321 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التبوذكي (قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بالتشديد، هو ابن يحيى بن دينار العَوْذِي بفتح المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة، كان قويًا في الحديث. قال أحمد همام ثبْتٌ في كلِّ المشايخ، مات سنة ثلاث وستين ومئة.
(قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) الأَكْمَه المفسِّرُ (قَالَ حَدَّثَتْنِي) بالتأنيث والإفراد (مُعَاذَةُ) بضم الميم وبالعين المهملة قبل الألف وبالمعجمة بعدها، بنت عبد الله العدوية، الثقة الحُجَّة الزاهدة، روى لها الجماعة، وهي معدودة في فقهاء التابعين، وكانت تحيي الليل، ماتت عام ثلاث وثمانين، ورجالُ هذا الإسناد كلهم بصريون، وقد أخرج متنه الستة في الطهارة، والنسائي أخرجه أيضًا في الصوم.
(أَنَّ امْرَأَةً) كذا أبهمها همام، وبين شعبة في روايته عن قتادة أنها هي معاذة الراوية، وأخرجه الإسماعيلي من طريقه، وكذا مسلم من طريق عاصم وغيره عن معاذة قالت «سألت عائشة رضي الله عنها ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت أحرورية أنت؟ قلت لست بحرورية ولكني أسأل أي سؤالًا مجردًا لطلب العلم لا للتعنت، قالت كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة» ، وفي لفظ آخر «قد كانت إحدانا
ج 2 ص 562
تحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تؤمر بقضاء»، وفي لفظ آخر «قد كن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم يحضن، ولا يأمرهن أن يجزئن» . قال محمد بن جعفر يعني يقضين.
(قَالَتْ لِعَائِشَةَ) رضي الله عنها (أَتَجْزِي) بفتح التاء المثناة من فوق وكسر الزاي غير مهموز، وحكى بعضهم الهمز، ومعناه أتقضي، وبه فسروا قوله تعالى {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} [البقرة 48] ويقال هذا الشيء يجزئ عن كذا؛ أي يقوم مقامه.
(صَلاَتَهَا) بالنصب على المفعولية، ويروى على صيغة المجهول، وعلى هذا (صلاتها) بالرفع على أنه نائب عن الفاعل.
وقال الحافظ العسقلاني ويروى بضم أوله والهمز؛ أي أتكفي المرأة الصلاة الحاضرة وهي طاهرة، ولا تحتاج إلى قضاء الفائتة في زمن الحيض، فعلى هذا صلاتها بالرفع على الفاعلية، والأولى أشهر.
(إِذَا طَهُرَتْ) بفتح الطاء وضم الهاء (فَقَالَتْ عائشة) رضي الله عنها (أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ) جملة من المبتدأ وهو أنت، والخبر وهو أحرورية دخلت عليها همزة الاستفهام الإنكاري، وفائدة تقديم الخبر الدلالة على الحصر؛ أي أحرورية أنت لا غير، وهي نسبة إلى حَروراء [1] قرية بقرب الكوفة، وكان أول اجتماع الخوارج فيها.
وقال الهروي تعاقدوا في هذه القرية فنُسِبُوا إليها، فمعنى كلام عائشة هذا أخارجية أنت، وذلك لأن طائفة من الخوارج يوجبون على الحائض قضاء الصلاة الفائتة في زمن الحيض، وهو خلاف الإجماع، وكبار فرق الحرورية ستة الأزارقة، والصفْرية، والنجدات، والعجاردة، والإباضية، والثعالبة، والباقون فروع وهم الذين خرجوا على علي رضي الله عنه، ويجمعهم القول بالتبري من عثمان وعلي رضي الله عنهما، ويقدمون ذلك على كل طاعة، ولا يصححون المناكحات إلا على ذلك، وكان خروجهم على علي رضي الله عنه؛ لما حكم أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص، وأنكروا على علي في ذلك.
وقالوا شككت في أمر الله، وحكَّمت عدوك، وطالت خصومتهم، ثمَّ أصبحوا يومًا وقد خرجوا وهم ثمانية آلاف، وأميرهم ابن الكواء عبد الله، فبعث إليهم عليُّ عبدَ الله بن عباس رضي الله عنهما، فناظرهم، فرجع منهم ألفان، وبقي ستة آلاف، فخرج إليهم علي فقاتلهم، وكانوا يشددون في الدين، ومنه قضاء الصلاة على الحائض، إذ لم تسقط الصلاة عنها في كتاب الله، ومن أصولهم المتفق عليها بينهم الأخذ بما دل عليه القرآن، وردِّ ما زاد عليه من الحديث مطلقًا.
(كُنَّا) وفي رواية
ج 2 ص 563
(نَحِيضُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أي مع وجوده، والمعنى في عهده، والغرض منه بيان أنه صلى الله عليه وسلم كان مطلعًا على حالهن من الحيض، وتركهن الصلاة في أيامه، وما كان يأمرهن بالقضاء، ولو كان واجبًا لأمرهن به كما قالت (فَلاَ) وفي رواية (يَأْمُرُنَا بِهِ) أي بالقضاء؛ لأن التقرير على ترك الواجب غير جائز.
(أَوْ قَالَتْ) عائشة رضي الله عنها بدل قولها فلا يأمرنا به (فَلاَ نَفْعَلُهُ) أي القضاء، والشك من معاذة، كذا في هذه الرواية بالشك، وعند الإسماعيلي من وجه آخر (( فلم نكن نقضي، ولم نؤمر به ) )، ففي الحديث أن الحائض لا تقضي الصلاة، ولا خلاف في ذلك بين الأمة إلا لطائفة من الخوارج.
قال النووي أجمع المسلمون على أن الحائض والنفساء لا تجب عليهما الصلاة ولا الصوم في الحال، وعلى أنه لا يجب عليهما قضاء الصلاة، ويجب قضاء الصوم، والفرق بينهما أن الصلاة كثيرة متكررة فيشق قضاؤها، بخلاف الصوم، فإنه يجب في السنة مرة واحدة، ومن السلف من كان يأمر الحائض بأن تتوضأ عند وقت الصلاة، وتذكر الله تعالى، وتستقبل القبلة ذاكرة لله تعالى جالسة، روي ذلك عن عقبة بن عامر، ومكحول، وقال كان ذلك من هدي نساء المسلمين في حيضهن.
وقال عبد الرزاق بلغني أن الحائض كانت تؤمر بذلك عند وقت كل صلاة، وقال عطاء لم يبلغني ذلك وإنه لحسن، وقال أبو عمر هو أمر متروك عند جماعة الفقهاء بل يكرهونه، قال أبو قلابة سألنا عن ذلك، فلم نجد له أصلًا، وقال سعيد بن عبد العزيز ما نعرفه وإنا لنكرهه.
وفي (( منية المفتي ) )يستحب لها عند وقت كل صلاة أن تتوضأ وتجلس في مسجد بيتها تسبِّح وتهلل مقدار أداء الصلاة لو كانت طاهرة حتى لا تبطل عادتها.
وفي (( الدراية ) )يكتب لها أحسن صلاة كانت تصلي، ثمَّ إنها حال الحيض مخاطبة بالصوم أو لا؟ فيه خلاف قيل إنما يجب عليها القضاء بأمر جديد، وقيل مخاطبة به مأمورة بتركه كما يخاطب المحْدِثُ بالصلاة، وأنها لا تصح منه في زمن الحَدَثِ، قيل وهذا غير صحيح، وكيف يكون الصوم واجبًا عليها ومحرمًا عليها بسببٍ لا قدرةَ لها على إزالته، بخلاف المحْدِثِ فإنه قادر على
ج 2 ص 564
الإزالة.
[1] في هامش الأصل حروراء ممدودة، وقال بعضهم بالقصر أيضًا حكاه أبو عبيد، وزعم أبو القاسم الغوراني أن حروراء هذه موضع بالشام وفيه نظر؛ لأن عليًا رضي الله عنه إنما كان بالكوفة، وقتاله لهم إنما كان هناك، ولم يأت أنه قاتلهم بالشام، على أن الشام لم تكن في طاعة علي رضي الله عنه، وعلى ذلك اتفق المؤرخون، وقال المبرد النسبة إلى حروراء حروراوي، وكذلك كل ما كان في آخره ألف التأنيث المدودة، ولكنه نسب إلى البلد بحذف الزوائد فقيل الحروري. منه.