فهرس الكتاب

الصفحة 5360 من 11127

3522 - (حَدَّثَنَا زَيْدُ ابْنُ أَخْزَمَ) بسكون الخاء المعجمة وفتح الزاي، أبو طالب الطَّائي، الحافظ البصري، قتلته الزِّنج زمان خروجهم في البصرة سنة سبع وخمسين ومائتين، وهو من أفراد البخاري، قال (أَخْبَرَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ سَلْمُ) بفتح السين المهملة وسكون اللام (ابْنُ قُتَيْبَةَ) مصغر القتبة، بالقاف والتاء المثناة الفوقية والباء الموحدة، الشَّعِيرِي الخراساني، سكن بصرة، ومات بعد المائتين، وقد مرَّ في الجمعة [خ¦909] .

قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُثَنَّى) ضدُّ المفرد (ابْنُ سَعِيدٍ الْقَصِيرُ) ضدُّ الطَّويل، القسام الضُّبَعي، بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة وبالعين المهملة، البصري، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَبُو جَمْرَةَ) بفتح الجيم، واسمه نَضْرُ بن عِمْران الضُّبعي البصري (قَالَ قَالَ لَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَلاَ أُخْبِرُكُمْ) كلمة ألا للتَّنبيه على شيءٍ، يقال (بِإِسْلاَمِ أَبِي ذَرٍّ) بتشديد الراء، واسمه جندبُ بن جنادة الغفاري، وهو أوَّل من حَيَّى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بتحيَّة الإسلام، وهو خامسُ خمسة في الإسلام، وكان متعبِّدًا لله قبل البعثة، وقد مرَّ في كتاب الإيمان [خ¦30] .

(قَالَ قُلْنَا بَلَى. قَالَ قَالَ أَبُو ذَرٍّ كُنْتُ رَجُلًا مِنْ غِفَارٍ) قد سبق أنَّه إذا أريد به الحي ينصرف، وإذا أريدَ به القبيلة لا ينصرفُ (فَبَلَغَنَا أَنَّ رَجُلًا قَدْ خَرَجَ بِمَكَّةَ) وفي رواية مسلم (( لمَّا بلغ أبا ذرٍّ مَبْعَثَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بمكَّة قال لأخيه ) ) (يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَقُلْتُ لأَخِي) واسمه أُنَيس، مصغرًا، أسلم مع أبي ذرٍّ وأسلمتْ أمُّهما، وكان شاعرًا (انْطَلِقْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ) وفي رواية مسلم (( قال لأخيه اركبْ إلى هذا الوادي فاعلم لي عِلْمَ هذا الرَّجل الذي يزعُمُ أنَّه يأتيه الخبرُ من السَّماء، واسمع قولَه ثمَّ ائتني ) ).

(كَلِّمْهُ) فيه حذف تقديره فإذا رأيته، أو اجتمعت به كَلِّمه (وَأْتِنِي بِخَبَرِهِ. فَانْطَلَقَ) ويروى (( فانطلق الأخ ) )وفي رواية

ج 15 ص 549

الكُشْمِيْهَني . قال القاضي عياض ووقع عند بعضهم فانطلق الآخَرُ والآخَر، والصَّواب الاقتصار على أحدهما إذ لا يعرف لأبي ذرٍّ إلَّا أخ واحد وهو أنيس (فَلَقِيَهُ) أي فلقيَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم (ثُمَّ رَجَعَ) أي إلى أخيه، وفي رواية مسلم (( فانطلق الآخَر حتَّى قدم مكَّة وسمع من قوله ثمَّ رَجَعَ إلى أبي ذرٍّ ) ).

(فَقُلْتُ مَا عِنْدَكَ، فَقَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَأْمُرُ بِالْخَيْرِ، وَيَنْهَى عَنِ الشَّرِّ) وفي رواية مسلم (( رأيته يأمرُ بمكارم الأخلاق، وكلامًا ما هو بالشِّعر ) ) (فَقُلْتُ لَهُ) أي لأخي (لَمْ تَشْفِنِي مِنَ الْخَبَرِ) من الشِّفاء؛ أي لم تجئني بجواب يشفيني من مرضِ الجهل (فَأَخَذْتُ) ويروى (جِرَابًا) بكسر الجيم (وَعَصًا) وفي رواية مسلم (( ما شفيتني فيما أردت ) )فتزوَّدَ وحَمَلَ شنَّةً له فيها ماء حتَّى قدم مكة (ثُمَّ أَقْبَلْتُ إِلَى مَكَّةَ، فَجَعَلْتُ لاَ أَعْرِفُهُ، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْأَلَ عَنْهُ) وفي رواية مسلم (( فأتى المسجدَ فالتمسَ النَّبي صلى الله عليه وسلم ولا يعرفه وكره أن يسألَ عنه حتَّى أدركه؛ يعني اللَّيل فاضطجعَ ) ) (وَأَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وَأَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ) أي في المسجد الحرام (قَالَ فَمَرَّ بِي عَلِيٌّ) هو عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه (فَقَالَ كَأَنَّ الرَّجُلَ غَرِيبٌ) وفي رواية مسلم (( فرآه علي رضي الله عنه فَعَرَفَ أنَّه غريبٌ ) ).

(قَالَ قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ فَانْطَلِقْ إِلَى الْمَنْزِلِ) أي قال له علي رضي الله عنه انطلق معي إلى منزلنا (قَالَ) أي أبو ذرٍّ رضي الله عنه (فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ لاَ يَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ، وَلاَ أُخْبِرُهُ) وفي رواية مسلم (( فلمَّا رآه تَبِعَه فلم يسألْ واحدٌ منهما صاحِبَه عن شيءٍ حتَّى أصبح ) ) (فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ لأَسْأَلَ عَنْهُ) أي عن النَّبي صلى الله عليه وسلم (وَلَيْسَ أَحَدٌ يُخْبِرُنِي عَنْهُ بِشَيْءٍ) وفي رواية مسلم بعد قوله حتَّى أصبح (( ثمَّ احتمل قِرْبَتَه وزادَهُ إلى المسجد، فظلَّ ذلك اليوم ولا يرى النَّبي صلى الله عليه وسلم حتَّى أمسى، فعاد إلى مضجعه ) ).

(قَالَ فَمَرَّ بِي عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ أَمَا نَالَ لِلرَّجُلِ يَعْرِفُ مَنْزِلَهُ) يقال نالَ له إذا آن له، ويروى (( ما آنى ) )، وفي رواية مسلم (( ما آن أن يعلمَ منزله ) )، ويروى بدون همزة الاستفهام في اللَّفظ؛ أي أما جاء الوقت الذي

ج 15 ص 550

يُعْرَفُ به منزلُ الرجل بأن يكون له مسكنٌ معيَّن يسكنه، ويروى (( يعرف ) )بلفظ المبني للفاعل.

ويحتملُ أن يريد علي رضي الله عنه بهذا القول دعوتَه إلى بيته للضِّيافة ويكون إضافةُ المنزل إليه بملابسة إضافته له فيه أو يريد إرشاده إلى ما قدَّم له وقصده يعني أمَّا جاء وقت إظهار المقصود والاشتغال به كالاجتماع برسول الله صلى الله عليه وسلم وكالدُّخول في منزله ونحوه.

(قَالَ قُلْتُ لاَ) وإنما قال لا على التَّقدير الأول؛ إذ لم يكن قصده التوطن ثَّمة، وعلى الثاني إذ كان عنده أمر أهم من ذلك وهو التَّفتيش عن مقصوده، وعلى الثالث إذ خاف من الإظهار.

وقال الكِرمانيُّ ماذا فاعلُ نال؟ وأجاب بأنَّه يعرف منزله، في تقدير المصدر نحو تسمع بالمعيدي خير من أن تراه؛ يعني أنَّ التَّقدير أن تَسْمَع؛ أي سماعُك بالمعيدي خيرٌ من رؤيته، وهنا التَّقدير أما نال للرجل أن يعرف منزله.

(قَالَ انْطَلِقْ مَعِي. قَالَ فَقَالَ مَا أَمْرُكَ وَمَا أَقْدَمَكَ هَذِهِ الْبَلْدَةَ؟) وفي رواية مسلم (( ألا تحدِّثني ما الذي أقدمك هذا البلد ) ) (قَالَ قُلْتُ لَهُ إِنْ كَتَمْتَ عَلَيَّ أَخْبَرْتُكَ) وفي رواية مسلم (( إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا لترشدني فعلت ) ) (قَالَ فَإِنِّي أَفْعَلُ) أي قال علي رضي الله عنه فإني أفعل ما ذكرته، وفي رواية مسلم ففعل (قَالَ قُلْتُ لَهُ بَلَغَنَا أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ هَاهُنَا رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَرْسَلْتُ أَخِي لِيُكَلِّمَهُ فَرَجَعَ وَلَمْ يَشْفِنِي مِنَ الْخَبَرِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَلْقَاهُ. فَقَالَ لَهُ أَمَا إِنَّكَ قَدْ رَشَدْتَ) من باب عَلِم يَعْلَم رَشَدًا، بفتحتين، ورَشَد يَرْشُد من باب نَصَر يَنْصُر رُشْدًا، بضم الراء وسكون الشين، وأرشدتُه أنا، والرُّشد خلاف الغي (هَذَا وَجْهِي إِلَيْهِ) أي هذا توجُّهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (فَاتَّبِعْنِي) وفي رواية مسلم (( إنَّه حقٌّ وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أصبحتَ فاتبعني ) ) (ادْخُلْ) أمر من الدُّخول (حَيْثُ أَدْخُلُ) مضارع (فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ أَحَدًا أَخَافُهُ عَلَيْكَ، قُمْتُ إِلَى الْحَائِطِ، كَأَنِّي أُصْلِحُ نَعْلِي، وَامْضِ أَنْتَ) وفي رواية مسلم (( فإني إن رأيتُ شيئًا أخافُ عليك قمتُ كأني أريقُ الماء، وإن مضيت فاتبعني حتَّى تدخل مدخلي ) ) (فَمَضَى)

ج 15 ص 551

أي علي رضي الله عنه (وَمَضَيْتُ مَعَهُ) ويروى (( فمضيت معه ) ) (حَتَّى دَخَلَ وَدَخَلْتُ مَعَهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ لَهُ اعْرِضْ عَلَيَّ الإِسْلاَمَ. فَعَرَضَهُ، فَأَسْلَمْتُ مَكَانِي) فإن قيل كيف أسلم في الحال ولم ير ما يدلُّ على نبوَّته من المعجزات؟ فالجواب أنَّ الرِّوايات الأخر دلَّت على أنَّه كان بعد ظهورِ المعجزات له.

(فَقَالَ لِي يَا أَبَا ذَرٍّ اكْتُمْ هَذَا الأَمْرَ، وَارْجِعْ إِلَى بَلَدِكَ، فَإِذَا بَلَغَكَ ظُهُورُنَا فَأَقْبِلْ، فَقُلْتُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لأَصْرُخَنَّ بِهَا) أي لأرفعنَّ صوتي بها (بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ) وفي رواية مسلم (( بين ظهرانيهم ) ) (فَجَاءَ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَقُرَيْشٌ فِيهِ) أي في المسجد، وهي جملة حالية (فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَقَالُوا قُومُوا إِلَى هَذَا الصَّابِئِ) من صبا يصبو إذا انتقل من شيءٍ إلى شيءٍ، وكانوا يسمُّون من أسلم صابيًا (فَقَامُوا، فَضُرِبْتُ) على البناء للمفعول (لأَمُوتَ) أي لأن أموت، يعني ضربوه ضربَ الموت، وفي رواية مسلم (( فضربُوه حتَّى أضجعُوه ) ).

(فَأَدْرَكَنِي الْعَبَّاسُ، فَأَكَبَّ عَلَيَّ) أي رمى نفسه علي (ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ وَيْلَكُمْ تَقْتُلُونَ رَجُلًا مِنْ غِفَارَ، وَمَتْجَرُكُمْ وَمَمَرُّكُمْ عَلَى غِفَارَ) (فَأَقْلَعُوا عَنِّي) أي كفُّوا عني، (فَلَمَّا أَنْ أَصْبَحْتُ الْغَدَ رَجَعْتُ فَقُلْتُ مِثْلَ مَا قُلْتُ بِالأَمْسِ، فَقَالُوا قُومُوا إِلَى هَذَا الصَّابِئِ. فَصُنِعَ بِي مِثْلَ مَا صُنِعَ بِالأَمْسِ، وَأَدْرَكَنِي الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيَّ، وَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ بِالأَمْسِ، قَالَ) أي ابن عبَّاس رضي الله عنهما (فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ إِسْلاَمِ أَبِي ذَرٍّ) رضي الله عنه، فإن قيل لِمَ خالفَ أمرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فالجواب أنَّه عَلِمَ بالقرائن أنَّه ليس للإيجاب، ولهذا لما قال ذلك سكتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي الحديث دَلالة على تقدُّم إسلام أبي ذرٍّ رضي الله عنه، لكن الظَّاهر أنَّه بعد المبعث بمدَّة طويلة لما فيه من الحكاية عن عليٍّ رضي الله عنه من مخاطبته لأبي ذرٍّ وتضييفه إيَّاه، والأصحُّ أنَّ سِنَّه حين البعث كان عشر سنين، وقيل أقلَّ من ذلك فيظهر من ذلك أنَّ إسلام أبي ذرٍّ رضي الله عنه

ج 15 ص 552

بعد المبعث بمدَّة بأكثر من سنتين بحيث يتهيَّأ لعلي رضي الله عنه ما فعل، وروى عبدُ الله بن الصَّامت إسلامَ أبي ذرٍّ عن نَفْسِ أبي ذرٍّ رضي الله عنه، أخرجه مسلم مطولًا جدًّا، وفيه مغايرات كثيرة لسياق ابن عبَّاس رضي الله عنهما، ولكن الجَمْعَ بينهما ممكنٌ باعتبار أنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما اقتصر في حكايته عن ذلك.

فائدة أوَّل من أسلم من الصِّبيان علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأوَّل من أسلم من النِّساء خديجة الكبرى رضي الله عنها، وأوَّل من أسلم من العبيد بلال الحبشي رضي الله عنه.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة، أمَّا قصَّة زمزم فلأن فيه ذكر زمزم، واكتفاء أبي ذرٍّ رضي الله عنه به في المدَّة التي أقام فيها بمكَّة، وأمَّا قصَّة إسلامه فأظهرُ من أن تخفى، والحديث أخرجه مسلم في الفضائل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت