فهرس الكتاب

الصفحة 5466 من 11127

3615 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) أبو أحمد البخاري البِيْكندي، سكن بغداد، وهو من أفراده، وصغار شيوخه، وشيخه الآخر محمد بن يوسف الفريابي أكبر من هذا، وأقدم سماعًا، وقد أكثر البخاري عنه (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ) من الزيادة؛ أي ابن إبراهيم (أَبُو الْحَسَنِ الْحَرَّانِيُّ) بفتح المهملة وتشديد الراء وبالنون، يعرف بالوَرْتَنِّيْسي _ بفتح الواو وسكون الراء وفتح المثناة الفوقية وتشديد النون المكسورة بعدها مثناة تحتية ساكنة ثم سين مهملة _ والورتنيس أحدُ أجداده، وهو أبو إبراهيم. وقال أبو أحمد الحاكم اسمُ الورتنيس إبراهيم.

(أَخْبَرَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) هو أبو خيثمة الجُعفي (أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد الله السَّبيعي (قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ) أي الصِّدِّيق رضي الله عنه (إِلَى أَبِي) هو عازبُ بن الحارث بن عدي الأوسي، من قدماء الأنصار (فِي مَنْزِلِهِ فَاشْتَرَى رَحْلًا مِنْهُ) وفي نسخة ، والرَّحْل _ بفتح الراء وسكون المهملة _ هو للنَّاقة كالسَّرج للفرس، وقيل الرحل أصغرُ من القتبِ، واشتراه بثلاثة عشر درهمًا.

(فَقَالَ لِعَازِبٍ ابْعَثْ إِلَيَّ ابْنَكَ يَحْمِلْهُ) أي الرحل (مَعِي قَالَ فَحَمَلْتُهُ مَعَهُ، وَخَرَجَ أَبِي يَنْتَقِدُ ثَمَنَهُ) أي يستوفيه (فَقَالَ لَهُ أَبِي يَا أَبَا بَكْرٍ حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُمَا) وفي رواية إسرائيل الآتية في «فضل أبي بكر رضي الله عنه» [خ¦3652] أن عازبًا امتنعَ من إرسال ابنه مع أبي بكرٍ حتى يحدِّثه أبو بكر بالحديث.

وهي زيادة ثقةٍ مقبولةٍ لا تنافي هذه الرِّواية، بل يحمل قوله فقال

ج 16 ص 141

له أبي؛ أي من قبل أن أحملَه معه، أو أعاد عازب سؤال أبي بكر رضي الله عنه عن التَّحديث بعد أن شرطَه عليه أوَّلًا وأجابه إليه.

(حِينَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ نَعَمْ أَسْرَيْنَا) سرى وأسرى لغتان بمعنى السَّير في اللَّيل، قال الله سبحانه وتعالى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء 1] وقال {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} [الفجر 4] يستعمل كلٌّ منها بمعنى الآخر.

(لَيْلَتَنَا) أي بعضها، وذلك حين خرجا من الغار، كما سيأتي بيانه في حديث عائشة رضي الله عنها في الهجرة إلى المدينة، وفيه أنَّهما لبثا في الغارِ ثلاث ليالٍ ثم خرجا [خ¦3905] (وَمِنَ الْغَدِ) أي بعض الغد، فيه تجوُّز؛ لأنَّ السُّرىَ إنما يكون باللَّيل، فهو كالعطف في قوله علفتها تبنًا وماء باردًا.

(حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ) أي نصف النَّهار، وهو استواءُ حالة الشمس، وسُمِّي قائمًا؛ لأن الظِّل لا يظهر حينئذٍ، فكأنَّه قائم واقف، وفي رواية إسرائيل أسرينا ليلتنَا ويومنا حتى أظهرنا [خ¦3652] ؛ أي دخلنا في وقت الظُّهر.

(وَخَلاَ الطَّرِيقُ) هذا يدلُّ على أنَّه كان في زمن الحر (لاَ يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ) بيان لمعنى خلو الطَّريق (فَرُفِعَتْ لَنَا) على البناء للمفعول؛ أي ظهرتْ لأبصارنا (صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ لَهَا ظِلٌّ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهَا) أي على الصَّخرة، وفي رواية الكُشميهني أي على الظِّل (الشَّمْسُ فَنَزَلْنَا عِنْدَهُ وَسَوَّيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَانًا بِيَدِي يَنَامُ عَلَيْهِ وَبَسَطْتُ عَلَيْهِ فَرْوَةً) وهي الجلدُ الذي يلبس، وقيل المرادُ بها قطعة حشيشٍ يابسٍ مجتمعةٍ، ويقوِّي الأوَّل ما في رواية يوسف بن إسحاق ففرشتُ له فروةً معي [خ¦3917] ، وفي رواية خديج فروةً كانت معي.

(وَقُلْتُ نَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا أَنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ) يعني من الغبار ونحو ذلك حتى لا تثيره عليه الريح، وقيل معنى النفضُ هنا الحراسة، يقال نفضتُ المكان إذا نظرتُ جميع ما فيه ويؤيِّده قوله في رواية إسرائيل «ثم انطلقتُ أنظر ما حولي هل أرى من الطَّلب أحدًا» [خ¦3652] .

والنَّفَضَة قومٌ يبعثون في الأرض ينظرون هل بها

ج 16 ص 142

عدوٌّ، أو خوف، والمعنى وأنا أحرسُك وأدفعُ عنك وأطوفُ هل أرى أحدًا، أو شيئًا يحترز عنه.

(فَنَامَ وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعٍ مُقْبِلٍ بِغَنَمِهِ إِلَى الصَّخْرَةِ يُرِيدُ مِنْهَا مِثْلَ الَّذِي أَرَدْنَا، فَقُلْتُ لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلاَمُ؟ فَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ) شكٌّ من الراوي أي اللَّفظين قال، وكأن الشَّك من أحمد بن يزيد فإنَّ مسلمًا أخرجه من طريق الحسن بن محمد بن أَعْين عن زهير، فقال فيه لرجل من أهل المدينة، ولم يشك. ووقع في رواية خَديج فسمَّى رجلًا من أهل مكة، ولم يشك.

فإن قيل كيف ذلك؟

فالجواب أنَّ المراد بالمدينة في رواية مسلم هو مكَّة ولم يردُ به المدينة النَّبوية؛ لأنَّها حينئذٍ لم تكن تسمَّى المدينة، وإنما كان يُقال لها يثرب، وأيضًا ولم تجر العادة للرُّعاة أن يبعدوا في المراعِي هذه المسافة البعيدة. ووقع في رواية إسرائيل فقال لرجل من قريش، سمَّاه فعرفته [خ¦3652] ، وهذا يؤيِّد هذا الوجه لأنَّ قريشًا لم يكونوا يسكنونَ المدينة النَّبوية إذ ذاك.

(قُلْتُ أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ) بفتح اللام والموحدة، وحكى القاضي عياض أنَّ في رواية بضم اللام وتشديد الموحدة، جمع لابن؛ أي ذوات لبن (قَالَ نَعَمُ، قُلْتُ أَفَتَحْلُبُ، قَالَ نَعَمْ) أي أحلب وأرادَ بهذا الاستفهام أمعك إذنٌ من صاحب الغنم في الحلبِ لمن يمر بها على سبيل الضِّيافة.

وبهذا يندفعُ إشكال من يقول كيف استجازَ أبو بكر رضي الله عنه أخذ اللَّبن من الرَّاعي بغير إذن مالك الغنم، ويحتملُ أن يكون أبو بكر رضي الله عنه لمَّا عرفه عرف رضاه بذلك لصداقتهِ له، أو إذنهِ العام لذلك إذ من عادة العرب أنَّهم يأذنوه للرُّعاة إذا مرَّ بهم ضيفٌ أن يسقوه، وقيل كان الغنمٌ لحربي لا أمان له، وقيل كانوا مضطرين، فليتأمل.

(قَالَ فَأَخَذَ شَاةً، فَقُلْتُ انْفُضِ الضَّرْعَ) أي ثدي الشَّاة (مِنَ التُّرَابِ وَالشَّعَرِ وَالْقَذَى) بفتح القاف والذال المعجمة مقصورًا، هو الذي يقعُ في العين، يقال قَذَتْ عينُه

ج 16 ص 143

إذا وقع فيها القذى كأنَّه شبه ما يصير في الضَّرع من الأوساخ بالقَذى في العين. وفي رواية إسرائيل الآتية وأمرته فاعتقل شاة [خ¦3652] ؛ أي وضع رجلها بين فخذيهِ أو ساقيه؛ ليمنعها من الحركة.

(قَالَ فَرَأَيْتُ الْبَرَاءَ يَضْرِبُ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الأُخْرَى يَنْفُضُ، فَحَلَبَ فِي قَعْبٍ) هو القدحُ من الخشب (كُثْبَةً) بضم الكاف وسكون المثلثة وفتح الموحدة؛ أي قطعة من لبنٍ قدر ملءِ القدح، وقيل قدرَ حلبةٍ خفيفة. وقال الهرويُّ والقزَّاز كلُّ ما جمعته من طعامٍ، أو لبن، أو غيرهما فهي كثبة. قال الهروي بعد أن يكون قليلًا، وفي نسخة على التصغير.

(مِنْ لَبَنٍ وَمَعِي إِدَاوَةٌ) بكسر الهمزة، وهي شيءٌ يعملُ من جلدٍ ليستصحبَهُ المسافر (حَمَلْتُهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْتَوِي) أي يستقي (مِنْهَا يَشْرَبُ وَيَتَوَضَّأُ) بيان للارتواء (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ فَوَافَقْتُهُ حِينَ اسْتَيْقَظَ) أي وافقَ إتياني وقتَ استيقاظهِ، ويروى .

(فَصَبَبْتُ مِنَ الْمَاءِ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ) بفتح الراء، وقال الجوهريُّ بضمها (أَسْفَلُهُ، فَقُلْتُ اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ) أي طابت نفسي لكثرةِ ما شرب (ثُمَّ قَالَ أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ) أي قال النَّبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه ألم يأتِ وقت الارتحال (قُلْتُ بَلَى، قَالَ فَارْتَحَلْنَا بَعْدَ مَا مَالَتِ الشَّمْشُ وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ) بفتح العين، وسُراقة فاعله، وهو سراقةُ بن مالك بن جعشم المدلجي، أسلم بالجعرانة حين انصرفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين والطَّائف، وقال له كيف بك إذا ألبست سواري كسرى، ولما أتى عمر رضي الله عنه بسواريه ألبسه، وقال ارفعْ يديك وقل الله أكبر الحمد لله الذي سلبهما كسرى وألبسهمَا سُراقة.

(فَقُلْتُ أُتِينَا) بضم الهمزة على البناء للمفعول (يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا، فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَارْتَطَمَتْ بِهِ فَرَسُهُ) بالطاء المهملة؛ أي غاضت قوائم فرسه في تلك الأرض الصُّلبة، يقال ارتطمَ في الوحل؛ أي دخلَ فيه واحتبسَ، ورطمت الشَّيء أدخلتُه فارتطمَ.

(أُرَى) بضم الهمزة؛ أي أظنُّ وهو لفظ زهير الراوي (فِي جَلَدٍ) بفتح الجيم واللام، وهو الصُّلب من الأرض المستوي

ج 16 ص 144

(مِنَ الأَرْضِ، شَكَّ زُهَيْرٌ) يعني هل قال هذه اللَّفظة أم لا، وفي رواية مسلم الشك من زهير.

وفي رواية خَديج بن معاوية وهو أخو زهير ونحن في أرضٍ شديدةٍ كأنها مجصَّصة، فإذا بوقعٍ من خلفي فالتفتُّ فإذا سُراقة، فبكى أبو بكرٍ رضي الله عنه فقال أُتِينا يا رسول الله، قال (( كلا، ثمَّ دعا بدعواتٍ ... ) )الحديث.

(فَقَالَ) أي سراقة للنَّبي صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر رضي الله عنه (إِنِّي أُرَاكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ) وفي رواية مسلم (( قد علمتُ أنَّكما قد دعوتما عليَّ ) ) (فَادْعُوَا لِي فَاللَّهُ لَكُمَا) مبتدأٌ وخبر؛ أي فالله ناصرٌ لكما (أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ) أي ادعوا لأن أردَّ عنكما الطَّلب فهو علَّة للدُّعاء، أو على أن أردَّ عنكما الطَّلب، ويروى بنصب لفظة الجلالة؛ أي فأُشهد الله لأجلكمَا على أن أردَّ عنكما الطَّلب، ويروى بالجرِّ أيضًا بنزع الخافضِ؛ أي فبالله؛ أي فأقسم بالله لكما على الردِّ. وفي «شرح السنة» أقسم بالله لكما على الرَّد، والطَّلب جمع طالب.

(فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَجَا) أي من الارتطام (فَجَعَلَ) أي سراقة (لاَ يَلْقَى أَحَدًا إِلاَّ قَالَ قَدْ كَفَيْتُكُمْ) ويروى (مَا هُنَا) يعني ما هنا الذي تطلبونه، وفي رواية (فَلاَ يَلْقَى أَحَدًا إِلاَّ رَدَّهُ) بيان لقوله ما هنا (قَالَ وَوَفَى لَنَا) أي وفى سراقة بما وعدَه من ردِّ الطلب.

وفي الحديث معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفضيلة أبي بكر رضي الله عنه. وفيه خدمة التَّابع للمتبوع، واستصحاب الركوة في السَّفر، وفضل التَّوكل على الله تعالى، وأن الرَّجل الجليل إذا نامَ يُدافَع عنه. وقال الخطَّابي استدلَّ به بعض شيوخ السُّوء من المحدثين على الأخذ على الحديث؛ لأنَّ عازبًا لم يحمل الرَّحل حتى يحدِّثه أبو بكر رضي الله عنه القصَّة. وليس هذا الاستدلال صحيحًا لأنَّ هؤلاء اتَّخذوا الحديث بضاعةً يبيعونَهَا ويأخذونَ عليها أجرًا.

وأمَّا ما التمسه أبو بكرٍ رضي الله عنه من تحميلِ الرَّحل فهو من باب المعروف، والعادة المقرَّرة أنَّ عادة التجَّار يحملون الأثقال إلى بيت المشتري ولو لم يكن ذلك لكان لا يمنعه أبو بكر رضي الله عنه

ج 16 ص 145

من إفادةِ القصَّة، والقدوة فيه قوله تعالى {اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [يس 21] .

ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنَّ فيه معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

تتمة قال البزَّار لم يروِ هذا الحديث تامًّا عن أبي إسحاق إلَّا زهير وأخوه خَديج وإسرائيل، وروى شعبة منه قصَّة اللَّبن خاصة، انتهى.

وقد رواه عن أبي إسحاق مطولًا أيضًا حفيده يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق وهو في «الهجرةِ إلى المدينة» [خ¦3917] لكنَّه لم يذكر منه قصَّة سُراقة، وزاد فيه قصة غيرها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت