فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 11127

29 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ المدني (عَنْ مَالِكٍ) أي ابن أنس، إمام دار الهجرة (عَنْ) أبي أسامة (زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) القرشي، العدوي، التَّابعي، مولى عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، روى عن عمر، وأنس، وجابر، وسلمة بن الأكوع وغيرهم.

وروى عنه مالك، والزهري، ومعمر، وأيوب وغيرهم،

ج 1 ص 260

أُجمع على جلالته وكان له حلقة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ثقة كثير الحديث، وكان علي بن الحسين رضي الله عنهما يجلس إلى زيد فقيل له تتخطَّى مجالس قومك إلى عبد عمر بن الخطاب فيقول إنما يجلسُ الرجل إلى من ينفعه في دينه.

تُوفي بالمدينة سنة ثلاث أو ست وثلاثين ومئة في أوائل الدولة العبَّاسية، وكان أبي حازم يقول لا يريني الله يوم زيد أنه لم يبق أحد أرضى لديني.

روى له الجماعة.

(عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بفتح المثناة التحتانية وبالسين المهملة، هو أبو محمد القاضي المدني الهلالي، مولى أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها، سمع أبي بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس وغيرهم، وروى عنه عمرو بن دينار، وزيد بن أسلم وغيرهما.

وقال ابن سعد كان ثقةً كثير الحديث. وقال يحيى بن معين وأبو زرعة هو ثقةٌ. تُوفي سنة ثلاث أو أربع ومئة، وقيل أربع وستين.

روى له الجماعة.

(عَنِ) عبد الله (ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما. ومن لطائف هذا الإسناد أنَّ فيه التَّحديث والعنعنة. ومنها أنَّ رواته كلُّهم مَدنيون إلا ابن عباس وهو أيضًا أقام بالمدينة. ومنها أنَّهم أئمة أجلَّاء كبار، وهذا الحديث طرفٌ من حديث ساقه في صلاة الكسوف تامًّا [خ¦1052] ، وكذا أخرجه في باب (( من صلى وقدَّامه نار ) ) [خ¦431] ، وفي (( بدء الخلق ) ) [خ¦3241] في (( ذكر الشَّمس والقمر ) [خ¦3202] وفي (( عشرة النِّساء ) ) [خ¦5197] وفي (( العلم ) ) [خ¦98] [خ¦748] ، وأخرجه مسلم في (( العيدين ) ).

(قَالَ قَالَ النَّبِيُّ) وفي نسخة (صلَّى الله عليه وسلم أُرِيتُ) بضم الهمزة، من الإراءة، بمعنى التَّبصير (النَّارَ) أي أراني الله النار (فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ) برفع أكثر والنساء على أنهما مبتدأ وخبر. وفي رواية بزيادة (( فرأيتُ ) )، ونصب (( أكثر ) (( النساء ) )، وفي أخرى بدون فرأيت، فيكون (( أكثر ) )بالنصب بدلًا من (( النار ) )، و (( النساء ) )مفعول (( أريت ) )الثالث، و (( النَّار ) )مفعولها الثاني، ويكون (( أُريت ) )بمعنى أعلمت، ويجوز ضم (( أكثر ) (( النِّساء ) )فيكون (( أكثر ) )مبتدأ، و (( النساء ) )خبره، والجملةُ الاسميَّة حال بدون الواو، نحو قوله تعالى {قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [الأعراف 24] .

(يَكْفُرْنَ) بياء المضارعة، جملةٌ استئنافيَّة تدلُّ على السؤال والجواب، كأنَّه قيل يا رسول الله لِمَ ذلك؟ فأجاب بأنهنَّ يكفُرن، وفي رواية بالباء السببية (قِيلَ) يا رسول الله (أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ) ؟ وهذا الاستفسار دليل على أنَّ لفظ الكفر مجملٌ بين الكفر بالله، والكفر الَّذي للعشير ونحوه، إذ الاستفسار دليل

ج 1 ص 261

الإجمال.

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ) أي الزَّوج؛ لأنَّ معاشرته أكثر من غيرهما، وقرينة السياق تدل عليه، فتكون اللام للعهد، أو المعاشر مطلقًا، فتكون اللام للجنس أو للاستغراق.

(وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ) هذه الجملة كالبيان للجملة السَّابقة، فإنَّ كفران العشير ليس لذاته، بل لإحسانه، وفي التَّوَعُّد على كُفران العشير بالنار دَلالةٌ على أنَّه من الكبائر، فافهم. وعُدِّي الكفر (( بالله ) )بالباء دون كفر العشير؛ لأنَّ الأول متضمِّن لمعنى الاعتراف دون الثاني إشارةً إلى التَّفاوت بين الكفرين.

قال العلماء الكفرُ بالله أنواع كفر إنكارٍ، وكفر جحودٍ، وكفر عنادٍ، وكفر نفاقٍ، وهذه الأربعة من لقي الله بواحدٍ منها لم يُغفرْ له.

فالأوَّل أن يَكفُرَ بقلبه ولسانه، ولا يَعرف ما يُذكر له من التَّوحيد، كما قال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} [البقرة 6] .

والثَّاني أن يَعرف بقلبه ولا يُقر بلسانه، وهذا ككفر إبليس، وبلعام، وأميَّة ابن أبي الصَّلت.

والثالث أن يَعرف بقلبه ويقر بلسانه، ويأبى أن يقبل الإيمان بالتَّوحيد ككفر أبي طالبٍ.

والرابع أن يُقِرَّ بلسانه ويَكفُرَ بقلبهِ ككفر المنافقين.

وقال النوويُّ والشَّارع قد أطلقَ الكفر على ما سوى الأربعة أيضًا، وهو كفران الحقوق والنعم، فمن ذلك هذا الحديث الذي في هذا الباب، وحديث (( لا ترجعوا بعدِي كفَّارًا يضربُ بعضكم رقاب بعضٍ ) )وأشباهه، وهذا مراده من قوله وكفرٌ دون كفر.

هذا (لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ) نصب على الظرفية؛ أي لو فعلت معها جميلًا مدة عمرك، أو مدة الدنيا كلها على سبيل الفرض مبالغة في كفرانهنَّ.

قال ابنُ دريد قال قوم الدَّهر مدة الدنيا من ابتدائها إلى انقضائها. وقال آخرون بل دهر كلِّ قومٍ زمانهم هذا، قيل كلمة لو لامتناع الشَّيء لامتناع غيره، فكيف صحَّ هنا هذا المعنى؟.

وأُجيب بأنها هنا بمعنى أن، كما في رواية، فتكون لمجرَّد الشرطية، ويحتمل أن يكون من قبيل قوله صلى الله عليه وسلم (( نِعمَ العبدُ صهيبٌ لو لم يخفِ الله لم يعْصِه ) )بأن يكون الحكم ثابتًا على النَّقيضين، والطرف المسكوت عنه أَوْلى من المذكور [1] ، والخطاب في (( أحسنت ) )عام لكلِّ من يتأتى منه أن يكون مخاطبًا على سبيلِ التجوز؛ لأنَّ أصل وضع الضَّمير أن يكون مستعملًا لمعيَّن خاص على ما عُرف في موضعه.

(ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا) حقيرًا أو قليلًا لا يوافق مزاجها، ولا يُعجبها، فالتنوين للتَّحقير، أو للتَّقليل، كما في قوله تعالى {إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا} [الجاثية 32] .

(قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ) بفتح القاف وتشديد الطاء المهملة،

ج 1 ص 262

ظرف زمان لاستغراق ما مضى.

وفي الحديث فوائد

منها تحريم كفران الحقوق والنِّعم إذ لا دخولَ في النار إلَّا بارتكاب الحرام. ومنها عظمُ حقِّ الزَّوج على الزَّوجة. ومنها وعظ الرَّئيس المرؤوس وتحريضه على الطَّاعة. ومنها مراجعةُ المتعلم العالم، والتَّابع المتبوع فيما قاله إذا لم يظهر له معناه. ومنها أنَّ النار التي هي دار عذاب الآخرة مخلوقة اليوم، كما هو مذهب أهل السنة. ومنها جواز إطلاق الكُفر على كفْران النعمة. ومنها التَّنبيه على أن المعاصي تنقص الإيمان، ولا تخرجُ إلى الكفر الموجب للخلود في النار؛ لأنَّهم ظنُّوا أنه الكفر بالله، فأجابهم عليه السلام بأنه أرادَ كفرانهنَّ نعمة أزواجهنَّ.

ثمَّ اعلم أن المؤلِّف رحمه الله مذهبه جواز تقطيع الحديث إذا كان ما يقطعه منه لا يستلزم فساد المعنى، وغرضه من ذلك تنويع الأبواب، وربما يتوهم من لا يحفظ الحديث، ولا له كثرة الممارسة فيه أن المختصر حديثٌ مستقلٌّ بذاته، وليس بعض غيره لا سيما إذا كان ابتداء المختصر من أثناء الحديث التَّام، كما في هذا الحديث، فإن أوَّله هنا هو قوله صلى الله عليه وسلم (( أريتَ النار ... إلى آخره ) ).

وأوَّل التام عن ابن عباس قال خُسفتِ الشَّمس على عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر قصَّة صلاة الكسوف، ثمَّ خطبة النَّبي صلى الله عليه وسلم وفيها القدر المذكور هنا، وكثير ممن يعدُّ أحاديث البخاري يظنَّ أن مثل هذا الحديث حديثان أو أكثر؛ لاختلاف الابتداء فمن ذلك

قال ابن الصَّلاح والشيخ محي الدِّين النَّووي وغيرهما عدَّة أحاديثه بغير تكرار أربعة آلاف أو نحوها، وليس الأمر كذلك، بل إذا حرر لا يزيد على ألفي حديث وخمسمائة حديث وثلاثة عشر حديثًا.

[1] في هامش الأصل ويسميه البيانيون ترك المعين إلى غير المعين؛ ليعم كل مخاطب، ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم (( بشر المشائين في ظلم الليل إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة ) ). منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت