فهرس الكتاب

الصفحة 5507 من 11127

3654 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي ابن عبد الله بن جعفر، أبو جعفر الجعفيُّ البخاري المعروف بالمسنَدي، قال (أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ) هو عبدُ الملك بن عَمرو العقدي البصري، وقد مرَّ في «الإيمان» ، قال (أَخْبَرَنَا فُلَيْحٌ) بضم الفاء، هو ابنُ سليمان الخزاعي، وكان اسمه عبد الله، وفليح لقبه.

(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، القرشي التَّيمي المدني (عَنْ بُسْرِ) بضم الموحدة وسكون السين المهملة (ابْنِ سَعِيدٍ) مولى الحضرمي من أهل المدينة.

(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ) وفي رواية مالك عن أبي النَّضر الآتية في «الهجرة إلى المدينة» [خ¦3904] (( جلس على المنبر فقال ) ). وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما تلو حديثِ أبي سعيدٍ، في باب «الخَوْخة» ، من أوائل الصَّلاة في مرضه الذي مات فيه [خ¦467] .

ولمسلم من حديث جندب «سمعت النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يموتَ بخمسِ ليالٍ» (فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ) وفي لفظ مالك (( بين أن يُؤتيه من زهرةِ الدُّنيا ما شاءَ وبين ما عنده ) ) (فَاخْتَارَ ذَلِكَ الْعَبْدُ مَا عِنْدَ اللَّهِ، قَالَ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَعَجِبْنَا لِبُكَائِهِ أَنْ يُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَبْدٍ خُيِّرَ) وقع في رواية محمد بن سنان، في باب «الخوخة» المذكورة (( فقلت في نفسي ) ) [خ¦466] . وفي رواية مالك (( فقال انظروا إلى هذا الشَّيخ يُخبِر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن عبدٍ، وهو يقول فديناكَ ) )ويُجمَع بأنَّ أبا سعيد رضي الله عنه حدَّث في نفسه بذلك فنقلَ جميع ذلك.

(فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُخَيَّرُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَعْلَمَنَا) وفي رواية مالك (( وكان أبو بكر

ج 16 ص 214

هو أعلمنا به )) أي بالنَّبي صلى الله عليه وسلم أو بالمراد من الكلام المذكور، وكأنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه فهم الرَّمز الذي أشارَ به النَّبي صلى الله عليه وسلم من قرينةِ ذكره ذلك في مرضِ موتهِ، فإنَّه يشعرُ أنَّه أراد نفسه فلذلك بكى. وفي رواية محمد بن سنان (( فقالَ يا أبا بكرٍ لا تبكِ ) ).

(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ) كذا في رواية الأكثرين «أبا بكر» بالنصب على أنَّه اسم «إن» ، ويروى بالرفع، وقد قيل إنَّ الرفع خطأ، والصَّواب النَّصب؛ لأنَّه اسم «إن» .

ووجه الرفع بتقدير ضمير الشَّأن؛ أي إنَّه والجار والمجرور بعده خبرٌ مقدَّم، وأبو بكر مبتدأ مؤخَّر، وبأنَّ مجموع الكنية اسم فلا يُعرب ما وقع فيها من الأداة، كما يُقال على دين أبو طالب، ومذهب أبو حنيفة، ومررت بجبل أبو قُبيس.

وبأنَّ كلمة «إن» بمعنى نعم، وبأنَّ كلمة «من» زائدة على رأي الكسائي. وقال ابنُ بري يجوز الرفع إذا جعلت «من» صفة لمحذوفٍ تقديره إنَّ رجلًا أو إنسانًا من أمنِّ النَّاس، فيكون اسمُ «إنَّ» محذوفًا والجار والمجرور في موضع الصِّفة، وقوله «أبو بكر» ، الخبر. ثمَّ إنَّ قوله (( أمَنِّ ) )أفعل تفضيل من المنِّ بمعنى المسامحة والعطاء والبَذل، والمعنى إنَّ أبذلَ النَّاس لنفسهِ ومالهِ، لا من المنَّة التي تبطلُ الصنيعة.

وأغرب الدَّاودي فشرحه على أنَّه من المنَّة، وقال تقديره لو كان يتوجه لأحدٍ الامتنان على نبي الله صلى الله عليه وسلم لتوجَّه له، والأوَّل أولى.

وفي رواية في حديث الباب بدون كلمة «من» ، وهذا يوافقُ حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما بلفظ (( ليس أحدٌ من الناس أمنَّ عليَّ في نفسه وماله من أبي بكر ) ). وأمَّا الرِّواية التي فيها كلمة (( من ) )فإن قلنا زائدة فلا كلام، وإلَّا فتحمل على أنَّ المراد أنَّ لغيره مشاركة في الأفضليَّة، إلَّا أنَّه مقدَّم في ذلك بدليل ما تقدَّم من السِّياق وما تأخَّر.

ويؤيِّده ما رواه الترمذيُّ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( ما لأحد عندنا يدٌ إلَّا كافيناهُ عليها ما خلا أبا بكر رضي الله عنه

ج 16 ص 215

فإنَّ له عندنا يدًا يُكافئه الله بها يوم القيامة )) فإنَّ ذلك يدلُّ على ثبوتِ يدٍ لغيره إلَّا أنَّ لأبي بكر رجحانًا.

فالحاصل أنَّه حيث أطلق أرادَ أنَّه رجَّحهم في ذلك وحيث لم يُطلق أراد الإشارة إلى من يشاركه في شيءٍ من ذلك.

ووقع بيان ذلك في حديثٍ آخر لابن عبَّاس رضي الله عنهما رفعَه نحو حديث الترمذيِّ وزاد فيه (( أعتق بلالًا ) )أخرجه الطَّبراني. وعنه في طريق أُخرى (( ما أحدٌ أعظم عندي يدًا من أبي بكر واساني بنفسهِ ومالهِ وأنكحني ابنته ) )أخرجه الطَّبراني.

وفي حديث مالك بن دينار عن أنس رضي الله عنه رفعه (( إنَّ أعظمَ النَّاس علينا منًّا أبو بكر زوَّجني ابنته، وواساني بنفسِهِ، وإنَّ خيرَ النَّاس مالًا أبو بكر أعتقَ منه بلالًا، وحملني إلى دارِ الهجرة ) )أخرجَه ابن عساكر، وأخرج من رواية أبي حيَّان التَّيمي عن أبيهِ عن عليٍّ رضي الله عنه نحوه.

وجاء عن عائشةَ رضي الله عنها مقدارَ المال الذي أنفقَه أبو بكر رضي الله عنه، فروى ابن حبَّان من طريق هشام بن عروة عن أبيهِ عن عائشة رضي الله عنها قالت أنفقَ أبو بكر رضي الله عنه على النَّبي صلى الله عليه وسلم أربعين ألف درهم.

وروى الزُّبير بن بكَّار عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنَّه لما مات أبو بكر رضي الله عنه ما تركَ دينارًا ولا درهمًا.

(وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ) قال الدَّاودي لا يُنافي هذا قول أبي هريرة [خ¦1178] وأبي ذرٍّ [خ¦1408] وغيرهما رضي الله عنهم أخبرني خليلي صلى الله عليه وسلم. لأنَّ ذلك جائزٌ لهم ولا يجوزُ للواحدِ منهم أن يقول أنا خليل النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا يقال إبراهيم خليلُ الله، ولا يقال الله خليلُ إبراهيم عليه السلام.

واختلف في مَعنى الخلَّة واشتقاقها، فقيل الخليلُ المنقطعُ إلى الله تعالى الذي ليس في انقطاعهِ إليه ومحبَّته له اختلال. وقيل الخليلُ المختصُّ، واختار هذا القول غير واحدٍ، وقيل أصلُ الخلَّة الاستصفاء [1] ، وسمِّي إبراهيم خليل الله؛

ج 16 ص 216

لأنَّه يُوالي فيه ويُعادي فيه، وخلَّة الله له نصرُه وجَعْلُه إمامًا لمن بعده. وقيل الخليلُ أصله الفقير المحتاجُ المنقطعُ، مأخوذٌ من الخلَّة وهي الحاجةُ، فسمِّي إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام به؛ لأنَّه قصر حاجته على ربِّه وانقطعَ إليه بهَمِّه ولم يجعلْه قِبَل غيره.

وقال أبو بكر ابنُ فورك الخلَّة صفاءُ المودة التي توجبُ الاختصاص بتخلُّل الأسرار. وقيل أصل الخلَّة المحبَّة، ومعناها الإسعاف والإلطاف. وقيل الخليلُ من لا يتَّسع قلبه لسواه.

واختلفَ العلماءُ أرباب القلوب أيهما أرفع درجةً الخلَّة ودرجة المحبة؟ فجعلها بعضُهم سواء فلا يكون الحبيب إلَّا خليلًا ولا يكون الخليل إلَّا حبيبًا، لكنه خُصَّ إبراهيم عليه السلام بالخلَّة ومحمد صلى الله عليه وسلم بالمحبَّة، وبعضُهم قال درجةُ الخلَّة أرفع، واحتجَّ بقوله صلى الله عليه وسلم (( لو كنتُ متخذًا خليلًا غيرَ ربي ) )فلم يتَّخذه، وقد أطلقَ صلى الله عليه وسلم المحبَّة لفاطمة وابنيها وأسامة وغيرهم رضي الله عنهم.

وأكثرهم جعلوا درجةَ المحبَّة أرفع من الخلَّة؛ لأنَّ درجة الحبيب نبينا صلى الله عليه وسلم أرفع من درجة الخليل عليه الصلاة والسلام، وأصل المحبة الميل إلى ما يُوافق المحب، ولكن هذا في حقِّ من يصحُّ منه الميل والإيقاع بالوفق وهي درجةُ المخلوق.

وأمَّا الخالق عزَّ وجلَّ فمنزَّه عن الأغراض فمحبَّته لعبدهِ تمكينه من سعادتهِ وعصمتهِ وتوفيقه، وتهيئة أسباب القربِ، وإفاضة رحمتهِ عليه، وقصواها كشفُ الحُجُب عن قلبهِ حتَّى يراهُ بقلبه، وينظرَ إليه ببصيرتهِ، فيكون كما قال في الحديث (( فإذا أحببتُه كنت سمعه الذي يسمعُ به، وبصرَه الذي يُبصر به، ولسانه الذي يَنطق به ) ) [خ¦6502] أو [خ¦6502] .

ولا ينبغي أن يفهمَ من هذا سوى التَّجرد لله تعالى والانقطاع إليه والإعراض عن غيره، وصفاء القلب وإخلاص الحركات له.

ونقل ابنُ فورك عن بعضِ المتكلِّمين كلامًا في الفرق بين المحبَّة والخلَّة بكلام طويل.

ملخصه أنَّ الخليل يصل بالواسطة، من

ج 16 ص 217

قوله تعالى {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأنعام 57] والحبيب يصلُ لحبيبه به من قوله {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم 9] .

والخليل الذي تكون مغفرته في حدِّ الطَّمع من قوله {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء 28] والحبيبُ الذي مغفرته في حدِّ اليقين من قوله عزَّ وجلَّ {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح 2] .

والخليل قال {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ} [الشعراء 78] والحبيبُ قيل له {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ} [التحريم 8] فابتُدِئ بالبشارة قبل السؤال.

والخليلُ قال في المحبَّة {حَسْبِيَ اللَّهُ} [التوبة 129] والحبيب قيل له {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ} [الأنفال 46] .

والخليل قال {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ} [الشعراء 78] والحبيب قيل له {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح 4] أُعطِي بلا سؤال.

والخليل قال {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم 53] والحبيب قيل له {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} [الأحزاب 33] .

(وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلاَمِ وَمَوَدَّتُهُ) «أخوة الإسلام» مبتدأ وخبره محذوفٌ؛ أي حاصلة، ووقع في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما الآتي بعد باب «أفضل» [خ¦3657] ، وكذا أخرجه الطَّبراني عن خالد الحذَّاء بلفظ (( ولكن أخوة الإيمان والإسلام أفضل ) ).

وفيه إشكالٌ فإنَّ الخلَّة أفضلُ من أخوَّة الإسلام؛ لأنَّها تستلزمُ ذلك وزيادة، فقيل المرادُ أنَّ مودَّة الإسلام مع النَّبي صلى الله عليه وسلم أفضلُ من مودَّته مع غيره. وقيل أفضلُ من كلِّ أخوَّة ومودة لغير الإسلام. وقيل أفضلُ بمعنى فاضل.

ولا يُعكِّر على ذلك اشتراكُ جميع الصَّحابة في هذه الفضيلةِ؛ لأنَّ رُجحان أبي بكر رضي الله عنه عُرِفَ من غير ذلك، وأُخوَّة الإسلام ومودته متفاوتة بين المسلمين في نصر الدين وإعلاء كلمة الحقِّ، وتحصيل كثرة الثواب، ولأبي بكر رضي الله عنه من ذلك أعظمه وأكثره، والله تعالى أعلم.

ووقع في بعض الرِّوايات بغير الألف، فقال ابن بطَّال لا أعرفُ معنى هذه الكلمة، ولم أجدْ خوَّة بمعنى خلة، في كلام العرب، ولكن وجدتْ في بعض الرِّوايات، وهو الصَّواب.

وقال ابنُ التين لعلَّ الألف سقطتْ من الكاتب، فإنَّها ثابتة في سائر الرِّوايات. ووجهه ابن مالك بأنَّه نقل حركة الهمزة إلى النون فحذفت الألف، وجوز مع حذفها ضم نون «لكن» وسكونها، قال ولا يجوزُ مع إثبات الهمزة إلَّا سكون النون فقط، انتهى. وتعقَّبه العيني بأنَّ هذا توجيه لا يُوافق الأصول، وفيه أنَّه ثابت

ج 16 ص 218

في القراءات المتواترة «لكنُ» مع تحريك ما قبل الهمزة المحذوفة بحركتها.

وفي قوله (( لو كنت متخذًا خليلًا ... إلى آخره ) )منقبةٌ عظيمة لأبي بكر رضي الله عنه لم يُشاركه فيها أحد. ونقل ابن التِّين عن بعضهم أنَّ معنى قوله (( لو كنتُ متَّخذًا خليلًا ) )أي لو كنتُ أخصُّ أحدًا بشيءٍ من أمر الدِّين لخصصتُ أبا بكر رضي الله عنه. قال وفيه دَلالة على كذب الشِّيعة في دَعواهم أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان خَصَّ عليًا رضي الله عنه بأشياء من القرآن وأمور الدين لم يخص بها غيره، لكن الاستدلال بذلك متوقف على صحَّة التأويل المذكور وما أبعده.

(لاَ يَبْقَيَنَّ) بفتح أوله وبنون التأكيد، ورُوِي بالضم (فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ) وفي إضافة النَّهي إلى الباب تجوُّز؛ لأنَّ عدم بقائه لازمٌ للنَّهي عن إبقائه، فكان المعنى لا تبقوه حتى لا يبقى (إِلاَّ سُدَّ) بضم المهملة، وفي رواية مالك (( خوخة ) )بدل «باب» ، والخوخة طاقة في الجدار تُفتح لأجل الضَّوء، ولا يشترط علوها، وحيث يكون سفلي يمكن الاستطراق منها لاستقرابِ الوصول إلى مكان مطلوبٍ، وهو المقصود هنا، ولهذا أطلقَ عليه باب، وقيل لا يطلقُ عليها باب إلَّا إذا كانت تغلق.

(إِلاَّ بَابَ أَبِي بَكْرٍ) استثناء مفرَّغ، والمعنى لا تبقوا بابًا غير مسدودٍ إلَّا باب أبي بكر فاتركوهُ بغيرِ سدٍّ، وفي رواية الطَّبراني من حديث معاوية رضي الله عنه في آخر هذا الحديث (( فإنِّي رأيتُ عليه نورًا ) ).

فإن قلت روى أحمد والنَّسائي من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال أمرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بسدِّ الأبواب الشَّارعة في المسجدِ وتركَ باب علي رضي الله عنه. وإسناده قوي. وفي رواية الطَّبراني في «الأوسط» زيادة وهي (( فقالوا يا رسول الله سددتَ أبوابنا، فقال ما أنا سددتها، ولكن الله سدَّها ) ). ونحوه عن زيد بن أرقم أخرجه أحمد. وعن ابن عبَّاس أيضًا، فهذا يخالف حديث الباب.

قلت جمع بينهما بأنَّ المراد بالباب في حديث عليٍّ رضي الله عنه الباب الحقيقي، والذي في حديث أبي بكرٍ رضي الله عنه

ج 16 ص 219

يُراد به الخَوخة، كما صرَّح به في بعض طرقه، وقال الطَّحاوي في «مشكل الآثار» بيت أبي بكر رضي الله عنه كان له باب من خارج المسجدِ وخوخةُ إلى داخله، وبيت علي رضي الله عنه لم يكن له باب إلَّا من داخل المسجد.

قال العيني فلذلك لم يأذن النَّبي صلى الله عليه وسلم لأحدٍ أن يمرَّ من المسجد وهو جنبٌ إلَّا لعلي رضي الله عنه؛ لأنَّ بيته كان في المسجد، رواه إسماعيل القاضي في «أحكام القرآن» .

وقال الخطابي وابن بطَّال وغيرهما في هذا الحديث اختصاص ظاهر لأبي بكر رضي الله عنه. وفيه إشارة قويَّة إلى استحقاقهِ للخلافة، ولا سيَّما وقد ثبتَ أن ذلك كان في آخر حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي أمرهم فيه أن لا يؤمَّهم إلَّا أبو بكر رضي الله عنه، وقد ادَّعى بعضهم أنَّ الباب كناية عن الخلافةِ والأمر بالسدِّ كناية عن طلبها، كأنَّه قال لا يطلبن أحدٌ الخلافة إلَّا أبو بكر فإنَّه لا حرج عليه في طلبها.

وإلى هذا جنح ابن حبَّان فقال بعد أن أخرجَ هذا الحديث فيه دليلٌ على أنَّ الخلافةَ له بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه حَسَمَ بقوله (( سدُّوا عنِّي كلَّ خوخةٍ في المسجد ) )أطماعَ النَّاس كلِّهم عن أن يكونوا خلفاء بعده. وقوَّى بعضهم ذلك بأن منزل أبي بكر رضي الله عنه كان بالسُّنح من عَوالي المدينة، كما سيأتي قريبًا بعد باب [خ¦3667] ، فلا يكون له خوخة إلى المسجد، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّه لا يلزم من كون منزله كان بالسُّنح أن لا يكون له دار مجاورة المسجد، ومنزله الذي كان بالسُّنح هو منزلُ أصهاره من الأنصار.

وقد كان له إذ ذاك زوجة أُخرى، وهي أسماءُ بنت عُميس بالاتِّفاق وأم رُومان على القول بأنَّها كانت باقية يومئذٍ.

وقد ذكر عمرُ بن شبَّه في «أخبار المدينة» أنَّ دارَ أبي بكر رضي الله عنه التي أُذِنَ له في إبقاءِ الخوخةِ منها إلى المسجدِ كانت مُلاصقة للمسجدِ ولم يزل بيد أبي بكر رضي الله عنه حتى احتاجَ إلى شيءٍ يُعطيه لبعض من وفدَ عليه فباعَها فاشترتها منه حفصة أمُّ المؤمنين رضي الله عنها بأربعةِ آلاف درهم،

ج 16 ص 220

فلم تزلْ بيدها إلى أنْ أرادوا توسيعَ المسجد في خلافة عثمان رضي الله عنه فطلبوهَا منها ليوسعوا بها المسجد فامتنعت وقالت كيف بطريقي إلى المسجد؟ فقيل لها نعطيك دارًا أوسع، ونجعل لك طريقًا مثلها، فسلَّمت ورضيتْ.

وفي الحديث فضيلةٌ ظاهرةٌ لأبي بكر رضي الله عنه، وأنَّه كان متأهلًا لأن يتَّخذه النَّبي صلى الله عليه وسلم خليلًا لولا المانع المتقدِّم ذكره، ويُؤخذ منه أنَّ الخليل صفة خاصَّة تقتضِي عدم المشاركة فيها، وأنَّ المساجد تُصان عن التَّطرق إليها بغير ضَرورة مهمَّة والإشارة بالعلمِ الخاص لإنارةِ أفهام السَّامعين وتفاوت العلماء في الفهم، وأنَّ من كان أرفع في الفهم استحقَّ أن يُطلق عليه أعلم.

وفيه الترغيبُ في اختيار ما في الآخرة على ما في الدنيا. وفيه شكر المحسن والتَّنويه بفضلهِ والثَّناء عليه.

تذييل عن أنس رضي الله عنه قال جاءَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فدخلَ بستانًا وجاءَ آتٍ فدقَّ الباب، فقال (( يا أنسُ افتحْ له وبشِّره بالجنَّة وبشِّره الخلافة بعدِي ) )قال يا رسول الله أُعْلِمه؟ قال (( أَعْلِمه ) )فإذا أبو بكر رضي الله عنه فقلتُ أبشرْ بالجنَّة والخلافة من بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم قال ثمَّ جاء آتٍ فقال (( يا أنسُ افتحْ له وبشِّره بالجنَّة وبالخلافةِ من بعد أبي بكر رضي الله عنه ) )قلت أُعلِمه قال (( نعم ) )قال فخرجتُ فإذا عمر رضي الله عنه فبشَّرته ثمَّ جاء آتٍ فقال (( يا أنسُ افتحْ له وبشِّره بالجنَّة وبشره بالخلافة من بعد عمر وأنَّه مقتولٌ ) )، قال فخرجتُ فإذا عثمان رضي الله عنه قال فدخل إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال إنِّي والله ما تغنَّيت، ولا تمنَّيت [2] ، ولا مسستُ ذكرِي بيدٍ بايعتك. قال (( هو ذاك ) ) [3] . رواه أبو يَعلى الموصلي من حديث المختار بن فلفل عن أنس رضي الله عنه وقال هذا حديث حسنٌ.

[1] في هامش الأصل في نسخة الاستقصاء.

[2] في هامش الأصل ولا تمنيت؛ أي ما تكلَّمت بالباطل.

[3] في هامش الأصل وروي في الخبر أنَّ الإنسان إذا ركب دابَّة ولم يذكر الله صكَّ الشَّيطان في قفاهُ ويقول له تغنَّ فإن لم يحسن الغناء، يقول له تمنَّ؛ أي تكلم بالباطل. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت