرَّاعي الذي وافقهم حين هربوا من مَلِكهم دقيانوس ) )، واسمه على ما أورده الإمام الواحدي في «الوسيط» كفيشططنونس وقيل كشططيوش، ذكره المولى سعدي، واسم كلبهم قطمير، واسم مدينتهم أفسوس، ويقال هي اليوم طَرْسُوْس [14] ، كذا في «الوسيط» .

وقال الحافظُ العسقلاني وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما إنَّ اسم الملك الأوَّل دقيانوس، واسم الفتية مكسلمينا، مخشلمينا، يمليخا، ميطونس، كشطونس، بيرونس، ديمونس، وفي النُّطق بها اختلاف كثير، ولا يقع الوثوق من ضبطها بشيء. وأخرج أيضًا مجاهد أنَّ اسم كلبهم قطميروا. وعن الحسن قطمير، وقيل غير ذلك، وأمَّا لونه فقال مجاهد كان أصفر، وقيل غير ذلك، وروي أنَّه كان معهم في الجنَّة.

وعن مجاهد إنَّ دَرَاهِمَهم كانت كخِفَاف الإِبل، وأنَّ تمليخا هو الذي كان رسولَهم ليشتري الطَّعام، وقد ساق ابن إسحاق قصَّتهم في «المبتدأ» مطوَّلة وأفاد أنَّ اسم الملك الصَّالح الذي عاشوا في زمانه بتدرسيس، وروى الطَّبري من طريق عبد الله بن عُبيد بن عُمير أنَّ الكلب الذي كان معهم كان كلب صيد. وعن وهب بن منبِّه أنه كان كلب حرث.

ج 15 ص 456

وعن مقاتل كان الكلبُ لكبيرهم، وكان كلبَ غَنَمٍ قال وقيل كان إنسانًا طبَّاخًا تَبِعَهم وليس بكلبٍ حقيقة، والأوَّل هو المعتمدُ.

{فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ} أي فلا تجادل أهلَ الكتاب في شأن أصحاب الكهف {إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا} أي إلَّا جِدالًا ظاهرًا غير مُتَعَمِّق فيه وهو أن تقصَّ عليهم ما أوحى الله إليك فحسب ولا تزيد من غير تجهيل لهم ولا تعنيف بهم في الردِّ عليهم كما قال وجادلهم بالتي هي أحسن {وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا} [الكهف 22] أي ولا تسأل أحدًا منهم عن قصَّتهم سؤالَ مسترشدٍ؛ لأنَّ الله قد أرشدك بأنْ أوحى إليك قصَّتهم؛ ففيما أُوْحِيَ إليك مندوحةٌ عن غيره، مع أنَّه لا عِلْمَ لهم بها ولا سؤال متعنِّت تُريدُ تفضيحَ المسؤول وتزييفَ ما عنده، فإنَّ ذلك يُخِلُّ بمكارم الأخلاق وخلاف ما وصيتُ به من المداراةِ والمُجَاملة، ثمَّ إنَّه تبارك وتعالى بعد ما ذكر آيةَ المشيئة للمناسبة بينها وبين تلك القصَّة كما لا يخفى على من يَنْظرُ فيها بين ما أجمله في قوله {فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا} [الكهف 11] حيث قال تعالى

{وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} يريد أنَّ لبثهم فيه أحياء مضروبًا على آذانهم هذه المدَّة، ومعنى قوله {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا} أنَّه أعلم من الذين اختلفوا فيهم بمدَّة لبثهم والحق ما أخبرك به، وفيه تفخيم لطول المدَّة؛ حيث أبهم ثمَّ بيَّن. وعن قتادة أنَّه حكاية لكلام أهل الكتاب؛ فإنَّهم اختلفوا في مدَّة لبثهم كما اختلفوا في عدَّتهم؛ فقال بعضهم ثلاثمائة، وقال بعضهم ثلاثمائة وتسع سنين. وقوله {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا} ردٌّ عليهم. وقال قتادة في حرف عبد الله؛ أي ابن مسعود رضي الله عنه وقالوا ولبثوا، والله تعالى أعلم.

فائدة قال النِّيسابوري عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما إنَّ أسماء أصحاب الكهف تصلح للطَّلَب، والهَرَب، وإطفاءِ الحريق، تُكْتَبُ في خرقة ويُرْمَى بها في وسط النَّار، ولبكاءِ الطِّفل

ج 15 ص 457

تُكْتَبُ وتُوَضُع تحتَ رأسه في المَهْد، وللحَرْثِ تكتبُ على القرطاس، وترفع على خشب منصوب في وسط الزَّرع، وللضربان [15] ، وللحُمَّى المثلثه، والصُّداع، والغنى، والجاه، والدُّخول على السَّلاطين، وللمقعود عن المرأة تُشَدُّ على الفَخِذ اليمنى، ولعسر الولادة تشدُّ على فخذها اليسرى، ولحفظ المال، والرُّكوب على البحر، والنَّجاة من القتل. انتهى.

(الْكَهْفُ الْفَتْحُ فِي ?

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت