327 - (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ) بضم الميم وسكون النون وكسر الذال المعجمة، الحِزامي، بكسر المهملة وبالزاي الخفيفة، نسبة إلى حزام أحد أجداده، وقد سبق في أول كتاب العلم [خ¦59] .
(قَالَ حَدَّثَنَا مَعْنٌ) بفتح الميم وسكون المهملة وبالنون، هو ابن عيسى القزَّاز بتشديد الزاي الأولى، وقد مرَّ في باب ما يقع من النجاسات في السمن [خ¦236] (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ذئب، بكسر المنَقَّطة وسكون التحتانية، السابق ذكره في باب حفظ العلم [خ¦119] .
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهري (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزبير (وَعَنْ عَمْرَةَ) بواو العطف كذا في رواية الأكثرين، وهو المحفوظ، وأن ابن شهاب رواه عن شيخين عن عروة وعن عمرة، وفي رواية بحذف الواو، فيكون من رواية عروة عن عمرة، وهي عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد الأنصارية، الثقة الحجة العالمة، ماتت سنة ثمان وتسعين (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) ، ورجال هذا الإسناد كلهم مدنيون، وقد أخرج متنه مسلم، والترمذي، والنسائي، وأبو داود في الطهارة، وقال صاحب (( التلويح ) ) (هذا حديث أخرجه الستة في كتبهم) .
(أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) هي بنت جَحْش، بفتح الجيم وسكون المهملة وبالمعجمة، أخت زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله عنهما، وهي مشهور بكنيتها، وقال الواقدي والحربي اسمها حبيبة، وكنيتها أم حبيب بغير هاء، ورجَّحه الدارقطني، والمشهور في الروايات الصحيحة أم حبيبة بإثبات الهاء، وكانت زوج عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، كما ثبت عند مسلم من رواية عمرو بن الحارث.
ووقع في (( الموطأ ) )عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة أن زينب بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف كانت تستحاض؛ الحديث، فقيل هو وهم، وقيل بل صواب، وأن اسمها زينب، وكنيتها أم حبيبة، وأما كون اسم أختها أم المؤمنين زينب، فإنه لم يكن اسمها الأصلي، وإنما كان اسمها بَرّة، فغيره النبي صلى الله عليه وسلم، فلعله سماها باسم أختها لكون أختها غلبت عليها الكنية فأمن اللبس، ولهما أخت أخرى اسمها حَمْنة، بفتح المهملة وسكون الميم وبالنون، وهي إحدى المستحاضات كما تقدَّم.
(اسْتُحِيضَتْ)
ج 2 ص 578
بصيغة المجهول (سَبْعَ سِنِينَ) جمع سنة على سبيل الشذوذ من وجهين
الأول أن شرط جمع السلامة أن يكون مفرده مذكرًا عاقلًا، وليست كذلك.
والآخر كَسْرِ أَوَّلِه والقياس فتحه، والمراد بقولها سبع سنين بيان مدة استحاضتها مع قطع النظر هل كانت المدةُ كلُّها قبل السؤال أو لا، فليس فيه حجة لابن القاسم في إسقاطه عن المستحاضة قضاء الصلاة إذا تَرَكَتْها ظَانَّة أن ذلك حيض؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالإعادة مع طول المدة، فتأمل.
(فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ) أي بالاغتسال، وفي رواية مسلم والإسماعيلي «فأمرها أن تغتسل وتصلي» .
(فَقَالَ هَذَا عِرْقٌ فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلاَةٍ) قيل هو من قول الراوي، ومعناه تغتسل من الذي كان يصيب الفرج، إذ المشهور من مذهب عائشة رضي الله عنها أنها كانت لا ترى الغسل لكلِّ صلاةٍ، يدلُّ على صِحَّة هذا قوله صلى الله عليه وسلم (( هذا عِرْق ) )؛ لأن دم العرق لا يوجب غسلًا، وقيل إنَّ هذا الحديثَ منسوخٌ بحديث فاطمة رضي الله عنها؛ لأن عائشة أفتت بحديث فاطمة بنت أبي حُبيش رضي الله عنهما بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وخالفت حديث أم حبيبة.
ولهذا قال أبو محمد الإشبيلي (حديث فاطمة رضي الله عنها أصح حديث يروى في الاستحاضة، ثمَّ إن الأمرَ بالاغتسال مطلق يحتمل الأمر بالاغتسال لكل صلاة، ويحتمل الاغتسال في الجملة، فلا يدل على التكرار قطعًا) .
وقال الشافعي رحمه الله إنما أمرها صلى الله عليه وسلم أن تغتسل وتصلي، وإنما كانت تغتسل لكل صلاة تطوعًا، وكذا قال الليث بن سعد في روايته عند مسلم لم يَذْكُرِ ابنُ شهاب أنه صلى الله عليه وسلم أمرها أن تغتسل لكل صلاة، ولكن شيء فعلته هي، وإلى هذا ذهب الجمهور، وقالوا لا يجب الغسل على المستحاضة لكل صلاة، لكن يجب عليها الوضوء لكل صلاة إلا المتحيرة.
ويؤيده ما رواه أبو داود من طريق عكرمة أن أم حبيبة استُحيضت فأمرها صلى الله عليه وسلم أن تنتظر أيام أقرائها، ثمَّ تغتسل وتصلي، فإن رأت شيئًا من ذلك توضأت وصلت، وأما ما وقع عند أبي داود من رواية سليمان بن كثير، ورواية عكرمة وابن إسحاق عن الزهري في هذا الحديث «فأمرها
ج 2 ص 579
بالغسل لكل صلاة»، فقد طعن الحفاظ في هذه الزيادة؛ لأن الأثبات من أصحاب الزهري لم يذكروها.
وقد تقدَّم أنه صرح الليث بأن الزهري لم يذكرها، لكن روى أبو داود من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن زينب بنت أبي سلمة في هذه القصة «فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة» ، فَيُجْمَلُ الأمرُ على النَّدْب جَمْعًا بين الروايتين.
وقال الخطابي هذا الخبر مختصر ليس فيه ذكر حال هذه المرأة، ولا بيان أمرها، وكيفية شأنها، وليس كل مستحاضة يجب عليها الاغتسال لكل صلاة، وإنما هو فيمن تبتلى وهي لا تميز دمها، أو كانت لها أيام فنسيتها، وموضعها، ووقتها، وعددها، فإذا كانت كذلك فإنها لا تدع شيئًا من الصلاة، وكان عليها أن تغتسل عند كل صلاة؛ لأنه يمكن أن يكون ذلك الوقت قد صادف زمان انقطاع دم الحيض، فالغسل عليها عند ذلك واجب، انتهى.
إذا عرفت هذا فما قاله الحافظ العسقلاني من أنه حمله الخطابي على أنها كانت متحيرة، وفيه نظر؛ لما تقدم من رواية عكرمة «أنه صلى الله عليه وسلم أمرها أن تنتظر أيام أقرائها» .
ولمسلم من طريق عراك بن مالك عن عروة في هذه القصة فقال لها (( امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ) )فغير سديد، إذ لم يحمله على ذلك كما لا يخفى عليك إذا نظرت في كلامه، والله أعلم.