3465 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ) هو أبو عبد الله الخزَّاز الكوفي، قال (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بلفظ الفاعل من الإسهار، بالمهملة وبالراء (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَيْنَمَا ثَلاَثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) يعني من بني إسرائيل، كما في رواية الطَّبراني، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه. وقال الحافظُ العسقلاني لم أقف على اسم واحد منهم (يَمْشُونَ) في محلِّ الرفع لأنَّه خبر مبتدأ، وهو قوله (( ثلاثة نفر ) )وأضيف بينما، إلى هذه الجملة. وفي حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه عند الطَّبراني والبزَّار (( أنهم خرجوا يرتادون لأهلهم ) ) (إِذْ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ) جواب بينما (فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ) بقصر الهمزة، يقال أوى بنفسه مقصورًا، وآويته أنا بالمد.
وقال الحافظُ العسقلاني يجوز قصر ألف أووا ومدها؛ أي آووا أنفسهم،
ج 15 ص 462
وفي رواية أحمد والطَّبراني وأبي يعلى والبزَّار من حديث أنس رضي الله عنه (( فدخلوا غارًا فسقطَ عليهم حَجَرٌ متجافٍ حتَّى ما يرونَ منه خصاصة ) )، وفي رواية سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عند البخاريِّ (( حتى أووا المبيتَ إلى غار ) )بنصب المبيت على المفعوليَّة، وتوجيهُه أنَّ دخولَهم الغار من فِعْلِهم فحسن أن يَنْسُبَ الإيواء إليهم، وفي رواية مسلم من هذا الوجه (( فآواهم المبيتُ ) )برفع المبيت على الفاعلية، وهو أشهرُ في الاستعمال.
(فَانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ) أي باب الغار، وفي رواية موسى بن عقبة، عن نافع في المزارعة (( فانحطتْ على فم غارِهم صخرةٌ من الجَبَل فانطبقتْ عليهم ) )، وفي رواية سالم (( فدخلوهُ فانحدرتْ صخرةُ من الجَبَل فسدتْ عليهم الغار ) )، وفي رواية الطَّبراني من حديث النُّعمان بن بشير (( إذ وقع حَجَرٌ من الجَبَل مما يَهْبِطُ من خشية الله حتَّى سدَّ فم الغار ) ) (فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ إِنَّهُ) أي الشأن (وَاللَّهِ يَا هَؤُلاَءِ لاَ يُنْجِيكُمْ إِلاَّ الصِّدْقُ) قال القشيري أقل الصِّدق استواء السِّر والعلانية، وعن ذي النون قال ثلاثٌ من علامات الإخلاص استواء المدح والذَّم من العامة ونسيانُ رؤية الأعمال في الأعمال، واقتضاء ثواب العمل في الآخرة، وقيل أيضًا الإخلاص إفرادُ الحقِّ سبحانه وتعالى في الطَّاعة بالقصدِ وهو أن يريدَ بطاعته التَّقربَ إلى الله دون شيءٍ آخر من تَصنُّعٍ لمخلوق، أو اكتسابِ مَحْمَدَةٍ عند الناس أو محبَّةٍ ومَدْحٍ من الخَلْقِ، أو معنى من المعاني سوى التَّقرب إلى الله تعالى.
(لْيَدْعُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ صَدَقَ فِيهِ) وفي رواية موسى بن عقبة (( انظروا أعمالًا علمتموها صالحةً لله ) )، ومثله في رواية مسلم، وفي البيوع [خ¦2215] (( ادعوا الله بأفضل عملٍ عملتموهُ ) )، وفي رواية سالم (( إنَّه لا يُنجيكم إلَّا أن تدعوا الله بصالحِ أعمالِكم ) )، وفي حديث أبي هريرة وأنس رضي الله عنهما (( فقال بعضُهم لبعض عفا الأثرُ ووقع الحَجَرُ ولا يَعْلَمُ بمكانِكم إلَّا الله ادعوا الله بأوثقِ أعمالِكم ) ).
وفي حديث علي رضي الله عنه عند البزَّار (( تفكَّروا في أحسن أعمالكم
ج 15 ص 463
فادْعُوا لله بها لعلَّ اللهَ يفرِّج عنكم )) . وفي حديث النُّعمان بن بشير (( إنكم لن تجدوا شيئًا خيرًا من أن يدعوا كلُّ امرئٍ منكم بخيرِ عَمَلٍ عَمِلَه قط ) ).
(فَقَالَ أَحَدُهُمْ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ) وفي رواية أبي ذرٍّ والنَّسفي وأبي الوقت بدون ذكر القائل، ويروى ، ويروى . وقوله (( إن كنتَ تعلم ) )فيه إشكال لأنَّ المؤمن يعلم قطعًا أنَّ الله يعلم فما معنى حرف الشَّك؟
وأُجيب بأنَّه تردَّد في عمله ذلك؛ هل له اعتبار عند الله أو لا فكأنه قال إن كان عملِي ذلك مقبولًا فأجب دعائي.
(أَنَّهُ كَانَ لِي أَجِيرٌ عَمِلَ لِي عَلَى فَرَقٍ) بفتح الفاء والراء بعدها قاف وقد تسكن الراء، وهو مكيال يَسَعُ ثلاثة آصع (مِنْ أَرُزٍّ) فيه ستُّ لغات فتح الألف وضمها مع ضم الراء، وبضم الألف مع سكون الراء، وتشديد الزاي وتخفيفها، وقد تقدَّم في المزارعة [خ¦2215] [خ¦2333] أنَّه فرق ذرة، ويحتمل أنه استأجر أكثر من واحد وكان بعضُهم بفَرَق ذرة، وبعضهم بفَرَق أرز، ويؤيد ذلك أنه وقع في رواية سالم (( استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم غيرَ رجلٍ واحدٍ ترك الذي له وذهب ) )، وفي حديث النُّعمان بن بشير نحوه، كما سيجيء.
ووقع في حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه، عند الطَّبراني في الدُّعاء (( استأجرتُ قومًا كلَّ واحدٍ منهم بنصفِ دِرْهَم، فلمَّا فرغوا أعطيتهُم أجورهم فقال أحدهم والله لقد عملتُ عملَ اثنين والله لا آخذُ إلَّا درهمًا فذهَبَ وتركه فبذرتُ من ذلك النِّصف درهم ... إلى آخره ) )، ويجمع بينهما بأن الفرق المذكور كانت قيمتُه نصف درهم إذ ذاك.
(فَذَهَبَ وَتَرَكَهُ) وفي رواية موسى بن عقبة (( فأعطيتُه فأبى ذاك أن يأخذَ ) )، وفي روايته في المزارعة [خ¦2333] (( فلمَّا قضى عَمَلَه، قال أعطني حقِّي فعرضت عليه فرغبَ عنه ) ). وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( فعمل لي نصف النَّهار فأعطيته أجرًا فسخطه
ج 15 ص 464
ولم يأخذه )) .
ووقع في حديث النُّعمان بن بشير بيان السَّبب في ترك الرجل أجرته ولفظه (( كان لي أجراء يعملون فجاءني عمَّال فاستأجرتُ كلَّ رجلٍ منهم بأجر معلومٍ، فجاءَ رجلٌ ذات يوم نصف النَّهار فاستأجرته بشطرِ أصحابه فعملَ في نصف نهاره كما عملَ رجلٌ منهم في نهارِه كله، فرأيتُ عليَّ في الذِّمَام أن لا أنقصه ممَّا استأجرتُ به أصحابه لما جَهِد في عمله، فقال رجل منهم تعطي هذا مثل ما أعطيتني؟ فقلتُ يا عبد الله لم أبخسك شيئًا من شرطك، وإنما هو مالي أحكم فيه بما شئت، قال فغضبَ وذهب وترك أجره ) )، وأمَّا ما في حديث أنس رضي الله عنه من قوله (( فأتاني يطلبُ أجره وأنا غضبان فزبرتُه، فانطلقَ وترك أجره ) )فلا يُنافي ذلك، وطريقُ الجَمْعِ أنَّ الأجيرَ لما حسد الذي عَمِلَ نِصْفَ النَّهار وعاتبَ المستأجر غضبَ منه، وقال له لم أبخسك شيئًا ... إلى آخره، وزبره فغضبَ الأجير وذهب، ووقع في حديث علي رضي الله عنه (( وترك واحدٌ منهم أجرَه وزَعَمَ أنَّ أجْرَه أكثرُ من أجورِ أصحابه ) ).
(وَأَنِّي عَمَدْتُ إِلَى ذَلِكَ الْفَرَقِ) أي قصدت إليه (فَزَرَعْتُهُ، فَصَارَ مِنْ أَمْرِي) ويروى أي من أمر ذلك الفرق (أَنِّي اشْتَرَيْتُ مِنْهُ بَقَرًا) قال الكِرماني فإن قلت فيه صحَّة بيع الفضولي. قلت هذا شرعُ من قبلنا، ثمَّ ليس فيه أنَّ الفرق كان معينًا ولم يكن في الذمَّة وقبضه الأجير ودخل في ملكه، بل كان هذا تبرعًا منه له. انتهى.
وتعقَّبه العيني بأنَّه لا حاجة إلى هذا السُّؤال لأنَّ بيع الفضولي يجوز إذا أجازه صاحب المتاع، فلا يقال من أوَّل الأمر إنَّه غيرُ صحيح.
(وَأَنَّهُ أَتَانِي يَطْلُبُ أَجْرَهُ فَقُلْتُ) ويروى (اعْمِدْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ فَسُقْهَا) أَمْرٌ من السَّوق، وفي رواية موسى بن عقبة (( فزرعته حتَّى اشتريت منه بقرًا وراعيها ) ) (فَقَالَ لِي إِنَّمَا لِي عِنْدَكَ فَرَقٌ مِنْ أَرُزٍّ. فَقُلْتُ لَهُ اعْمِدْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ فَإِنَّهَا مِنْ ذَلِكَ الْفَرَقِ، فَسَاقَهَا) وفي رواية موسى بن عقبة (( فقال
ج 15 ص 465
أتستهزئ بي؟ قلت لا )) وفي رواية أبي ضَمْرة (( فأخذها ) )، وفي رواية سالم (( فثمرت أَجْرَه حتَّى كثرتْ منه الأموال ) )وفيه (( فقلت له كلُّ ما ترى من الإبلِ والبَقَرِ والغنم والرَّقيق من أَجْرك ) )، وفي رواية الكُشْمِيْهَني ، وفيه فاستاقه فلم يترك منه شيئًا، ودلَّت هذه الرِّواية على أنَّ قولَه في رواية نافع (( اشتريت بقرًا ) )أنه لم يرد أنَّه لم يشتر غيرها، وإنَّما كان الأكثر الأغلب البقر، فلذلك اقتصر عليها، وفي حديث أنس وأبي هريرة رضي الله عنهما (( فجمعتُه وثمَّرتُه حتَّى كان منه كلَّ المال ) )، وقال فيه (( فأعطيته ذلك كلَّه ولو شئتُ لم أعطه إلَّا الأجر الأوَّل ) ).
ووقع في حديث عبد الله بن أبي أوفى (( أنَّه دفع إليه عشرة آلاف درهم ) )، وهو محمولٌ على أنَّها كانت قيمة الأشياء المذكورة. وفي حديث النُّعمان بن بشير (( فبذرتُه على حدة فأضعف، ثمَّ بذرته فأضْعَف حتَّى كثُر الطعام ) )وفيه (( فقال أتظلمني وتسخر بي ) )، وفي رواية له (( ثمَّ مرَّت بي بقر فاشتريتُ منها فصيلة، فبلغتْ ما شاء الله ) )، والجمع بينهما ممكن بأن يكون زَرَع أولًا، ثمَّ اشترى من بعضه بقرة، ثمَّ نتجت، والله تعالى أعلم.
(فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ) وفي رواية موسى بن عقبة (( ابتغاء وجهك ) )وكذا في رواية سالم، والجَمْعُ بينهما ممكِنٌ، وقد وقع في حديث عليٍّ رضي الله عنه عند الطَّبراني (( من مخافتك وابتغاء مرضاتك ) )، وفي حديث النُّعمان (( رجاء رحمتك ومخافةَ عذابك ) ) (فَفَرِّجْ عَنَّا) وفي رواية موسى بن عقبة (( فافرُج ) )بوصل الهمزة وضم الراء من الثلاثي، وضبطه بعضهم بهمزة قطع وكسر الراء، من الرباعي، وزاد في روايته (( فافرُجْ عنَّا فرجة نرى منها السَّماء ) )، وفيه تقييدٌ لإطلاق قوله في رواية سالم (( ففرج عنَّا ما نحن فيه ) )وقوله (( ففرَّجَ عنهم ) )، وفي رواية أبي ضمرة (( ففرَّجَ الله، فرأوا السَّماء ) )، ولمسلم من هذا الوجه (( ففرَّج الله فرجةً
ج 15 ص 466
فرأوا منها السَّماء )) .
(فَانْسَاخَتْ عَنْهُمُ الصَّخْرَةُ) أي انشقت، وأنكره الخطَّابي؛ لأنَّ معنى انساخ، بالمعجمة غاب في الأرض، ويقال انصاخ، بالصاد المهملة بدل السين؛ أي انشقَّ من قِبلَ نَفْسِه قال والصَّواب انساحت، بالحاء المهملة؛ أي اتَّسعت ومنه ساحة الدَّار، وقال أيضًا وانصاخ، بالصاد المهملة بدل السين؛ أي تصدع يقال للبرق.
وقال الحافظُ العسقلاني الرِّواية بالخاء المعجمة صحيحة وهي بمعنى انشقَّت، وإن كان أصلُه بالصاد فالصَّادُ قد تُقْلَبُ سينًا، ولا سيما مع الخاء المعجمة كالصَّخر والسَّخر، ووقع في حديث سالم (( فانفرجتْ شيئًا لا يستطيعون الخروج ) )، وفي حديث النُّعمان بن بشير (( فانْصَدَعَ الجبلُ حتَّى رأوا الضَّوء ) )، وفي حديث علي (( فانصدعَ الجَبَلُ حتَّى طَمِعُوا في الخروجِ ولم يستطيعوا ) ). وفي حديث أبي هريرة وأنس (( فزالَ ثلثُ الحَجَرِ ) ).
(فَقَالَ الآخَرُ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي) كذا في رواية الأكثر، وفي رواية أبي ذرٍّ بحذف (أَبَوَانِ) هو من باب التَّغليب، والمراد الأب والأم، وصرَّح بذلك في حديث ابن أبي أوفى (شَيْخَانِ كَبِيرَانِ) وزاد في رواية أبي ضَمرة، عن موسى بن عقبة (( ولي صبيةٌ صغار فكنت أرعى عليهم ) )، وفي حديث عليٍّ رضي الله عنه (( أبوان ضعيفان فقيران ليس لهما خادمٌ ولا راعٍ ولا وليٌّ غيري فكنتُ أرعى لهما بالنَّهار، وآوي إليهما باللَّيل ) ) (وَكُنْتُ آتِيهِمَا كُلَّ لَيْلَةٍ بِلَبَنِ غَنَمٍ لِي، فَأَبْطَأْتُ عَنْهُمَا لَيْلَةً) وفي رواية سالم (( فنأى بي [1] طلبُ شيءٍ يومًا فلم أُرِحْ عليهما حتَّى ناما ) )والشَّيء لم يُفَسَّر ما هو في هذه الرِّواية، وقد بين مسلم من طريق أبي ضمرة ولفظه (( وإنِّي نأى بي ذاتَ يوم الشَّجرُ ) )، والمراد أنَّه بعد عن مكانه الذي يرعى فيه زيادة على العادة لأجل الكلأ فلذلك أبطأ، ويفسِّره أيضًا حديث علي رضي الله عنه (( فإنَّ الكلأَ تناءى علي ) )أي تباعدُ والكلأُ العشب الذي ترعى الغنم منه.
ج 15 ص 467
(فَجِئْتُ وَقَدْ رَقَدَا) أي ناما (وَأَهْلِي وَعِيَالِي) قال الدَّاودي يريد بذلك الزَّوجة والأولاد والرَّقيق والدَّواب، واعترض عليه ابن التِّين بأنَّ الدَّواب لا معنى لها هاهنا.
وقال العينيُّ تدخل الدَّوابُّ في العيال بالنَّظر إلى المعنى اللُّغوي؛ لأنَّ معنى قولهم عال فلانًا؛ أي أنفقَ عليه، وفيه أنَّه يأبى عن ذلك الجواب قوله لا معنى لها هاهنا، فتأمَّل.
وقال الحافظ العسقلاني إنَّما قال الدَّاودي ذلك في رواية مسلم (( وكنت لا أغبق قبلهما أهلًا ولا مالًا ) )وهو متَّجه فإنه إذا كان لا يُقَدِّم عليهما أولاده، فكذلك لا يقدم عليهما دوابَّه من باب الأولى.
(يَتَضَاغَوْنَ) بضاد وغين معجمتين، من الضَّغاء بالمد، وهو الصِّياح ببكاء (مِنَ الْجُوعِ) وفيه ردٌّ على من قال لعلَّ صياحَهم كان بسببٍ غيرِ الجوع، وفي رواية موسى بن عقبة (( والصِّبية يتضاَغون ) ) (وَكُنْتُ لاَ أَسْقِيهِمْ حَتَّى يَشْرَبَ أَبَوَايَ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَكَرِهْتُ أَنْ أَدَعَهُمَا، فَيَسْتَكِنَّا لِشَرْبَتِهِمَا) أمَّا كراهته لإيقاظهما فظاهر؛ لأنَّ الإنسان يكرهُ أن يُوْقَظَ من نَوْمِه، وفي حديث عليٍّ رضي الله عنه (( ثمَّ جلستُ عند رؤوسهما بإنائي كراهيةَ أن أُوْقِظَهما أو أوذيهما ) )، وفي حديث أنس رضي الله عنه (( كراهيةَ أن أرد وَسَنَهما ) )، وفي حديث ابن أبي أوفى (( وكَرِهْتُ أن أوقظهما من نومهما فيشق ذلك عليهما ) )، وأمَّا كراهته أن يدعهما فقد فسَّره بقوله (( فيستكنَّا ) )بتشديد النون؛ أي يلبثا في كنِّهما منتظرين لشربهما، ويروى (( فيستكينا ) )من الاستكانة؛ أي يضعفا لأنه عشاؤهما، وترك العَشاء يُهرم، وقوله (( لشربتهما ) )أي لأجل عدم شربتهما؛ يعني فيصيران ضعيفين مسكينين، والمسكينُ الذي لا شيء له.
(فَلَمْ أَزَلْ أَنْتَظِرُ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ، فَفَرِّجْ عَنَّا. فَانْسَاخَتْ عَنْهُمُ الصَّخْرَةُ حَتَّى نَظَرُوا إِلَى السَّمَاءِ. فَقَالَ الآخَرُ اللَّهُمَّ
ج 15 ص 468
إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي ابْنَةُ عَمٍّ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ) هو مقيَّد لإطلاق رواية سالم حيث قال فيها (( كانتْ أحبَّ النَّاس إليَّ ) )، وفي رواية موسى بن عقبة (( كأشدِّ ما يحبُّ الرَّجلُ النِّساء ) )والكاف زائدة، أو أراد تشبيه محبَّته بأشدِّ المحبَّات (وَأَنِّي رَاوَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا) أي بسبب نفسها، أو من جهة نفسها، وفي رواية سالم (( فأردتُها على نفسها ) )أي ليستعلي عليها (فَأَبَتْ) أي امتنعت، وفي رواية موسى بن عقبة (( فقالت لا تنالُ ذلك منها ) ).
(إِلاَّ أَنْ آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ) وفي رواية سالم (( فأعطيتُها عشرين ومائة دينار ) )وتحملُ على أنَّها طلبت منه المائة وزادها هو من قبل نفسه عشرين أو ألغى غير سالم الكسر، ووقع في حديث النُّعمان وعقبة بن عامر (( مائة دينار ) )، وأبهم ذلك في حديث علي وأنس وأبي هريرة رضي الله عنهم، وقال في حديث ابن أبي أوفى (( مالًا ضخمًا ) ) (فَطَلَبْتُهَا حَتَّى قَدَرْتُ، فَأَتَيْتُهَا بِهَا فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهَا، فَأَمْكَنَتْنِي مِنْ نَفْسِهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا) وفي رواية سالم (( إذا قدرت عليها ) )، وزاد في حديث ابن أبي أوفى (( وجلستُ منها مجلس الرَّجل من المرأة ) ). وفي حديث النُّعمان بن بشير (( فلمَّا كشفتها ) )، وبيَّن في رواية سالم سبب إجابتها بعد امتناعها (( فقال فامتنعتْ مني حتَّى ألمت بها سنة؛ أي سَنَةُ قحطٍ، فجاءتني فأعطيتُها ) )ويجمع بينه وبين رواية نافع بأنها امتنعتْ أولًا عِفَّة عنه، ودافعت طلبَ المال فلمَّا احتاجَتْ أجابَتْ.
(قَالَتِ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تَفُضَّ الْخَاتَمَ) بالفاء والضاد المعجمة؛ أي لا تكسر الخاتم، والخاتمُ كنايةٌ عن عذرتها، وكأنَّها كانت بِكرًا أو كنَّت عن الإفضاء بالكسر وعن الفرج بالخاتم، فإنَّ في حديث النُّعمان ما يدلُّ على أنها لم تكن بكرًا، ووقع في رواية أبي ضمرة (( ولا تفتح الخاتم ) )والألف واللام بدل من الضمير؛ أي خاتمي، ووقع كذلك في رواية أبي العالية،
ج 15 ص 469
عن أبي هريرة رضي الله عنه عند الطَّبراني في الدُّعاء بلفظ (( إنَّه لا يحلُّ لك أن تفض خاتمي ) ).
(إِلاَّ بِحَقِّهِ) أراد به الحلال؛ أي لا يحلُّ لك أن تقربني إلَّا بتزويج صحيحٍ، ووقع في حديث علي رضي الله عنه فقالت (( أُذكِّرك اللهَ أن تَرتَكِبَ منِّي ما حرم الله عليك، قال فقلتُ أنا أحقُّ أن أخافَ ربي ) ). وفي حديث النُّعمان بن بشير (( فلمَّا أمكنَتْنِي من نفْسِها بَكَتْ، فقلتُ ما يُبْكِيك؟ قالت فعلتُ هذا من الحاجة فقلتُ انطلقي ) )، وفي رواية أخرى عن النُّعمان (( أنَّها ترددتْ إليه ثلاث مرَّات تطلبُ شيئًا من معروفه، ويأبى عليها إلَّا أن تُمَكِّنه من نفسها، فأجابت في الثَّالثة بعد أن استأذنتْ زَوْجها فأَذِنَ لها، وقال لها أغني عيالَك، قال فرجعتْ فناشدتْ بالله فأبيتُ عليها فأسلمتْ إليَّ نَفْسَها، فلمَّا كشفتها أرعدتْ من تحتي، فقلت ما لك؟ قالت أخافُ اللهَ رب العالمين، فقلت خفيته في الشِّدة، ولم أخفه في الرَّخاء، فتركتُها ) )، وفي حديث ابن أبي أوفى (( فلمَّا جلستُ منها مجلس الرَّجل من المرأة ذكرتُ النَّار فقمتُ عنها ) )والجمع بين هذه الرِّوايات ممكن، والحديث يفسِّر بعضُه بعضًا.
(فَقُمْتُ وَتَرَكْتُ الْمِائَةَ دِينَارٍ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا. فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَخَرَجُوا) وفي الحديث استحبابُ الدُّعاء في الكرب والتقرُّب إلى الله تعالى بذِكْرِ صاِلحِ العَمَلِ واستنجاز وعدهِ بسؤاله، وفضل الإخلاص في العمل، وفضل برِّ الوالدين وخدمتهما وإيثارهما على الولد والأهل وتحمُّل المشقَّة لأجلهما، وقد استشكلَ تركَه أولادَه الصِّغار يبكون من الجوعِ طول اللَّيل مع قدرتهِ على تسكين جوعهم، فقيل كان في شرعهم تقديم نفقة الأصل على غيرهم، وقيل يحتمل أن بكاءَهم ليس من الجوع، وقد تقدَّم ما يردُّه، وقيل لعلَّهم كانوا يطلبون
ج 15 ص 470
زيادة على سدِّ الرَّمق، وهذا أولى، وفيه فضل العفَّة والانكفاف عن الحرام مع القدرة، وأنَّ ترك المعصية يمحو مقدِّمات طلبها، وأن التَّوبةَ تَجُبُّ ما قبلها، وفيه جواز الإجارة بالطَّعام المعلوم بين المتآجرين، وفضل أداء الأمانة، وإثبات كرامة الصَّالحين.
واستدلَّ به على جواز بيع الفضولي، وقد تقدَّم البحث فيه في البيوع، وفيه أنَّ المُسْتَودَعَ إذا اتَّجر في مال الوديعة كان الربحُ لصاحبِ الوديعة، وقد تقدَّم نقل الخلاف فيه في البيوع أيضًا، وفيه الإخبار عمَّا جرى في الأمم الماضية ليعتبر السَّامعون بأعمالهم فيُعْمَل بحسنها ويُتْرَك قبيحها.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة.
وقد مضى الحديث في الإجارة، في باب من استأجر أجيرًا فترك أجره [خ¦2272] ، ومضى أيضًا في البيوع في باب إذا اشترى شيئًا لغيره [خ¦2215] ، ومضى في البيوع أيضًا، في باب إذا زرع بمال قوم [خ¦2333] ، ولم يخرج البخاري هذا الحديث إلا من رواية ابن عمر رضي الله عنهما، وكذلك مسلم.
وفي الباب عن أنس عند الطَّبراني، وعن أبي هريرة عند ابن حبَّان، وعن النُّعمان بن بشير عند أحمد، وعن علي وعقبة بن عامر وعبد الله بن عَمرو بن العاص وعبد الله بن أبي أوفى عند الطَّبراني رضي الله عنهم.
تنبيه وقع في رواية الباب من طريق عبيد الله العُمري، عن نافع تقديم الأجير، ثمَّ الأبوين، ثمَّ المرأة، وخالف موسى بن عقبة من الوجهين، فقدَّم الأبوين، ثمَّ المرأة، ثمَّ الأجير، ووافقته رواية سالم.
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه المرأة ثمَّ الأبوين ثمَّ الأجير. وفي حديث أنس الأبوين ثمَّ الأجير ثمَّ المرأة. وفي حديث النُّعمان الأجير ثمَّ المرأة ثمَّ الأبوين. وفي حديث عليٍّ وابن أبي أوفى معًا المرأة ثمَّ الأجير ثمَّ الأبوين، وفي اختلافهم دَلالةٌ على أن الرِّوايةَ بالمعنى عندَهم كانتْ سائغةً شائغةً، وأن لا أثر للتَّقديم والتَّأخير في مثل ذلك.
قال الحافظُ العسقلاني وأرجحها في نظري رواية موسى بن عقبة لموافقة سالم لها فهي أصحُّ طرق هذا الحديث، وهذا من حيث الإسناد وأمَّا من حيث المعنى فيُنْظَرُ أيُّ الثلاثة كان أنفعَ لأصحابه، والذي يظهر
ج 15 ص 471
أنَّه الثَّالث لأنَّه هو الذي أمكنهم أن يخرجوا بدعائه، وإلَّا فالأوَّل أفاد إخراجهم من الظُّلمة، والثَّاني أفاد الزِّيادة في ذلك وإمكان التوسُّل إلى الخروج بأن يَمُرَّ مثلًا هناك من يعالج لهم ذلك، والثَّالث هو الذي تهيَّأ لهم الخروجُ بسببه فهو أنفَعُهم لهم فينبغي أن يكون عمل الثَّالث أكثرُ فَضْلًا من عَمَل الآخرين، ويظهر ذلك من الأعمال الثَّلاثة، فصاحب الأبوين فضيلته مقصورةٌ على نَفْسِه لأنَّه أفاد أنه كان بارًا بأبويه، وصاحب الأجير نفعه متعدي، وأفاد أنَّه كان عظيم الأمانة، وصاحب المرأة أفضلُهم لأنه أفاد أنَّه كان في قلبه خشية ربه وقد شهد الله لمن كان كذلك بأنَّ له الجنَّة حيث قال {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى*فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات 40 - 41] ، وقد أضاف هذا الرَّجل إلى ذلك ترك الذَّهب الذي أعطاه للمرأة، فأضاف إلى النَّفع القاصر النَّفع المتعدِّي ولاسيَّما وقد قال إنَّها كانت بنت عمِّه، فيكون فيه صلة رحم أيضًا، وقد تقدَّم أنَّ ذلك كان في سنة قحطٍ فتكون الحاجة إلى ذلك أجدى، فيترجَّح على هذا رواية عُبيد الله عن نافع، والله تعالى أعلم.
[1] في هامش الأصل في نسخة فناء بي.