فهرس الكتاب
3578 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام
ج 16 ص 68
(عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ أَبُو طَلْحَةَ) هو زيدُ بن سهل الأنصاري زوج أمِّ سُليم والدة أنس رضي الله عنهم، وقد اتَّفقت الطُّرق على أن الحديث المذكور من مسند أنس رضي الله عنه، وقد وافقه على ذلك أخوه لأمِّه عبد الله بن أبي طلحة فرواه مطولًا عن أبيه، أخرجه أبو يَعلى من طريقهِ بإسناد حسنٍ وأوَّله عن أبي طلحة قال (( دخلت المسجدَ فعرفت في وجهِ رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع ... ) )الحديث.
والمراد بالمسجدِ الموضع الذي أعدَّه النَّبي صلى الله عليه وسلم للصَّلاة فيه حين محاصرة الأحزاب للمدينة في غزوة الخندقِ.
(لأُمِّ سُلَيْمٍ) واسمها سهلة، أو غيرها على اختلافٍ فيه (لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ) فيه العمل بالقرائن، وعند أحمد من رواية مُبارك بن فَضَالة عن بكر بن عبد الله، وثابت عن أنس رضي الله عنه أنَّ أبا طلحة رضي الله عنه رأى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم طاويًا.
وعند أبي يَعلى من طريق محمد بن سيرين عن أنس رضي الله عنه أنَّ أبا طلحة بلغه أنَّه ليس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم طعام فذهبَ فآجر نفسَه بصاعٍ من شعير يعملِ بقيَّة يومه ذلك، ثمَّ جاء به ... الحديث.
وفي رواية مسلم وأبي يَعلى من رواية عَمرو بن عبد الله بن أبي طلحة، وهو أخو إسحاق راوي الحديث عن أنسٍ رضي الله عنه قال رأى أبو طلحة رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مضطجعًا يتقلَّب ظهرًا لبطن.
وفي رواية لمسلم من طريق يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس رضي الله عنه قال جئتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدتُه جالسًا مع أصحابه يحدِّثهم وقد عَصب بطنَه بعصابةٍ، فسألتُ بعض أصحابه فقالوا من الجوعِ، فذهبتُ إلى أبي طلحة فأخبرتُه فدخلَ على أمِّ سُليم فقال هل من شيءٍ ... الحديث.
وعند أبي نُعيم من رواية محمد بن كعب عن أنس رضي الله عنه جاء أبو طلحة إلى أمِّ سُليم فقال أعندَك شيءٌ فإني مررتُ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو يُقرئ أصحابَ الصُّفَّة سورةَ النساء
ج 16 ص 69
وقد ربطَ على بطنهِ حجرًا من الجوع.
(فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَتْ نَعَمْ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ) وعند أحمد من رواية محمد بن سيرين عن أنس رضي الله عنه قال عمدتْ أمُّ سُليم إلى نصف مدٍّ من شعير فطحنته، وفي رواية للبخاري تأتي من هذا الوجه ومن غيره عن أنس رضي الله عنه [خ¦5450] أنَّ أمَّه أم سُليم رضي الله عنها عمدتْ إلى مدٍّ من شعير جشَّتْه، ثم عملته.
وفي رواية لأحمد ومسلم من حديث عبد الرَّحمن بن أبي ليلى عن أنس رضي الله عنه أتى أبو طلحة بمدَّين من شعيرٍ فأمرَ به فصنعَ طعامًا، ولا منافاةَ بين ذلك لاحتمال تعدُّد القصَّة، أو أنَّ بعض الرواة حفظ ما لم يحفظِ الآخر.
وقال الحافظُ العسقلاني ويمكن الجمعُ بأن يكون الشَّعير في الأصل كان صاعًا فردتْ بعضَه لعياله وبعضَه للنَّبي صلى الله عليه وسلم قال ويدلُّ على التَّعدد ما بين العصيدة والخبز المفتوت الملتوتِ بالسَّمن من المغايرة.
وقد وقع لأمِّ سُليم رضي الله عنها في شيء صنعتْه للنَّبي صلى الله عليه وسلم لما تزوَّج زينب بنت جحشٍ رضي الله عنها قريب من هذه القصَّة من تكثيرِ الطَّعام وإدخالِ عشرة عشرة، كما سيأتي في مكانه في الوليمة من «كتاب النِّكاح» إن شاء الله تعالى [خ¦5163] .
ووقع عند أحمد من رواية ابن سيرين عن أنس رضي الله عنه عمدتْ أمُّ سُليم رضي الله عنها إلى نصف مدٍّ من شعيرٍ فطحنتْه، ثمَّ عمدتْ إلى عكَّة كان فيها شيءٌ من سمنٍ فاتَّخذت منه خطيفةً ... الحديث، والخطيفة هي العصيدةُ وزنًا ومعنىً.
(ثُمَّ أَخْرَجَتْ خِمَارًا لَهَا فَلَفَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ يَدي) قال العينيُّ يقال دسَّ الشيءَ يدسُّه دسًّا إذا أدخلَه في الشَّيء بقهرٍ وقوَّة. وقال الكرمانيُّ يقال دسستُ الشَّيء أخبيته.
(وَلاَثَتْنِي بِبَعْضِهِ) أي لفَّتني به، يقال لاثَ العمامة على رأسهِ؛ أي عصبها، وأصلُه من اللَّوث _ بالمثلثة _ وهو اللَّف، ومنه لاثَ به النَّاس إذا استداروا حوله وأحاطوا به.
والمراد أنَّها لفَّت بعضه على رأسهِ وبعضه على إبطهِ، وفي «الأطعمة» للبخاري [خ¦5381] عن إسماعيل بن أبي أويس
ج 16 ص 70
عن مالك في هذا الحديث فلفَّت الخبز ببعضهِ ودسَّت الخبزَ تحت ثوبي وردتني ببعضهِ.
(ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ فَذَهَبْتُ بِهِ) أي قال أنس رضي الله عنه فذهبتُ بالخبز الذي أرسله أبو طلحة وأمُّ سُليم رضي الله عنهما (فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آرْسَلَكَ) بهمزة ممدودة للاستفهام على سبيل الاستخبار (أَبُو طَلْحَةَ؟ فَقُلْتُ نَعَمْ، قَالَ بِطَعَامٍ؟ فَقُلْتُ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ مَعَهُ قُومُوا فَانْطَلَقَ، وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ) ظاهره أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم فهم أنَّ أبا طلحة استدعاهُ إلى منزلهِ فلذلك قال لمن عندَه قوموا، وأوَّل الكلام يقتضِي أنَّ أمَّ سُليم وأبا طلحة أرسلا الخبزَ مع أنس.
فيُجمع بأنَّهما أرادا بإرسال الخبز مع أنس أن يأخذَه النَّبي صلى الله عليه وسلم فيأكله، فلمَّا وصل أنسٌ ورأى كثرةَ الناس حول النَّبي صلى الله عليه وسلم استحيى وظهر له أن يدعوَ النَّبي صلى الله عليه وسلم ليقومَ معه وحدَه إلى المنزلِ فيحصل مقصودهم من إطعامهِ.
ويحتمل أن يكون ذلك عن رأي من أرسله، عَهِدَ إليه أنَّه إذا رأى كثرةَ الناس أن يستدعيَ النَّبي صلى الله عليه وسلم وحدَه خشية أن لا يَكفيهم ذلك الشَّيء إيَّاه ومن معه، وقد عرفوا إيثار النَّبي صلى الله عليه وسلم وأنَّه لا يأكلُ وحدَه.
وقد وجد أكثر الرِّوايات تقتضِي أن أبا طلحة استدعى النَّبي صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة. ففي رواية سعد بن سعيد عن أنس رضي الله عنه بعثني أبو طلحة إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم لأدعوهُ وقد جعل له طعامًا. وفي رواية عبد الرَّحمن بن أبي ليلى عن أنس رضي الله عنه أمر أبو طلحة أمَّ سُليم أن تصنعَ للنَّبي صلى الله عليه وسلم لنفسه خاصة، ثمَّ أرسلتني إليه. وفي رواية يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس فدخلَ أبو طلحة على أمِّي فقال هل من شيءٍ؟ فقالت نعم، عندي كسر من خبز، فإن جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدَه أشبعنَاه، وإن جاء أحدٌ معه قلَّ عنهم. وجميع ذلك عند مسلم،
ج 16 ص 71
وفي رواية مُبارك بن فَضَالة المذكورة أنَّ أبا طلحة رضي الله عنه قال اعجنيهِ وأصلحيهِ عسى أن ندعوَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فيأكلُ عندنا، ففعلتُ فقال ادعُ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي رواية يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس رضي الله عنهم عند أبي نُعيم وأصله عند مسلم فقال لي أبو طلحة يا أنسُ اذهبْ فقمْ قريبًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قام فدعْه حتى يتفرَّق أصحابه، ثمَّ اتبعه حتى إذا قام على عتبةِ بابه، فقل له إنَّ أبي يدعوك.
وفي رواية عَمرو بن عبد الله بن أبي طلحة عند أبي يَعلى عن أنس رضي الله عنه قال لي أبو طلحة اذهبْ فادع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعند البخاري في «الأطعمة» [خ¦5450] من رواية ابن سيرين عن أنس رضي الله عنه ثم بعثني إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فأتيته وهو في أصحابه فدعوته.
وعند أحمد من رواية النَّضر بن أنس عن أبيه قالت لي أمُّ سُليم اذهبْ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل له إن رأيتَ أن تغدى عندنا فافعل. وفي راية عَمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أنس رضي الله عنه عند البغوي فقال أبو طلحة اذهبْ يا بني إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فادعه قال فجئتُه فقلت له إنَّ أبي يدعوك ... الحديث.
وفي رواية محمد بن كعب فقال يا بُني اذهبْ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فادعه ولا تدعُ معه غيره ولا تفضحني. ثم في رواية محمد بن كعب فقال للقوم انطلقوا فانطلقوا وهم ثمانون رجلًا. وفي رواية يعقوب فلمَّا قلت له إنَّ أبي يدعوك قال لأصحابه يا هؤلاء تعالوا، ثمَّ أخذَ بيدي فشدَّها، ثمَّ أقبل بأصحابه حتَّى إذا دَنوا أرسلَ بيدِي فدخلتُ وأنا حزينٌ لكثرةِ من جاء معه.
(فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ) أي قدر ما يكفيهم (فَقَالَتْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) كأنها عرفتْ أنَّه فعل ذلك عمدًا ليُظهر الكرامة والمعجزة في تكثيرِ ذلك الطَّعام، ودلَّ ذلك على فطنة أمِّ سُليم ورجحان عقلها.
ج 16 ص 72
(فانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية مبارك بن فَضالة (( فاستقبلَه أبو طلحة فقال يا رسول الله، ما عندنا إلَّا قرصٌ عملتْه أمُّ سُليم ) ). وفي رواية سعد بن سعيد (( فقال أبو طلحة إنما صنعتُ لك شيئًا ) )، ونحوه في رواية ابن سيرين. وفي رواية عَمرو بن عبد الله فقال أبو طلحة (( إنما هو قرصٌ فقال إنَّ الله سيبارك فيه ) ). وفي رواية يعقوب فقال أبو طلحة (( يا رسول الله، إنَّما أرسلت أنسًا يدعوَك وحدَك ولم يكن عندنا ما يُشبع من أرى، فقال ادخلْ فإنَّ الله سيُبارك فيما عندك ) ). وفي رواية النَّضر بن أنس عن أنس (( فدخلتُ على أمِّ سُليم وأنا مُندهش ) ). وفي رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى أنَّ أبا طلحة قال (( يا أنس فضحتنَا ) )، وللطَّبراني في «الأوسط» (( فجعل يرميني بالحجارة ) ).
(فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا عِنْدَكِ) كذا في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني، وفي رواية غيره وهي لغة حجازيَّة فإنَّ عندهم لا يُؤنث ولا يُثنى ولا يُجمع، ومنه قوله تعالى {وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا} [الأحزاب 18] والمراد من ذلك طلب ما عندها.
(فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفُتَّ وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً) بضم العين المهملة وتشديد الكاف، إناءٌ من جلد مستديرٍ يُجعل فيه السَّمن غالبًا والعسل. وفي رواية مُبارك بن فَضالة فقال هل من سمن؟ فقال أبو طلحة قد كان في العكة شيءٌ فجاء بها فجعلا يَعصرانها حتى خرجَ، ثمَّ مسحَ رسول الله صلى الله عليه وسلم به سبَّابته، ثم مسحَ القرص فانتفخَ، وقال بسم الله، فلم يزلْ يصنع ذلك والقرصُ ينتفخُ حتى رأيت القرص في الجفنة يتميَّع. وفي رواية سعد بن سعيد (( فمسَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا فيها بالبركةِ ) ). وفي رواية النَّضر بن أنس (( فجئتُ بها ففتحَ رباطها، ثمَّ قال بسم الله اللَّهمَّ أعظمْ فيها البركة ) )وعُرفَ بهذا المراد بقوله «فقال فيها ما شاء أن يقول» .
(فَأَدَمَتْهُ) أي صيرت ما خرجَ من العُكَّة للمفتوت
ج 16 ص 73
إدامًا، يقال أدم فلان الخبز باللَّحم يأدِمُه _ بالكسر _، وقال الخطَّابي أدمته؛ أي أصلحتْه بالإدام.
(ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ) أي ائذن بالدُّخول لعشرة أنفسٍ (فَأَذِنَ لَهُمْ) إنَّما أذن لعشرة؛ ليكون أرفقَ بهم. وظاهره أنَّه صلى الله عليه وسلم دخلَ منزل أبي طَلحة وحدَه، وجاء ذلك صريحًا في رواية عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، ولفظه فلمَّا انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الباب، فقال لهم اقعدوا ودخل ... الحديث.
فإن قيل في رواية يعقوب أدخِلْ عليَّ ثمانيةً فما زالَ حتى دخلَ عليه ثمانون رجلًا، ثمَّ دعاني ودعا أمِّي وأبا طلحةَ فأكلنا حتى شبعنَا.
فالجواب أنَّه يُحملُ على تعدد القصَّة وأكثر الرِّوايات عشرة، فيها أنَّه أدخلهم عشرةً عشرةً سوى هذه فقال إنه أدخلهم ثمانية ثمانية، والله تعالى أعلم.
(فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا) وفي رواية مبارك بن فَضَالة فوضعَ يدَه وسطَ القرص، وقال (( كلوا بسم الله ) )فأكلوا من حوالي القصعة حتَّى شبعوا. وفي رواية بكر بن عبد الله، فقال لهم (( كلوا من بين أصابعي ) ).
(ثُمَّ خَرَجُوا) وفي رواية عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، ثمَّ قال لهم (( قوموا وليدخلْ عشرة مكانكم ) ) (ثُمَّ قَالَ ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا) كذا وقع بالشَّك هنا، وفي غير هذا الموضع الجزم بالثَّمانين، كما تقدَّم من رواية محمد بن كعب وغيره. وفي روايةِ مُبارك بن فضالة (( حتى أكلَ منه بضعة وثمانون رجلًا ) ). وفي رواية عبد الرَّحمن بن أبي ليلى (( حتَّى فعلَ ذلك بثمانين رجلًا، ثمَّ أكل النَّبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك وأهل البيت وتركوا سؤرًا ) )؛ أي فضلًا.
وفي روايته عند أحمد (( قلتُ كم كانوا؟ قال كانوا نيفًا وثمانين، قال وأفضل لأهل البيت ما يشبعهم ) ).
ولا منافاةَ بينهما لاحتمال أن يكون ألغى _ الكسر _، ولكن وقع في رواية
ج 16 ص 74
ابن سيرين عند أحمد حتى أكلَ منه أربعون رجلًا وبقيتْ كما هي، وهذا يؤيِّد التَّغاير الذي أُشير إليه، وأنَّ القصَّة التي رواها ابنُ سيرين غير القصَّة التي رواها غيره. وزاد مسلمٌ في رواية عبدِ الله بن أبي طلحة (( وأَفْضَلوا ما بلغوا جِيرانهم ) ). وفي رواية عَمرو بن عبد الله (( وفضلتْ فضلةٌ فأهدينَا لجيراننا ) ).
ونحوه عند أبي نُعيم من رواية عُمَارة بن غزيَّة عن ربيعة عن أنس رضي الله عنه بلفظ (( حتى أهدتْ أمُّ سُليم لجيرانها ) ). وفي رواية مسلم من حديث سعد بن سعيد (( حتى لم يبقَ منهم أحدٌ إلَّا دخل يأكل حتى شبعَ ) ). وفي روايةٍ له من هذا الوجه (( ثمَّ أخذَ ما بقيَ فجمعه، ثمَّ دعا فيه بالبركة، فعاد كما كان ) ).
وقد تقدَّم الكلامُ على شيءٍ من فوائد هذا الحديث في «أبواب المساجد» ، من أوائل «كتاب الصلاة» [خ¦422] .
ومطابقته للترجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه البخاري في «الأطعمة» [خ¦5450] و «النذر» أيضًا [خ¦6688] ، وأخرجه مسلم في «الأطعمة» ، والترمذي في «المناقب» ، والنَّسائي في «الوليمة» .