316 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التبوذكي (قال حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) هو ابن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، المدني، نزيل بغداد، وقد تقدم في باب تفاضل أهل الإيمان [خ¦23] .
(قال حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) الزهري (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوام (أَنَّ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (قَالَتْ أَهْلَلْتُ) أي أحرمت ورفعت صوتي بالتلبية (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ) وفي رواية (صلى الله عليه وسلم فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ) الأصل أن يقال تمتعت إلا أنه ذُكِّرَ باعتبار لفظ (من) ، وكذا قولها (وَلَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ) بفتح الهاء وسكون الدال وتخفيف الياء أو بكسر المهملة مع تشديد الياء، اسم لما يهدى إلى مكة من الأنعام.
قال الكِرماني قوله (( ولم يَسُقِ الهدي ) )كالتأكيد لبيان التمتع؛ إذ التمتع لا يكون معه الهدي.
وتعقَّبه محمود العيني بأن المتمتع على نوعين أحدهما يسوق الهدي معه، والآخر لا يسوق، وحكمهما مختَلِفٌ، كما ذكر في الفقه.
(فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ) ولم يقل قالت؛ لأنها لم تتكلم به صريحًا؛ إذ هو مما يُسْتَحْيى بتصريحه (وَلَمْ تَطْهُرْ) من حيضتها (حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ) وحيضُها كان ثلاثةَ أيام؛ لأن دخوله صلى الله عليه وسلم مكة كان في الخامس من ذي الحجة فحاضت يومئذ فطَهُرت يوم عرفة، فيدلُّ على أنها حاضت يومئذ، كما سيجيء في باب كيف تهل الحائض بالحج والعمرة [خ¦319] .
(فَقَالَتْ) وفي رواية ، وفي أخرى (يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ لَيْلَةُ عَرَفَةَ) وفي بعض النسخ أي هذا الوقت، وفي رواية (وَإِنَّمَا كُنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرَةٍ) تصريح بما عُلِمَ ضمنًا، إذ التمتع هو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج مِنْ على مسافة القصر من الحرم، ثمَّ يحرم بالحج في سنة تلك العمرة من الحرم
ج 2 ص 542
بلا عود إلى مكة، وفي الكلام تقدير؛ أي وأنا حائض.
(فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم انْقُضِي) بضم القاف، وفي بعض الروايات بالفاء (رَأْسَكِ) أي شعر رأسك وحليه (وَامْتَشِطِي، وَأَمْسِكِي) بهمزة قطع من الإمساك (عَنْ عُمْرَتِكِ) أي اتركي العمل في العمرة وإتمامها، فليس المراد الخروج منها؛ فإن الحج والعمرة لا يخرج منهما إلا بالتحلل، وحينئذ فتكون قارنة، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم (( يسعك طوافك لحجك وعمرتك ) )وسيجيء تحقيق هذا.
(فَفَعَلْتُ) النقض والامتشاط والإمساك (فَلَمَّا قَضَيْتُ) أي أديت (الْحَجَّ) بعد إحرامي به من الحرم، ففي الكلام تقدير (أَمَرَ) صلى الله عليه وسلم أخي (عَبْدَ الرَّحْمَنِ) بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما (لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ) بفتح الحاء المهملة وسكون الصاد المهملة أيضًا ثمَّ بالموحدة، وهي الليلة التي نزلوا فيها في المحصب، وهو المكان الذي نزلوه إذا نفروا من منى خارج مكة وهي الليلة التي بعد أيام التشريق، سميت بذلك؛ لأنهم نفروا من منى فنزلوا في المحصب وباتوا فيه، والحصبة، والحصباء، والأبطح، والبطحاء، والمحصب، وخيف بني كنانة يراد بها موضع واحد وهو بين مكة ومنى.
(فَأَعْمَرَنِي) ويروى (مِنَ التَّنْعِيمِ) وهو موضع على فرسخ من مكة على طريق المدينة وفيه مسجد عائشة رضي الله عنها (مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي نَسَكْتُ) من النسك؛ أي التي أحرمت وأردت أولًا حصولها منفردة غير مندرجة ومنعني الحيض، وفي رواية من السكوت؛ أي عمرتي التي تركت أعمالها، وسكت عنها لأجل الحيض، وفي رواية القابسي من الشكاية؛ أي شكت العمرة من الحيض، والشكاية كناية عن اختلالها، وعدم بقاء استقلالها، ويجوز أن يكون الضمير فيه راجعًا إلى عائشة رضي الله عنها، وكان حقه التكلم وذكره بلفظ الغيبة التفاتًا.
وظاهر هذا الحديث أن عائشة رضي الله عنها أحرمت بعمرة أولًا،
ج 2 ص 543
وهو صريح حديثها الآتي في الباب التالي، لكن قولها في الحديث الذي مضى [خ¦305] «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر إلا الحج» يقتضي أن تحرم بالحج، وقد اختلفت الروايات عن عائشة رضي الله عنها فيما أحرمت به اختلافًا كثيرًا، كما ذكره القاضي عياض.
ففي رواية عروة ، وفي رواية أخرى ، وفي رواية ، وفي أخرى ، وفي رواية القاسم عنها ، وفي أخرى .
واختلف العلماء في ذلك؛ فمنهم من رجَّح روايات الحج وغلَّط روايات العمرة، وإليه ذهب إسماعيل القاضي، ومنهم من جَمَع؛ لثقة رواتها بأنها أحرمت أولًا بالحج ولم تسق الهدي، فلمَّا أمر الشارع مَن لم يَسُقِ الهديَ بفسخ الحج إلى العمرة إن شاء، فَسَخَتْ هي فيمَن فَسَخَ وجعَلَتْه عمرةً وأهلَّت بها، ثمَّ إنها لم تحل منها حين حاضت فتعذر عليها إتمامها والتحلل منها فأمرها أن يحرم بالحج فأحرمت فصارت قارنة، ووقفت وهي حائض ثمَّ طهرت يوم النحر فأفاضت.
وذكر ابن حزم أنه صلى الله عليه وسلم خيرهم بسَرِفَ بين فسخه إلى العمرة، والتَّمادِي عليه، وأنَّه بمكة أوجب عليهم التحلل إلا مَن معه الهدي.
وفي (( الصحيح ) )أنها حاضت بسرف أو قريب منها، فلما قدم مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( اجعلوها عمرة ) ).
ثمَّ إن ظاهر قولها «يا رسول الله هذه ليلة عرفة» إلى آخره، يدل على أنه صلى الله عليه وسلم أمرها برفض عمرتها، وأن تخرج منها قبل إتمامها.
وفي (( التوضيح ) )وبه قال الكوفيون في المرأة تحيض قبل الطواف وتخشى فوات الحج أنها ترفض العمرة، وقال الجمهور أنها تردف الحج وتكون قارنة، وبه قال الشافعي، وأبو ثور، ومالك، وأبو حنيفة رحمهم الله، وحمله بعض المالكية على أنه عليه السلام أمرها بالإرداف لا بنقض العمرة، واعتذروا عن أمره عليه السلام لها بالنقض والامتشاط بتأويلات
أحدها أنها كانت مضطرة إلى ذلك، فرخص لها كما رخص لكعب بن عجرة في الحلق للأذى.
ثانيها أنه خاصٌّ بها.
ثالثها أن المراد بالنقض والامتشاط تسريح الشعر لغسل الإهلال بالحج، ولعلها كانت لبدَّتْ رأسها، ولا يتأتى إيصال الماء إلى البشرة مع التلبيد إلا بحل الضفر والتسريح.
وقد اختلف العلماء في نقض المرأة شعرها عند
ج 2 ص 544
الاغتسال فأمر به ابن عمر، والنخعي، ووافقهما طاوس في الحيض دون الجنابة، ولا يتبين بينهما فرق ولم يوجبه عليها فيهما عائشة، وأم سلمة، وجابر، وبه قال مالك، والكوفيون، والشافعي، وعامة الفقهاء، والعبرة بالوصول فإن لم يصل فتنقض، ثمَّ إن ظاهر قول عائشة رضي الله عنها تمتعت بعمرة يدل على أنها كانت معتمرة أولًا.
قال النووي فإن قلت أصح الروايات عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت «لا نرى إلا الحج، ولا نذكر إلا الحج» ، وخرجنا مهلين بالحج فكيف الجمع بينهما وبين ما قالت «تمتعت بعمرة» فالجواب أنها أحرمت بالحج ثمَّ فسخته إلى عمرة حين أمر الناس بالفسخ، فلما حاضت وتعذر عليها إتمام العمرة أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالإحرام بالحج فأحرمت به فصارت مُدْخِلَةً للحج على العمرة وقارنة لما ثبت من قوله صلى الله عليه وسلم (( يسعك طوافك لحجك وعمرتك ) ).
ومعنى (( أمسكي عن عمرتك ) )كما تقدم ليس إبطالها بالكلية، والخروج منها بعد الإحرام بنية الحج، وإنما يُخرَجُ منها بالتحلل بعد فراغها، بل معناه اتركي العمل فيها، وإتمام أفعالها، وأعرضي عنها، ولا يلزم من نقض الرأس والامتشاط إبطال العمرة؛ لأنهما جائزان عندنا في الإحرام بحيث لا ينتف شعرًا، لكن يكره الامتشاط إلا لعذر، وتأولوا فعلها على أنها كانت معذورة بأن كان برأسها أذى.
وقيل ليس المراد بالامتشاط حقيقته، بل تسريح الشعر بالأصابع للغسل لإحرامها بالحج، لاسيما إن كانت لبدّت رأسَها؛ فلا يصح غسلها إلا بإيصال الماء إلى جميع شعرها، ويلزم منه نقضه، فإن قيل إذا كانت قارنة فلم أمرها بالعمرة بعد الفراغ من الحج؟، قلت معناه أرادت أن تكون لها عمرة منفردة عن الحج، كما حصلت لسائر أمهات المؤمنين وغيرهن من أصحابه الذين فسخوا الحج إلى العمرة، وأتَمُّوا العمرة، ثمَّ أحرموا بالحج فحصل لهم عمرة منفردة وحج منفرد، ولم يحصل لها إلا عمرة مندرجة في حجة بالقران فاعتمرت بعد ذلك مكان عمرتها التي كانت أرادت أولًا حصولها منفردة غير مندرجة، ومنعها الحيض عنها، وإنما فعلت ذلك حرصًا على كثرة العبادات انتهى.
وقال محمود العيني المشهور أن عائشة رضي الله عنها كانت مفْرِدة بالحج، وأنه صلى الله عليه وسلم أمرها برفض العمرة.
وقولها في الحديث الآخر (( ترجع صواحبي
ج 2 ص 545
بحجةٍ وعُمرة وأرجعُ أنا بحج )) صريح في رفض العمرة؛ إذ لو أدخلت الحج على العمرة كانت هي وغيرها سواء، ولما احتاجت إلى عمرة أخرى بعد العمرة والحج اللذين فعلتهما، وكذا قوله صلى الله عليه وسلم عن عمرتها الأخيرة (( هذه مكان عمرتك ) )صريح في أنها خرجت من عمرتها الأولى ورفضتها؛ إذ لا تكون الثانية مكان الأولى إلا والأولى مفقودة، وفي بعض الروايات (( هذه قضاء من عمرتك ) )، وقال صلى الله عليه وسلم في بعض الروايات (( ودعي العمرة ) ).
وأما قول البيهقي معنى قوله (( دعي العمرة ) )أمسكي عن أفعالها وادخلي عليها الحج، فهو خلاف الحقيقة، إذ حقيقة الأمر برفض العمرة، والله أعلم.