فهرس الكتاب

الصفحة 5441 من 11127

3586 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) قال (أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو محمد بن أبي عدي، بل هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي أبو عمرو البصري واسم أبي عدي إبراهيم أيضًا (عَنْ شُعْبَةَ ح) تحويل من سند إلى آخر (وَحَدَّثَنَا) قد مر أن الأولى حذف الواو وبعد حاء التحويل (بِشْرُ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة (بْنُ خَالِدٍ) أبو محمد العسكري الفرائضي قال(حَدَّثَنَا مُحَمَّد عَنْ شُعْبَةَ

ج 16 ص 100

عَنْ سُلَيْمَان)أي ابن مهران الأعمش أنه قال (سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (يُحَدِّثُ عَنْ حُذَيْفَةَ) أي ابن اليمان العبسي رضي الله عنه صاحب سرِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِتْنَةِ) وفي رواية يحيى القطَّان عن الأعمش في «الصَّلاة» [خ¦525] (( كنَّا جلوسًا عند عمر رضي الله عنه فقال أيُّكم ) )والمخاطب بذلك الصَّحابة رضي الله عنهم. ففي رواية ربعِي عن حذيفة رضي الله عنه أنَّه قدم من عند عمر رضي الله عنه فقال سألَ عمر أمس أصحابَ محمد صلى الله عليه وسلم أيُّكم سمع قولَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنةِ.

والمراد بالفتنةِ ما يعرض الإنسان مع ما ذُكر من الشَّر، أو أن يأتي لأجل النَّاس بما لا يحلُّ له، أو يخلُّ بما يجبُ عليه.

(فَقَالَ حُذَيْفَةُ أَنَا أَحْفَظُ كَمَا قَالَ) صلى الله عليه وسلم، وفي رواية البخاري في «الزكاة» [خ¦1435] (( أنا أحفظه كما قاله ) ) (قَالَ هَاتِ) تقول هاتِ يا رجل _ بكسر التاء _؛ أي أعطني، وللاثنين هاتيا مثل آتيا، وللجمع هاتوا، وللمرأة هاتي، وللمرأتين هاتيا، وللنِّساء هاتين، مثل عاطين. قال الخليل أصل هات آتٍ من آت يؤتي، فقلبت الألف هاء.

(إِنَّكَ لَجَرِيءٌ) وفي «الزكاة» (( إنَّك عليه لجريء ) )فكيف وهو من الجراءة، وهو الإقدام على الشَّيء من غير تخوف.

(قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ) بالميل إليهنَّ، أو الجور عليهنَّ في القَسْمِ والإنفاق والإيثار حتَّى في أولادهنَّ، ومن جهة التَّفريط في الحقوق الواجبة لهنَّ (وَمَالِهِ) بالاشتغال به عن العبادة، أو بحبسهِ عن إخراج حقِّ الله تعالى (وَجَارِهِ) بالحسدِ والمفاخرةِ والمزاحمةِ في الحقوق وإهمال التَّعاهد، وزاد في «الصلاة» [خ¦525] (( وولده ) )والفتنة فيه بالميل الطَّبيعي إليه وإيثارهِ على كلِّ أحدٍ، بل على نفسه.

(تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ) وزاد في «الصلاة» (( والصَّوم ) ). قال بعضُ الشُّراح يحتمل أن يكون كلُّ واحدٍ من الصَّلاة وما معها مكفِّرة للمذكورات كلِّها لا لكلِّ واحدٍ منها، وأن يكون من باب اللَّف

ج 16 ص 101

والنَّشر، بأن الصَّلاة مثلًا مكفِّرة للفتنة في الأهل والصَّوم في الولد ... إلى آخره.

واستشكلَ ابنُ أبي جمرة وقوع التَّكفير بالمذكورات للوقوعِ في المحرَّم، أو الإخلال بالواجب لأنَّ الطَّاعات لا تسقطُ ذلك فإن حمل على الوقوع في المكروهِ بالمستحبِّ لم يناسبْ إطلاق التَّكفير.

والجواب التزامُ الأوَّل وأنَّ الممتنع من تكفيرِ الحرام، والواجب ما كان كبيرة فهي التي فيها النِّزاع، وأما الصَّغائر فلا نزاعَ في أنها تكفَّر لقول الله تعالى {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء 31] .

وقد مضى شيءٌ من البحث في كتاب «الصَّلاة» [خ¦525] [خ¦528] ، ثم أسباب الفتنة غير منحصرة فيما ذكر من الأمثلة، وكذلك التَّكفير لا يختصُّ بالأربع المذكورات، بل كلُّ ما شغلَ صاحبه عن الله تعالى فهو فتنة له، وكذلكَ سائرُ العباداتِ والطَّاعات مكفِّرة، قال الله تعالى {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود 114] .

وتخصيصُ هذه الأربع دون سائر العباداتِ إشارة إلى تعظيمِ قدرها؛ لأنَّ غيرها من الحسناتِ ليس فيها صاحبة التَّكفير. وفيه أيضًا تنبيه على ما عداها فإنَّ العبادات إمَّا بدنيَّة، أو ماليَّة، أو قوليَّة فذكرَ من عبادةِ الأفعال الصَّلاة والصِّيام، ومن عبادةِ المال الصَّدقة، ومن عبادةِ الأقوالِ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، ثمَّ إنَّ التَّكفير يحتمل أن يقعَ بنفس فعلِ الحسنات المذكورة.

ويحتملُ أن تقعَ بالموازنةِ والأوَّل أظهرُ، والله تعالى أعلم.

وقال ابنُ أبي جمرة خصَّ الرجل بالذِّكر لأنَّه في الغالب صاحب الحكم في دار أهلهِ وإلَّا فالنِّساء شقائقُ الرِّجال في الحكم.

(قَالَ لَيْسَتْ هَذِهِ) أي ليست الفتنة التي أُريدها هذه (وَلَكِنِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ) أي ولكن أُريد الفتنة التي تموجُ كموج البحرِ صرَّح بذلك في الرِّواية التي في «الصَّلاة» [خ¦525] ، ويحتملُ الرفع؛ أي مرادِي الفتنة التي تموجُ كموج البحر؛ أي تضطربُ اضطراب البحرِ عند هيجانه. وكُنِّي بذلك عن شدَّة المخاصمةِ وكثرةِ المنازعة، وما ينشأُ عن ذلك

ج 16 ص 102

من المشاتمةِ والمقاتلة (قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ) أي قال حذيفةُ رضي الله عنه لعمر رضي الله عنه يا أميرَ المؤمنين.

(لاَ بَأْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا) أي من هذه الفتنة التي تموج كموج البحر، وزاد في رواية ربعي (( تعرض الفتنُ على القلوب فأيُّ قلبٍ أنكرها نُكتت فيه نُكتة بيضاء، وأيُّ قلبٍ أشربها نُكتت فيه نُكتة سوداءُ، حتى تصيرَ القلوبُ على قلبين أبيض في صفاء الزُّجاج لا تضره فتنة ما دامت السَّماوات والأرض، والآخر أسود كالكوزِ مُجَخَّيًا لا يعرف معروفًا ولا يُنكر منكرًا ) ).

(إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا) أي لا يخرج منها شيءٌ في حياتك. قال ابنُ المُنيِّر آثر حذيفة رضي الله عنه الحرصَ على حفظ السرِّ، ولم يصرِّح لعمر رضي الله عنه بما سألَ عنه، وإنما كنى كناية، وكأنَّه كان مأذونًا له في ذلك.

وقال النَّووي يحتمل أن يكون حذيفة رضي الله عنه علم أنَّ عمر رضي الله عنه يُقتل، ولكنَّه كره أن يخاطبَه بالقتل؛ لأنَّ عمر رضي الله عنه كان يعلم أنَّه الباب فأتى بعبارة يحصل بها المقصود بغير تصريحٍ بالقتلِ، انتهى.

إلَّا أنَّ في لفظ ربعي ما يعكِّر على ذلك كما سيجيء، وفي تمثيل الفتن بالدَّار وحياة عمر رضي الله عنه بالباب الذي لها غلق، وموته بفتح ذلك الباب إشارة إلى أنَّه ما دامتْ حياة عمر رضي الله عنه موجودةٌ وهي الباب المُغلق لا يخرج من داخل تلك الدَّار شيءٌ، فإذا ماتَ فقد انفتحَ ذلك الباب فخرج ما في تلك الدَّار.

(قَالَ) أي عمر رضي الله عنه (يُفْتَحُ ذَلِكَ الْبَابُ أَوْ يُكْسَرُ؟ قَالَ لاَ، بَلْ يُكْسَرُ) أي قال حذيفة رضي الله عنه لا يفتح بل يُكسر (قَالَ) أي عمر رضي الله عنه (ذَلكَ أَحْرَى أَنْ لاَ يُغْلَقَ) وفي «الصِّيام» ذلك أجدر أن لا يُغلق إلى يوم القيامة [خ¦1895] .

قال ابنُ بطَّال إنما قال ذلك؛ لأنَّ العادة أنَّ الغلق إنما يقعُ في الصَّحيح، فأمَّا ما انكسرَ فلا يُتصوَّر غلقه حتى يُجبرَ، انتهى.

ويحتمل أن يكون كنَّى عن الموت بالفتحِ، وعن القتلِ بالكسر، ولهذا قال في رواية ربعي فقال عمر كسرًا لا أبا لك، وقد وقع في روايته أيضًا وحدَّثته أن ذلك الباب رجل يُقتل، وقيل إنما قال عمر رضي الله عنه ذلك اعتمادًا على ما عندَه من النُّصوص الصَّريحة في وقوعِ الفتن في هذه الأمَّة ووقوعِ البأس بينهم إلى يوم القيامة.

ج 16 ص 103

وسيأتي في «الاعتصام» [خ¦7313] حديث جابر في قوله تعالى {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} [الأنعام 65] ، وقد وافقَ حذيفة على معنى روايته أبو ذرٍّ رضي الله عنه، فروى الطَّبراني بإسناد رجاله ثقاتٌ أنَّه لقيَ عمر رضي الله عنه فأخذ بيدهِ فغمزها، فقال له أبو ذر أرسل يدي يا قفلَ الفتنة ... الحديث. وفيه أنَّ أبا ذرٍّ رضي الله عنه [قال] لا يصيبكم فتنة ما دام فيكم. وأشار إلى عمر رضي الله عنه.

وروى البزَّار من حديث قُدامة بن مَظْعون عن أخيه عثمان رضي الله عنه أنَّه قال لعمر رضي الله عنه يا غلق الفتنة، فسأله عن ذلك فقال مرَّ ونحن جلوسٌ مع النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( هذا غلقُ الفتنةِ لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شديد الغَلْق ما عاش ) ).

(قُلْنَا عَلِمَ) أي عمر رضي الله عنه (الْبَابَ؟ قَالَ نَعَمْ) وفي رواية جامع بن شدَّاد فقلنا لمسروق سلْه أكانَ عمر رضي الله عنه يعلمُ مَن الباب؟ فسأله، فقال نعم. وفي رواية أحمد عن وكيع عن الأعمش فقال مسروق لحذيفة رضي الله عنه يا أبا عبد الله كان عمر رضي الله عنه يعلم؟

(كَمَا أَنَّ دُوْنَ غَدٍ اللَّيْلَة) أي أنَّ ليلة غدٍ أقرب إلى اليوم من غدٍ (إِنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ) هو بقيَّة كلام حذيفة رضي الله عنه، والأغاليط جمع أُغْلوطة وهي ما يُغالط به؛ أي حدَّثته حديثًا صدْقًا محقَّقًا من كلام النَّبي صلى الله عليه وسلم لا عن اجتهادٍ ولا رأي.

وقال ابنُ بطَّال إنما علم عمر رضي الله عنه أنَّه الباب؛ لأنَّه كان مع النَّبي صلى الله عليه وسلم على حراء، وأبو بكر وعثمان رضي الله عنهم فرجفَ فقال صلى الله عليه وسلم (( اثبتْ فإنما عليكَ نبيٌّ وصدِّيقٌ وشهيدان ) )، أو فهم ذلك من قول حذيفة رضي الله عنه بل يكسر، انتهى.

والذي يظهرُ أنَّ عمر رضي الله عنه علم الباب بالنَّص كما تقدَّم عن عثمان بن مَظعون وأبي ذرٍّ رضي الله عنهما، فلعلَّ حذيفة حضر ذلك.

وقد تقدَّم في «بدء الخلق» حديث عمر رضي الله عنه أنَّه سمع خطبة النَّبي صلى الله عليه وسلم يحدِّث عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم [خ¦3192] .

وسيأتي في هذا الباب حديث حذيفة رضي الله عنه أنَّه قال أنا أعلم النَّاس

ج 16 ص 104

بكلِّ فتنةٍ هي كائنةٌ فيما بيني وبين الساعة، وفيه أنَّه سمع ذلك معه من النَّبي صلى الله عليه وسلم جماعة ماتوا قبله.

فإن قيل إذا كان عمر رضي الله عنه عارفًا بذلك فلم شكَّ فيه حتى سأل عنه؟

فالجواب أنَّ ذلك يقعُ مثله عند شدَّة الخوف، ولعلَّه خشيَ أن يكونَ نسيَ فسألَ من يذكِّره، وهذا هو المعتمد.

(فَهِبْنَا) بكسر الهاء، على وزن خفنا لفظًا ومعنى، وهذا من كلام أبي وائل؛ أي فخفنا (أَنْ نَسْأَلَهُ) أي حذيفة رضي الله عنه، ودلَّ ذلك على حسنِ تأدُّبهم مع كبارهم (وَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا) هو ابنُ الأجدع من كبار التَّابعين، وكان من أخصِّ أصحاب ابنِ مسعود رضي الله عنه وحذيفة وغيرهما من كبار الصَّحابة رضي الله عنهم.

(فَسَأَلَهُ، فَقَالَ مَنِ الْبَابُ؟ قَالَ عُمَرُ) فإن قيل كيف تفسير الباب بأنَّه عمر بعد قوله إنَّ بينك وبينها بابًا مُغلقًا، والمخاطبُ هو عمر رضي الله عنه بعد قوله؟

فالجواب أنَّ في الأول تجوُّزًا، والمراد بين الفتنة وبين حياة عمر، أو بين نفس عمر وبين الفتنة بدنُه؛ لأنَّ البدن غير النفس.

والحديث قد مرَّ في أوائل «كتاب مواقيت الصلاة» ، في باب «الصلاة كفارة» [خ¦525] .

ومطابقته للترجمة من حيث إنَّ فيه إخبار النَّبي صلى الله عليه وسلم عن الأمور الآتية قبل وقوعِهَا فوقعتْ على وفْق ما أخبرَ به وهي من علامات النُّبوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت