3636 - (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ) أبو الفضل المروزي، قال (أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) هو سفيان بن عُيينة (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) هو عبدُ الله بن أبي نَجِيح _ بفتح النون وكسر الجيم _ المكي صاحب التَّفسير عن مجاهد، واسم أبي نَجيح يسار.
(عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، هو عبدُ الله بن سَخْبرة _ بفتح المهملة والموحدة وسكون المعجمة بينهما وبالراء_ وقد مرَّ في «الصَّلاة» [خ¦746] (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه) أنَّه (قَالَ انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ) وفي نسخة (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي على زمنه وفي أيَّامه (شقَّتَيْنِ) بكسر الشين وفتحها، ويروى .
(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْهَدُوا) من الشَّهادة، إنَّما قال ذلك لكونهِ معجزة عظيمةٌ محسوسةٌ خارجة عن عادة المعجزات.
ولا يلتفتُ إلى اعتراضِ من خذلَه الله بأنَّه لو كان له حقيقة لم يخفَ أمرَه على عوامِّ الناس ولتواترتْ به الأخبار؛
ج 16 ص 173
لأنَّه أمرٌ محسوسٌ مشاهدٌ والناس فيه شركاء، وللنُّفوس دواع على نقلِ الأمر العجيب والخبرِ العزيز، ولو كان لذُكِر في الكتب ودُوِّن في الصُّحف، ولكان أهل التَّنجيم والسِّير والتَّواريخ عارفين به إذ لا يجوزُ إطباقهم على إغفالهِ مع جلالةِ شأنهِ وجلاءِ أمره.
وذلك الاعتراض باطلٌ لأنَّه شيءٌ طلبه قومٌ خاص من أهل مكَّة وكان ذلك ليلًا، وأكثر الناس فيه نيامٌ ومستكنون بالحُجب والأبنيةِ، والأيقاظ البارِزون في الصَّحارى لهم مشاغل عن ذلك، وكيف ولم يكونوا رَصَدوه تلك اللَّيلة رافعين رؤوسَهم إلى السَّماء مترصِّدين مركز القمر من السَّماء لا يغفلون عنه حتى إذا حدثَ بجرم القمر ما حدثَ من الانشقاقِ أبصروهُ، على أنَّه وقع في رواية أنس رضي الله عنه أنَّ أهل مكَّة سألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن يُريهم آيةً فأراهُم انشقاقَ القمر، فقال القوم هذا سحرُ ابن أبي كبشة فسلوا السُّفَّار يقدمون عليكم فإن كان مثلَ ما رأيتُم فقد صدقَ وإلَّا فهو سحرٌ، فقدم السُّفار، فسألوهم فقالوا رأيناهُ قد انشقَّ.
وفي رواية فقال رجلٌ منهم إنَّ محمدًا إن كان سحر القمر فإنَّه لا يبلغُ من سحره أن يسحرَ أهل الأرض كلهم، فسلوا من يأتيكُم من بلدٍ آخر فسألوا فأخبروا كلهم بأنَّهم رأوهُ عيانًا منشقًا نصفين.
والحاصل أنَّه لم ينقل إلينا عن أهلِ الأرض أنَّهم رصدوه تلك اللَّيلة فلم يروه انشقَّ، فلو نقل إلينا عمَّن لا يجوز نقله لشدتهم في الكذبِ لما كانت علينا حجَّة إذ ليس القمر في حدٍّ واحد لجميع أهل الأرض، فقد يطلع على قومٍ قبل أن يطلع على آخرين.
وقد يكون من قومٍ بضدِّ ما هو من مقابلهم من أقطارِ الأرض، أو يحول بين قومٍ وبينه سحاب أو جبال.
وكثيرًا ما يقعُ له الكسوف ولا يشعرُ به النَّاس حتى يخبرهُم الآحاد منهم مع طولِ زمانه، وهذا إنما كان في قدر اللَّحظة التي هي مُدرَك البصر.
وقد يقعُ الكسوف في بعضِ البلاد دون بعضٍ وفي بعضها كلِّيًا، وفي بعضِها جزئيًا لا يعرفها إلَّا المدعون لعلمها ذلك تقديرُ العزيز العليم.
ولو أرادَ الله تعالى أن تكون معجزات نبيِّه واقعة بحسب الحسِّ حيث يشترك فيه الكلُّ لفعل ذلك، والله سبحانه وتعالى جرتْ عادتُه باستئصال الأمة التي أتاها نبيها بالآية العامَّة التي تدرك بالحسِّ ولم يؤمنوا بها.
وخصَّ هذه الأمَّة بالرَّحمة فجعلَ آية نبيهم عقليَّة، وذلك لما أوتوه من فضلِ العقول وزيادةِ الأفهام، ولئلَّا يكون سبيلهم سبيل من هلك من الأمم المسخوط عليهم
ج 16 ص 174
المقطوع دابرهم، ولم يبق خبر ولا أثر، والحمدُ لله على لُطفه بنا وحسن نظرهِ إلينا، وصلى الله على نبينا المصطفى وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ.
وقد أخرجه البخاريُّ في «التفسير» في موضعين [خ¦4864] [خ¦4865] وفي «انشقاق القمر» أيضًا [خ¦3869] ، وأخرجه مسلم في «التَّوراة» ، والترمذي في «التَّفسير» ، وكذا النَّسائي فيه.
وروى الترمذيُّ أيضًا من حديث عبدِ الله بن مسعود رضي الله عنه قال بينما نحنُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى فانشقَّ القمرُ فلقتين فلقةٌ من وراء الجبل، وفلقةٌ دونه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( اشهدوا اقتربتِ السَّاعة وانشقَّ القمر ) )وقال هذا حديثٌ حسنٌ صحيح.
وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما انفلقَ فلقتين فلقة [1] ذهبت، وفلقةٌ بقيت.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه رأيتُ حراء بين فلقي القمر. وقال أكثرُ أهل التَّفسير في قوله تعالى {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر 1] المراد به انشقاقه على عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن بعضِهم أنَّ معناه ينشقُّ يوم القيامة، وقوله تعالى {وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [القمر 2] يردُّه وكفى به رادًا، وفي قراءة حذيفة (( وقد انشقَّ القمر ) )؛ أي اقتربت السَّاعة، وقد حصل من آيات اقترابها أنَّ القمر قد انشقَّ.
وعن حذيفة أنَّه خطب بالمدائن، ثمَّ قال ألا إنَّ السَّاعة قد اقتربتْ وإن القمرَ قد انشقَّ على عهد نبيِّكم.
ونقل البيهقيُّ في أوائل كتاب «البعث» عن الحُليمي أنَّ من النَّاس من قال المراد بقوله {انْشَقَّ} سينشقُّ، قال فإن كان كذلك فقد وقعَ في عصرنا فشاهدت الهلال ببُخارى في اللَّيلة الثالثة منشقًا نصفين، عرض كلِّ منهما عرضَ القمر ليلة أربع أو خمس، ثمَّ اتَّصلا فصارَ في شكل أترجَّة إلى أن غابَ، قال وأخبرني من أثقُ به أنَّه شاهد ذلك في ليلةٍ أُخرى.
تنبيه قال الزين العراقي في «الدُّرر السنية»
~وَإِذْ بَغَتْ مِنْهُ قُرَيْشٌ أَنْ يُرِي آيًا أَرَاهُمْ انْشِقَاقَ القَمَرِ
~فَصَارَ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةٌ عَلَتْ وَفِرْقَةٌ لِلطَّوْدِ مِنْهُ نَزَلَتْ
ج 16 ص 175
أي فرقة منه علت فوق جبل أبي قُبيس، وفرقة صارت دون الطَّود؛ أي الجبل؛ أي أَنْزَلَ منه.
قال عبد الرَّؤوف المناوي وما ذكره من أنَّ إحدى فرقتيه صارتْ أنزل من الأُخرى لم أرَ التَّصريح به في المشهورِ من الرِّوايات.
والذي في «جامع الترمذي» عن جُبير بن مُطعم رضي الله عنهما انشقَّ القمر على عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صارَ فرقتين على هذا الجبل.
وفي «الدَّلائل» لأبي نُعيم عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما رأيتُ أحد شقَّيه على الجبل الذي بمنى ونحن بمكَّة، وقيل كان يُرى نصفُه على أبي قُبيس ونصفُه على قينُقاع.
وفي «الدلائل» لأبي نُعيم أيضًا عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ ذلك كان لأربعة عشر، فانشقَّ نصفين نصفًا على الصَّفا ونصفًا على المروة.
وقال الحافظ العسقلاني والذي تقتضيهِ غالب الرِّوايات أنَّ الانشقاق كان قبلَ غروبه.
ويؤيِّده إسنادهم الرُّؤية إلى جهةِ الجبل، ويحتملُ أن يكون وقعَ أوَّل طلوعه. قيل والتَّعبير بأبي قُبيس من تعبيرِ بعض الرُّواة؛ لأنَّ الغرض ثبوت رؤيته منشقًّا إحدى الشَّقتين على جبل والأُخرى على جبلٍ آخر، ويُغاير ذلك قول الرَّاوي الآخر رأيتُ الجبل بينهما؛ أي بين الفرقتين لأنَّه ذهب فرقة عن يمين الجبل، وفرقة عن يساره فصدق أنَّه بينهما.
وما رواه الترمذيُّ وقال حسنٌ صحيحٌ عن أنس رضي الله عنه قال سألَ أهل مكَّة المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يُريهم آية فانشقَّ القمر بمكَّة مرَّتين فنزلت {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر 1] .
فقد قال الحافظُ ابن حَجر العسقلاني لا يُعرف من جزمَ من علماء الحديث بتعدُّد الانشقاق في زمنه صلى الله عليه وسلم، ولم يتعرَّض لذلك من شرح الصَّحيح، لكن أخرجه مسلمٌ من حديث سعيد عن قتادة بلفظ (( فأراهُم انشقاقَ القمر مرَّتين ) )، وكذا أخرجه أحمدُ عن عبد الرَّزاق
ج 16 ص 176
وأكثر الرِّوايات فرقتين، أو فلقتين، بالراء أو اللام.
وقد أوَّل ابنُ القيِّم رواية مرَّتين بأنَّ المرَّة يُراد بها الأفعال تارةً والأعيان أُخرى، والأوَّل أكثر.
قال ومن الثاني انشقَّ القمر مرَّتين، وقد خفيَ على البعض فادَّعى أنَّ انشقاقه وقع مرَّتين، وذلك مما يعلم أهل الحديث والسير أنَّه غلط فلم يقع إلَّا مرَّة واحدة، انتهى.
وقال ابنُ كثير في رواية «مرتين» ، لعلَّ قائلها أراد فرقتين، والله تعالى أعلم.
ثمَّ إن ما يُقال إنَّه دخل القمر في كم النَّبي صلى الله عليه وسلم وخرج من الكمِّ الآخر فباطلٌ لا أصلَ له، كذا قال النَّووي في «الفتاوى» .
[1] في هامش الأصل الفلقة القطعة.