فهرس الكتاب

الصفحة 5557 من 11127

3700 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة المنقري البصري، الذي يُقال له التَّبوذكي، قال (أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكُري (عَنْ حُصَيْنٍ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين وبالنون، ابن عبد الرحمن الكوفي (عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) هو الأوديُّ أبو عبد الله الكوفي أدرك الجاهلية، وروى عن جماعة من الصَّحابة رضي الله عنهم وكان بالشَّام، ثم سكن الكوفة.

وهذا الحديث بطولهِ قد رواهُ عن عَمرو بن مَيمون أبو إسحاق السَّبيعي، وروايته عند ابنِ أبي شيبة، والحارث، وابن سعد، وفي روايته زوائد ليست في رواية حصين. وروى بعض قصَّة مقتل عمر رضي الله عنه أيضًا أبو رافع، وروايتُه عند أبي يَعلى وابن حبَّان، ورواه جابر رضي الله عنه أيضًا وروايته عند ابنِ أبي عمر، ورواه أيضًا عبد الله بن عُمر رضي الله عنهما وروايته في «الأوسط» للطَّبراني، ورواه أيضًا معدان بن أبي طلحة وروايته عند مسلم، وعند كلٍّ منهم ما ليس عند الآخر، وسيُذكر ما فيها وفي غيرها من فائدةٍ زائدةٍ إن شاء الله تعالى.

(قَالَ) أي إنَّه قال (رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يُصَابَ بِأَيَّامٍ) أي قبل أن يقتلَ بأربعة أيام، كما سيأتي (بِالْمَدِينَةِ) أي بعد أن صدرَ من الحجِّ، وقد تقدَّم في «الجنائز» من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ ذلك لما رجع من الحجِّ [خ¦1287] ، وفيه قصَّة صُهيب، وتأتي في «الأحكام» بنحو ذلك [خ¦7207] ، وكان ذلك سنة ثلاث وعشرين بالاتفاق.

(وَوَقَفَ عَلَى حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ) وهو حذيفةُ بن حُسَيْل، ويقال حِسْل بن جابر، أبو عبد الله العَبْسي حليف بني الأشهل، صاحب سرِّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، واليمان لقب حُسيل، وإنما لقِّب به لأنَّه حالف اليمانية.

(وَعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ) بضم الحاء المهملة وفتح النون وفي آخره فاء، مصغرًا هو ابنُ وهب

ج 16 ص 311

الأنصاري الأوسي الصَّحابي رضي الله عنه، ولَّاه عمر رضي الله عنه مساحة سواد العراق، وكان حُذيفة رضي الله عنه واليًا على أهلها.

(فَقَالَ كَيْفَ فَعَلْتُمَا) أي قال عمر رضي الله عنه لحذيفة وعثمان بن حُنيف رضي الله عنهما كيف فعلتُما في أرض سوادِ العراق حين تولَّيتما مسحها (أَتَخَافَا) بحذف النون تخفيفًا، وذلك جائز بلا ناصب ولا جازمٍ، قاله الكرماني. ويروى بإثبات النون (أَنْ تَكُونَا) أي من كونكما (قَدْ حَمَّلْتُمَا الأَرْضَ) أي أرض العراق (مَا لاَ تُطِيقُ) أي حمله، وذلك لأنَّه كان بعثهمَا يضربان عليها الخَراج، وعلى أهلها الجزية، فسألهما هل فعلا ذلك على الإنصافِ؟ بيَّن ذلك أبو عبيدةَ في كتاب «الأموال» من رواية عَمرو بن ميمون (قَالاَ حَمَّلْنَاهَا أَمْرًا هِيَ) أي الأرض المذكورة (لَهُ) أي لما حملناها (مُطِيقَةٌ) يعني ما حَملناها شيئًا فوقَ طاقتها (مَا فِيهَا كَبِيرُ فَضْلٍ) وروى ابنُ أبي شيبة عن محمد بن فضيل عن حُصين بهذا الإسناد فقال حُذيفة رضي الله عنه لو شئت لأضعفتُ؛ أي جعلت خراجَها ضِعْفين. وروى من طريق الحكم عن عَمرو بن ميمون (( أنَّ عمر رضي الله عنه قال لعثمان بن حُنيف لئن زدتَ على كلِّ رأس درهمين، وعلى كلِّ جريب درهمًا وقفيزًا من طعامٍ لأطاقوا ذلك؟ قال نعم ) ).

فائدةٌ وقد وضع عمر رضي الله عنه لكلِّ جريب وهو ستون ذراعًا في ستين بذراع كسرى، وهو سبعُ قبضاتٍ، وذراعُ المساحةِ سبعُ قبضاتٍ وإصبعٌ قائمة، وعند الحساب أربع وعشرون إصبعًا وضعَ له صاعًا من برٍّ، أو شعير ودرهمًا.

ولجريب الرَّطبة خمسة دراهم. ولجريبِ الكرم، أو النَّخل متَّصلة ضعفُها. ولما سواهُ كزعفران وبستان فيها أشجارٌ مُتنوعة ما يُطيق.

وقد وضع على كلِّ كتابي ومجوسِي ووثَني عَجمي ظَهَرَ غناؤه بأنْ مَلَك عشرة آلاف درهم فصاعدًا لكلِّ سنة ثمانية وأربعين درهمًا يؤخذُ منه في كلِّ شهر أربعة دراهم وزن سبعة. وعلى متوسط

ج 16 ص 312

مَلَك مائتي درهم إلى عشرة آلاف نصفَها يُؤخذ في كلِّ شهرٍ درهمان. وعلى فقير لا يملك المائتين، ولكن يكسب ربعها؛ أي اثني عشر يُؤخذ منه في كلِّ شهرٍ درهم.

ولم يضعْ على وثني عربي فإن ظهرَ عليه فعرسه وطفلَه فيءٌ، ولا على مرتدٍّ فإنَّه لا يقبلُ منه [إلا] الإسلام، أو السيف، ولا على راهبٍ لا يُخالِط، ولا على صبيٍّ وامرأةٍ، ومملوكٍ، وأعمى، وزَمِنٍ، وفقيرٍ لا يكتسب وتفصيله في كتب الفروع.

(قَالَ) أي عمر رضي الله عنه (انْظُرَا أَنْ تَكُونَا حَمَّلْتُمَا الأَرْضَ مَا لاَ تُطِيقُ) أي في التَّحميل، ويجوز أن يكون هذا كناية عن الحذر لأنَّه يستلزم النَّظر (قَالاَ لاَ) ويروى أي قال عَمرو بن ميمون قال حذيفة وعثمان رضي الله عنهما ما حمَّلنا الأرضَ فوقَ طاقتها.

(فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِنَّ سَلَّمَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لأَدَعَنَّ أَرَامِلَ أَهْلِ الْعِرَاقِ لاَ يَحْتَجْنَ إِلَى رَجُلٍ بَعْدِي أَبَدًا، قَالَ فَمَا أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ رَابِعَةٌ) أي أربعة أيام، ويروى (( إلا رابعة ) )أي صبيحة رابعة (حَتَّى أُصِيبَ) أي حتى طعنَ بالسِّكين (قَالَ) أي عَمرو بن ميمون (إِنِّي لَقَائِمٌ) أي في الصِّف ننتظر صلاة الصَّبح (مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ) أي ليس بيني وبين عمر رضي الله عنه (إِلاَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) وفي رواية أبي إسحاق (( إلَّا رجلان ) ) (غَدَاةَ أُصِيبَ) نصب على الظَّرف مضاف إلى الجملة؛ أي صبيحة الطَّعن (وَكَانَ إِذَا مَرَّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، قَالَ اسْتَوُوا، حَتَّى إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِنَّ) أي في الصُّفوف. وفي رواية الكُشميهني أي في أهل الصُّفوف (خَلَلًا تَقَدَّمَ فَكَبَّرَ) وفي رواية الإسماعيليِّ من طريق جرير عن حُصين (( وكان إذا دخلَ المسجدَ وأقيمتِ الصَّلاة قام بين كلِّ صفَّين فقال استووا حتى لا يرى خللًا، ثم يتقدَّم ويكبر ) ). وفي رواية أبي إسحاق عن عَمرو بن ميمون شهدت عمر رضي الله عنه يوم طُعن فما مَنعني أن أكون في الصَّف المقدَّم إلَّا هيبته، وكان رجلًا مَهيبًا وكنت في الصَّف الذي يليه، وكان عمر رضي الله عنه لا يكبِّر

ج 16 ص 313

حتى يستقبلَ الصَّف المقدَّم بوجهه، فإنْ رأى رجلًا متقدِّمًا من الصَّف، أو متأخرًا ضربه بالدُّرة فذلك الذي مَنعني منه.

(وَرُبَّمَا قَرَأَ سُورَةَ يُوسُفَ _ أَوِ النَّحْلَ _) أي أو سورة النَّحل شكٌّ من الراوي (أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ، فَمَا هُوَ إِلاَّ أَنْ كَبَّرَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ قَتَلَنِي _ أَوْ أَكَلَنِي _) شكٌّ من الراوي (الْكَلْبُ، حِينَ طَعَنَهُ) أي ثلاث مرَّات، وأراد بالكلبِ العِلْجُ الذي طعنَه، وهو أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة واسمه فيروز [1] ، وفي رواية جرير (( فتقدَّم فما هو إلَّا أن كبَّر فطعنَه أبو لؤلؤة، فقال قتلنِي الكلب ) ). وفي رواية أبي إسحاق (( فعرض له أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة فناجَى عمر رضي الله عنه غير بعيدٍ، ثمَّ طعنَه ثلاث طعناتٍ فرأيتُ عمر رضي الله عنه قائلًا بيدهِ هكذا، يقول دونكُم الكلب فقد قتلني ) ).

وروى ابنُ سعد بإسناد صحيحٍ إلى الزّهري قال كان عمر رضي الله عنه لا يأذن لسبيٍ قد احتلم في دخول المدينة، حتى كتبَ المغيرةُ بن شعبة وهو على الكوفة يذكرُ له غلامًا عندَه صنعًا ويستأذنه أن يدخلَه المدينةَ، ويقول إنَّ عنده أعمالًا تنفعُ الناس إنَّه حدَّاد نقَّاش نجَّار، فأذن له فضربَ عليه المغيرة كلَّ شهر مائةً فشكا إلى عمر رضي الله عنه شدَّة الخراج، فقال ما خراجُك بكثير في جنبِ ما تعملُ، فانصرف ساخطًا، فلبثَ عمر رضي الله عنه ليالي فمرَّ به العبد، فقال ألم أحدَّث أنك تقول لو أشاءُ لصنعتُ رَحى تطحن بالريح فالتفتَ إليه عابسًا فقال لأصنعنَّ لك رَحى يتحدَّث النَّاس بها، فأقبلَ عمرُ رضي الله عنه على من معه، فقال توعَّدني العبدُ، فلبثَ ليالي، ثمَّ اشتمل على خنجرٍ ذي رأسين نصابه [في] وسطه، فكَمِنَ في زاوية من زوايا المسجد في الغلسِ حتى خرجَ عمر رضي الله عنه يوقظُ الناس الصَّلاةَ الصَّلاةَ، وكان عمر رضي الله عنه يفعلُ ذلك، فلمَّا دنا عمر منه وثب عليه فطعنَه ثلاث طعنات إحداهنَّ تحت السُّرة قد خرقت الصِّفاق وهي التي قتلته.

وفي حديث أبي رافع كان أبو لؤلؤة عبدًا للمغيرة وكان يستغِلُّه أربعة دراهم؛ أي كل يوم،

ج 16 ص 314

فلقي عمر رضي الله عنه فقال إنَّ المغيرةَ أثقل عليَّ، فقال اتَّق الله وأحسنْ إليه ومن نيِّة عمر رضي الله عنه أنَّه يلقى المغيرة فيكلِّمه فيخفِّف عنه، فقال العبد وسعَ النَّاس عدلَه غيرِي، فأضمرَ على قتله، فاصطنع خنجرًا له رأسان وشحذَهُ وسمَّه، فتحيَّن صلاة الغداةِ حتَّى قامَ عمر، فقال أقيمُوا صفوفكُم، فلمَّا كبَّر طعنَه في خاصرتهِ فسقطَ. وعند مسلم من طريق مَعدان بن أبي طَلْحة أنَّ عمر رضي الله عنه خطبَ فقال رأيت كأن ديكًا نقرني ثلاث نقراتٍ، ولا أُراه إلَّا حضورُ أجلي.

وفي رواية جويرية بن قُدامة عن عمر رضي الله عنه نحوه، وزاد (( فما مرَّ إلَّا تلك الجمعة حتى طعنَ ) )، وعند ابنِ سعد من رواية سعيدِ بن أبي هلال، قال بلغني أنَّ عمر رضي الله عنه ذكر نحوه، وزاد (( فحدَّثتها أسماء بنت عُميس فحدَّثتني أنَّه قال يقتُلني رجلٌ من الأعاجم ) ).

وروى عمر بن شبَّه في كتاب «المدينة» من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بإسنادٍ حسنٍ أنَّ عمر رضي الله عنه دخلَ بأبي لؤلؤة البيت ليصلحَ له ضبَّة، وقال له مُر المغيرة أن يضعَ عنِّي من خَراجي، قال (( إنَّك لتكسبُ كسبًا كثيرًا فاصبرْ ... ) )الحديث.

(فَطَارَ الْعِلْجُ) بكسر العين وسكون اللام وبالجيم، الرَّجل من كفَّار العجم [2] والبعير أيضًا (بِسِكِّينٍ ذَاتِ طَرَفَيْنِ، لاَ يَمُرُّ عَلَى أَحَدٍ يَمِينًا وَشِمَالًا إِلاَّ طَعَنَهُ، حَتَّى طَعَنَ ثَلاَثَةَ عَشَرَ رَجُلًا) وفي رواية أبي إسحاق (( اثني عشر رجلًا معه ) )، وهو ثالثُ عشر.

زاد ابنُ سعد من رواية إبراهيم التَّيمي عن عَمرو بن ميمون وعلى عُمر إزار أصفرُ قد رفعه على صدره فلمَّا طُعِنَ، قال وكان أمرُ الله قدرًا مقدورًا، وكانت هذه القصَّة في أربعٍ بقين من ذي الحجَّة سنة ثلاث وعشرين.

(مَاتَ مِنْهُمْ سَبْعَةٌ) أي سبعة أنفُس، وعاش الباقون. قال الحافظُ العسقلاني ووقفتُ من أسمائهم على كُلَيب بن بُكير اللَّيثي، وله ولأخوته عاقلٌ وعامرٌ وإياس صحبة.

وفي «جزء ابن الجهم» بالإسناد الصَّحيح إلى ابنِ عمر رضي الله عنهما أنَّه كان مع عمر صادرًا من الحجِّ فمرَّ بامرأةٍ فدفنها كُلَيب اللَّيثي فشكرَ له ذلك عمر رضي الله عنه وقال أرجو أن يدخلَه الله الجنَّة

ج 16 ص 315

قال فطعنَه أبو لؤلؤةَ لما طعنَ عمر رضي الله عنه فمات. وروى عبد الرَّزَّاق من طريق نافع نحوه. ومن طريق الزُّهري (( طعنَ أبو لؤلؤة اثني عشر رجلًا فماتَ منهم عمرُ رضي الله عنه وكُلَيب ) ).

وروى ابنُ أبي شيبة من طريق أبي سلمة ويحيى بن عبد الرَّحمن في قصَّة مقتل عمر رضي الله عنه (( فطعنَ أبو لؤلؤة كُلَيب بن بُكير فأجهزَ عليه ) ).

(فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، طَرَحَ عَلَيْهِ بُرْنُسًا) بضم الموحدة وسكون الراء وضم النون، قَلَنسوة طويلة، وقيل كساء يجعله الرَّجل في رأسه.

وقع في «ذيل الاستيعاب» لابن فتحون من طريق سعيدِ بن يحيى الأموي قال ثنا أبي حدَّثني من سمع حصين بن عبد الرَّحمن في هذه القصَّة قال فلمَّا رأى ذلك رجل من المهاجرين يُقال له حطَّان التَّميمي اليربوعي طرحَ عليه برنسًا.

وهذا أصحُّ ممَّا رواه ابنُ سعد بإسناد ضعيفٍ منقطعٍ، قال فطعنَ أبو لؤلؤة نفرًا فأخذَ أبا لؤلؤة رهط من قريش منهم عبد الله بن عوف، وهاشم بن عتبة الزُّهريان، ورجل من بني سهم وطرح عليه عبد الله بن عوف خميصةً كانت عليه، فإن ثبتَ هذا يحملُ على أنَّ الكلَّ اشتركوا في ذلك.

وروى ابنُ سعد عن الواقديِّ بإسناد آخر (( أنَّ عبد الله بن عوف المذكور احتزَّ رأس أبي لؤلؤة ) ).

(فَلَمَّا ظَنَّ الْعِلْجُ أَنَّهُ مَأْخُوْذٌ نَحَرَ نَفْسَهُ) وقال الكرمانيُّ رمى رجلٌ من أهل العراق برنسه عليه وبركَ على رأسه، فلما علم أنَّه لا يستطيع أن يتحرَّك قتل نفسه (وَتَنَاوَلَ عُمَرُ يَدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَدَّمَهُ) أي فقدَّم عمر عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنهما للصَّلاة بالناس، وقد كان ذلك بعد أن كبرَ عمر رضي الله عنه. وقال مالك قبل أن يدخلَ في الصَّلاة.

(فَمَنْ يَلِي عُمَرَ فَقَدْ رَأَى الَّذِي أَرَى، وَأَمَّا نَوَاحِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُمْ لاَ يَدْرُونَ غَيْرَ أَنَّهُمْ قَدْ فَقَدُوا صَوْتَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَهُمْ يَقُولُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ، فَصَلَّى بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوفٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ صَلاَةً خَفِيفَةً) في رواية أبي إسحاق (( بأقصر سورتين من القرآن {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر 1] ، و {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر 1] ) ).

وزاد في رواية ابن شهاب ثمَّ غلب عمر النَّزف حتى غُشِيَ عليه، فاحتملته في رهطٍ حتى أدخلته بيته، فلم يزلْ في غشيتهِ حتى أسفرَ فنظرَ في وجوهنا،

ج 16 ص 316

فقال أصلَّى الناس؟ فقلت نعم. فقال لا إسلام لمن تركَ الصَّلاة، ثمَّ توضأ وصلى.

وفي رواية ابن سعد من طريق ابن عمر رضي الله عنهما قال فتوضأ وصلَّى الصُّبح فقرأ في الأولى {وَالْعَصْرِ} ، وفي الثانية {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} قال وتساندَ إليَّ وجرحه يثعبُ دمًا إني لأضع إصبعِي الوسطى فما تسد الفتق.

(فَلَمَّا انْصَرَفُوا قَالَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، انْظُرْ مَنْ قَتَلَنِي) في رواية أبي إسحاق (( فقال عمر يا عبد الله بن عباس اخرجْ فنادِ في الناس أعنْ ملأٍ منكم كان هذا؟ فقالوا معاذَ الله ما علمنَا ولا اطلعنَا ) ).

(فَجَالَ سَاعَةً ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ غُلاَمُ الْمُغِيرَةِ بْنُ شُعْبَة قَالَ) أي قال عمر رضي الله عنه (الصَّنَعُ) أي أهو الصَّنع _ بفتح الصاد المهملة والنون _؛ أي الصَّانع. وقال الكرمانيُّ ويحتمل أن يكون مقصور الصَّانع كما قرأ النَّخعي وثلث وربع بقصر الألف منهما. وفي رواية ابنِ فُضَيل عن حُصين عند ابنِ أبي شيبة وابن سعد (( الصَّناع ) )بتخفيف النون. قال في «الفصيح» رجل صَنَعُ اليد واللِّسان، وامرأة صَنَاع اليد.

وحكى أبو زيد في «نوادره» الصَّنَاع والصَّنَعُ يقعان معًا على الرَّجل والمرأة، وكان هذا الغلام نجارًا، وقيل كان نحاتًا للأحجار، وكان مجوسيًا، وقيل نصرانيًا.

(قَالَ نَعَمْ، قَالَ قَاتَلَهُ اللَّهُ لَقَدْ أَمَرْتُ بِهِ مَعْرُوفًا) يعني أنَّه لم يَحِفْ عليه فيما أمره به، وذلك قصَّته معه في وضع خراجه، كما مرَّ (فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ مِيْتَتِي) بكسر الميم وسكون التحتية بعدها مثناة فوقية؛ أي قتلتي على هذا النَّوع فإنَّ الميتة على وزن الفِعلة _ بكسر الفاء _، ومن المعلوم أنَّ الفعلة بالكسر للنَّوع وبالفتح للمرَّة. وفي رواية الكُشميهني بفتح الميم وكسر النون وتشديد التحتية؛ أي موتي.

(بِيَدِ رَجُلٍ يَدَّعِي الإِسْلاَمَ) وفي رواية ابن شهاب (( فقال الحمدُ لله الذي لم يجعلْ قاتلي يحاجني عند الله بسجدةٍ سجدها له قطُّ ) )، ويُستفادُ من هذا أنُّ المسلم إذا قُتِل متعمِّدًا يُرجى له المغفرة خلافًا لمن قال من المعتزلة إنَّه لا يُغفر له أبدًا، وسيأتي بسط ذلك في «تفسير سورة النساء» شرح الحديث [خ¦4762] [خ¦4765] . وفي حديث جابر رضي الله عنه فقال عمرُ رضي الله عنه لا تعجلوا على الذي قتلنِي، فقيل إنَّه قتل نفسه فاسترجعَ عمر، فقيل له أبو لؤلؤة فقال الله أكبر.

(لَقَدْ كُنْتَ) ويروى (أَنْتَ وَأَبُوكَ) الخطاب

ج 16 ص 317

لابن عبَّاس رضي الله عنهما (تُحِبَّانِ أَنْ تَكْثُرَ الْعُلُوجُ بِالْمَدِينَةِ) وفي رواية ابنِ سعد من طريق محمد بنِ سيرين عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما فقال عمرُ رضي الله عنه هذا من عملِ أصحابك، كنتُ أريدُ أن لا يدخلها علجٌ من السَّبي فغلبتموني. وله من طريق أسلم مولى عمر رضي الله عنه قال قال عمر رضي الله عنه من أصابني؟ قالوا أبو لؤلؤة قال قد نهيتُكم أن تجلبوا علينا من علوجهم أحدًا فغصبتموني. وروى عمر بن شبَّه من طريق ابنِ سيرين قال بلغنِي أنَّ العبَّاس رضي الله عنه قال لعمر رضي الله عنه لما قال لا تُدخِلوا عليها من السَّبي إلَّا الوصفاء، إن عملَ المدينة شديدٌ لا يستقيم إلَّا بالعلوج.

(وَكَانَ العَبَّاسُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَكْثَرَهُمْ رَقِيقًا، فَقَالَ) أي ابن عبَّاس رضي الله عنهما (إِنْ شِئْتَ) خطاب لعمر رضي الله عنه (فعلتُ) بضم التاء، وقد فسَّره بقوله (أَيْ إِنْ شِئْتَ قَتَلْنَا؟) قال ابن التِّين إنما قال له ذلك لعلمه بأنَّ عمر رضي الله عنه لا يأمره بقتلهم (قَالَ) أي عمر رضي الله عنه (كَذَبْتَ) خطاب لابن عبَّاس رضي الله عنهما، وهذا على ما ألفوا من شدَّة عمر رضي الله عنه في الدِّين، وكان لا يُبالي من مثل هذا الخطاب وذلك لأنَّه فهم من ابن عبَّاس رضي الله عنهما من قوله إن شئتَ فعلنا؛ أي قتلناهُم فأجابه بذلك، وأهل الحجاز يقولون كذبت، في موضع أخطأت.

(بَعْدَ مَا تَكَلَّمُوا بِلِسَانِكُمْ، وَصَلَّوْا قِبْلَتَكُمْ، وَحَجُّوا حَجَّكُمْ) وإنما قال له ذلك بعد أن صلُّوا لعلمه أنَّ المسلم لا يحلُّ قتله، ولعلَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما إنما أراد قتل من لم يُسلم منهم (فَاحْتُمِلَ إِلَى بَيْتِهِ) أي قال عَمرو بن ميمون فبعد ذلك احتُمِلَ عمر رضي الله عنه إلى بيته (فَانْطَلَقْنَا مَعَهُ، وَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ تُصِبْهُمْ مُصِيبَةٌ قَبْلَ يَوْمَئِذٍ، فَقَائِلٌ يَقُولُ لاَ بَأْسَ، وَقَائِلٌ يَقُولُ أَخَافُ عَلَيْهِ، فَأُتِيَ بِنَبِيذٍ فَشَرِبَ) ويروى . وزاد في حديث أبي رافع لينظر ما قَدْرُ جرحه (فَخَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِلَبَنٍ فَشَرِبَ، فَخَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ) ويروى وهي رواية الكُشميهني وهي أصوب.

(فَعَرَفُوا أَنَّهُ مَيِّتٌ) وفي رواية أبي إسحاق (( فلمَّا أصبح دخلَ عليه الطَّبيب قال أي الشَّراب أحبُّ إليك؟ قال النَّبيذ، فدعا بنبيذٍ فشربَ فخرجَ من جُرحه، فقال

ج 16 ص 318

هذا صديدٌ ايتوني بلبنٍ فشربه فخرج من جرحهِ، فقال الطَّبيب أوصِ فإني لا أظنُّك إلَّا ميتًا من يومك، أو من غدٍ )) .

وفي حديث أبي رافع فخرجَ النَّبيذ فلم يُدَر أهو نبيذٌ أم دم، وفي روايته فقالوا لا بأسَ عليك يا أمير المؤمنين فقال إن يكن القتلُ بأسًا فقد قُتِلت.

وفي رواية ابنِ شهاب قال فأخبرني سالم قال سمعتُ ابن عمر رضي الله عنهما يقول قال عمر أرسلوا إلى طبيبٍ ينظر إلى جرحي، قال فأرسلوا إلى طبيبٍ من العرب، فسقاه نبيذًا فأشبه النَّبيذ بالدَّم حين خرج من الطَّعنة التي تحت السُّرة، قال فدعوتُ طبيبًا آخر من الأنصار فسقاهُ لبنًا فخرج اللَّبن من الطَّعنة أبيض، فقال اعهد يا أمير المؤمنين، فقال عمر رضي الله عنه صدَقني ولو قال غير ذلك لكذَّبته.

ثمَّ المراد بالنَّبيذ المذكور تمراتٍ كانوا ينتبذونها في ماءٍ؛ أي ينقعونهَا، كانوا يصنعونَ ذلك لاستعذابِ الماء من غير اشتدادٍ ولا إسكارٍ، وسيأتي بسطُ القول في ذلك في «الأشربة» [خ¦5591 وما بعده] .

(فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، وَجَاءَ النَّاسُ يُثْنُونَ عَلَيْهِ) وفي رواية الكُشميهني ووقع في حديث جابر رضي الله عنه عند ابنِ سعد من تسمية من أثنى عليه عبد الرَّحمن بن عوف، وأنَّه أجابه بنحو ما أجاب به غيره. وروى عمرُ بن شبَّه من طريق سليمان بن يسار أنَّ المغيرة رضي الله عنه أثنى عليه وقال له (( هنيئًا لك الجنَّة ) )، وأجابه بنحو ذلك.

وروى ابنُ أبي شيبة من طريق المسورِ بن مخرمة أنَّه ممَّن دخلَ على عمر رضي الله عنه حين طعنَ، وعند ابن سعد من طريق جُويرية بن قُدَامة فدخلَ عليه الصَّحابة، ثم أهل المدينة، ثم أهل الشَّام، ثم أهل العراق فكلَّما دخل عليه قوم بكوا وأثنوا عليه.

ووقع في رواية أبي إسحاق عند ابن سعد وأتاه كعب _ أي كعب الأحبار _ فقال ألم أقلْ لك إنَّك لا تموت إلَّا شهيدًا، وأنت تقول من أين وإني في جزيرة العرب.

(وَجَاءَ رَجُلٌ شَابٌّ) وفي رواية جرير عن حُصين السَّابقة في «الجنائز» [خ¦1392]

ج 16 ص 319

(( وولجَ عليه شابٌ من الأنصار ) )، وقد وقع في رواية سمَاك الحنفي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند ابنِ سعد أنَّه أثنى على عمر فقال له نحوًا ممَّا قال هنا للشَّاب فلولا قوله في هذه الرواية أنَّه من الأنصارِ لساغ أن يفسَّر المبهم بابن عبَّاس رضي الله عنهما، لكن لا مانعَ من تعدُّد المُثنِين عليه مع اتِّحاد جوابه، كما تقدَّم.

ويؤيِّده أيضًا أنَّ في قصَّة هذا الشَّاب أنَّه لما ذهب رأى عمر إزاره يصلُ إلى الأرض فأنكرَ عليه، ولم يقع ذلك في قصَّة ابن عباس رضي الله عنهما.

(فَقَالَ أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللَّهِ لَكَ مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدَمٍ) بفتح القاف وبكسرها، فالأول بمعنى الفضل، والثاني بمعنى السَّبق، ويُقال معناه بالفتح سابقة، ويقال لفلان قدم صدق؛ أي أثرة حسنة. وقال الجوهريُّ القدم السَّابقةُ في الأمر (فِي الإِسْلاَمِ مَا قَدْ عَلِمْتَ) قوله «ما قد علمت» ، في محلّ الرفع على الابتداءِ، وخبرُه مقدَّم وهو قوله (( لك ) ).

(ثُمَّ وَلَّيت فَعَدَلْتَ، ثُمَّ شَهَادَةٌ) بالرَّفع عطفًا على «ما قد علمتَ» ، وبالجرِّ عطفًا على «صحبة» ، ويجوز النَّصب على أنَّه مفعول مطلقٌ لفعل محذوف؛ أي ثمَّ استشهدت شهادة، ويجوز أن يكون منصوبًا على أنَّه مفعول به تقديره ثم رزقتُ شهادة والأوَّل أقوى. وقد وقعَ في رواية جرير (( ثمَّ الشَّهادة بعد هذا كله ) ).

(قَالَ) أي عمر رضي الله عنه (وَدِدْتُ) أي أحببت، أو تمنيتُ (أَنَّ ذَلِكَ كَفَافٌ) أي الذي جرى كَفَاف _ بفتح الكاف _ وهو الذي لا يَفضُل عن الشَّيء ويكون بقدر الحاجةِ، ويُقال معناه أنَّ ذلك مكفوفٌ على شرِّها، وقيل معناه لا ينال مني ولا أنالُ منه. ويروى بالنصب تقديره أنَّ ذلك حصل، أو كان كفافًا.

(لاَ عَلَيَّ وَلاَ لِي) أي سواء بسواء بحيث يكف الشَّر عني لا عقابه عليَّ ولا ثوابه لي، ويروى (فَلَمَّا أَدْبَرَ إِذَا إِزَارُهُ يَمَسُّ الأَرْضَ) كلمة «إذا» للمفاجأة (قَالَ) أي عمر رضي الله عنه (رُدُّوا عَلَيَّ الْغُلاَمَ، قَالَ ابْنَ أَخِي) أي في الإسلام (ارْفَعْ ثَوْبَكَ، فَإِنَّهُ أَنْقَى لِثَوْبِكَ) بالنون ثم القاف للأكثر، وبالموحدة بدل النون للكُشميهني (وَأَتْقَى لِرَبِّكَ) وفي إنكارهِ على الشَّاب

ج 16 ص 320

ما كان عليه من الصَّلابة في الدين، وأنَّه لم يشغلْه ما هو به من الموت عن الأمر بالمعروف. وقد أشارَ إلى ذلك ابنُ مسعود رضي الله عنه فروى عمر بن شبَّه من حديثه نحو هذه القصَّة وزاد قال عبدُ الله يرحمُ الله عمر لم يمنعْه ما كان فيه من قول الحقِّ.

(يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ انْظُرْ مَا عَلَيَّ مِنَ الدَّيْنِ، فَحَسَبُوهُ) بفتح السين، من الحساب (فَوَجَدُوهُ سِتَّةً وَثَمَانِينَ أَلْفًا أَوْ نَحْوَهُ) وفي حديث جابر رضي الله عنه ثمَّ قال يا عبدَ الله أقسمتُ عليك بحقِّ الله وحقِّ عمر إذا متُّ فدفنتني أن لا تغسلَ رأسَك حتى تبيعَ من رباع آل عمر بثمانين ألفًا فتضعَها في بيت مال المسلمين فسأله عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه فقال أنفقتُها في حججٍ حججتُها وفي نوائب كانت تنوبُني.

وعُرِفَ بهذا جهة دين عمر رضي الله عنه.

قال ابن التِّين قد عَلِم عمر رضي الله عنه أنَّه لا يلزمه غرامة ذلك، إلَّا أنَّه أراد أن لا يتعجَّل من عمله شيئًا في الدُّنيا.

(قَالَ إِنْ وَفَى لَهُ مَالُ آلِ عُمَرَ) كأنَّه يريد نفسَه، ومثله يقعُ في كلامهم كثيرًا فيكون لفظ (( آل ) )مقحمًا، ويحتمل أن يريدَ رهطه، ويؤيِّده قوله (فَأَدِّهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَإِلاَّ فَسَلْ فِي بَنِي عَدِيِّ) بفتح العين وكسر الدال المهملتين، وهو الجدُّ الأعلى لعمر رضي الله عنه أبو قبيلته، وهم العدويون (ابْنِ كَعْبٍ، فَإِنْ لَمْ تَفِ أَمْوَالُهُمْ فَسَلْ فِي قُرَيْشٍ) فبنو عدِي هم البطنُ الذي هو منهم، وقريش قبيلتهم (لاَ تَعْدُهُمْ) بسكون العين؛ أي لا تتجاوزهم (إِلَى غَيْرِهِمْ، فَأَدِّ عَنِّي هَذَا الْمَالَ) وقد أنكرَ نافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما أن يكون على عمر رضي الله عنه دينٌ، فروى عمر بن شبَّه في «كتاب المدينة» بإسناد صحيحٍ أن نافعًا قال من أين يكون على عمر رضي الله عنه دينٌ وقد باعَ رجل من ورثتهِ ميراثه بمائة ألف، انتهى.

وهذا لا ينبغي أن يكون عند مَوته عليه دينٌ، فقد يكون الشَّخص كثير المال، ولا يستلزم ذلك نفي الدين عنه، فلعلَّ نافعًا أنكرَ أن يكون دينه لم يُقضَ.

ج 16 ص 321

(انْطَلِقْ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، فَقُلْ يَقْرَأُ عَلَيْكِ عُمَرُ السَّلاَمَ، وَلاَ تَقُلْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنِّي لَسْتُ الْيَوْمَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَمِيرًا) قال ابن التِّين إنما قال ذلك عندما أيقنَ بالموت، إشارة بذلك إلى عائشة حتى لا تحابيهِ لكونه أمير المؤمنين.

(وَقُلْ يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ. فَسَلَّمَ وَاسْتَأْذَنَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَوَجَدَهَا قَاعِدَةً تَبْكِي، فَقَالَ يَقْرَأُ عَلَيْكِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ السَّلاَمَ، وَيَسْتَأْذِنُ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ، فَقَالَتْ كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي وَلأُوثِرَنَّ بِهِ) ويُروى (الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي) أي أختاره على نفسِي وأخصُّه بما سأله من الدَّفن عند النَّبي صلى الله عليه وسلم وأترك نفسي. استُدِلَّ به وباستئذانها أنها كانت تملك البيت.

وردَّ بأنَّ الواقع أنَّها كانت تملك منفعته بالسُّكنى فيه والإسكان إلى أن ماتت، ولا يُورث عنها، فلا يلزم منه التَّملك بطريقِ الإرث، وذلك لأنَّ حكم أزواج النَّبي صلى الله عليه وسلم كالمعتدات؛ لأنَّهن لا يتزوجنَ بعده صلى الله عليه وسلم، وكان النَّاس يصلون الجمعة في حُجَرِ أزواجه صلى الله عليه وسلم.

وقد تقدَّم شيءٌ من هذا في أواخر «الجنائز» [خ¦1391] [خ¦1392] ، وتقدَّم وجه الجمع بين قول عائشة رضي الله عنها (( ولأوثرنه على نفسي ) )وبين قولها لابن الزُّبير (( لا تدفني عندهم ) )باحتمال أن تكون ظنَّت أنَّه لم يبقَ هناك وسع، ثمَّ تبين لها إمكان ذلك بعد دفن عمر رضي الله عنه. ويحتمل أن يكون مرادها بقولها (( لأوثرنَّه على نفسِي ) )الإشارة إلى أنَّها لو أذنت في ذلك لامتنعَ عليها الدَّفن هناك لمكان عمر رضي الله عنه، لكونه أجنبيًا منها بخلاف أبيها وزوجها صلى الله عليه وسلم.

ولا يستلزمُ ذلك أن لا يكون في المكان سعة أم لا، ولهذا كانت تقول بعد أن دفنَ عمر رضي الله عنه (( لم أضعْ ثيابي عنِّي منذ دفن عُمر في بيتي ) )أخرجه ابنُ سعد وغيره.

وروي عنها في حديثٍ لا يثبت أنَّها استأذنت النَّبي صلى الله عليه وسلم إن عاشتْ رضي الله عنها بعده صلى الله عليه وسلم أن تدفنَ إلى جانبه فقال لها (( وأنَّى لك بذلك، وليس في ذلك

ج 16 ص 322

الموضع إلَّا قبري وقبر أبي بكر وعمر وعيسى ابن مريم )) .

وفي «أخبار المدينة» من وجهٍ ضعيفٍ عن سعيد بن المسيب قال إنَّ قبورَ الثَّلاثة في صفَّة بيت عائشة رضي الله عنها، وهناك موضعُ قبرٍ يدفنُ فيه عيسى عليه السلام.

(فَلَمَّا أَقْبَلَ، قِيلَ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَدْ جَاءَ. قَالَ ارْفَعُونِي) أي من الأرض كأنَّه كان مضطجعًا فأمرهم أن يقعدُوه (فَأَسْنَدَهُ رَجُلٌ إِلَيْهِ) قال الحافظُ العسقلاني لم أقف على اسمه، ويحتمل أنَّه ابن عبَّاس رضي الله عنهما. وتعقَّبه العيني بأنَّه إن كان مستند هذا القائل في الاحتمال المذكور كون ابن عباس رضي الله عنهما في القصَّة فلغيره أن يقول يحتمل أن يكون عَمرو بن ميمون لقوله فيما مضى فانطلقنا معه، فافهم.

(فَقَالَ مَا لَدَيْكَ؟ قَالَ الَّذِي تُحِبُّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَذِنَتْ) أي عائشة رضي الله عنها في الدَّفن (قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا كَانَ مِنْ شَيْءٍ أَهَمُّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ، فَإِذَا أَنَا قَضَيْتُ) على البناء للمفعول (فَاحْمِلُونِي، ثُمَّ سَلِّمْ، فَقُلْ يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) ذكر ابنُ سعد عن مَعن بن عيسى عن مالك أنَّ عمر رضي الله عنه كان يخشى أن تكون أذنت في حياتهِ حياءً منه، وأن ترجعَ عن ذلك بعد موته فأراد أن لا يكرهها على ذلك، وقد تقدَّم ما فيه في أواخر «الجنائز» [خ¦1392] .

(فَإِذَا أَذِنَتْ لِي فَأَدْخِلُونِي، وَإِنْ رَدَّتْنِي رُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ. وَجَاءَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ حَفْصَةُ) أي بنت عمر رضي الله عنهما (وَالنِّسَاءُ تَسِيرُ مَعَهَا، فَلَمَّا رَأَيْنَاهَا قُمْنَا، فَوَلَجَتْ عَلَيْهِ) أي دخلت على عمر رضي الله عنهما (فَمَكَثَتْ) ويروى (عِنْدَهُ سَاعَةً) وفي رواية الكُشميهني من البُكاء، وذكر ابنُ سعد بإسناد صحيحٍ عن المقدام بن معدي كرب أنَّها قالت يا صاحبَ رسول الله، يا صهرَ رسول الله، يا أميرَ المؤمنين [3] فقال عمر لا صبرَ لي على ما أسمع، أحرِّج عليك بما لي عليك من الحقِّ أن تندبينني بعد مجلسك هذا، فأمَّا عينيك فلن أملكَهما.

(وَاسْتَأْذَنَ الرِّجَالُ، فَوَلَجَتْ) أي دخلت حفصة رضي الله عنها (دَاخِلًا لَهُمْ) على وزن فاعل؛ أي مدخلًا كان في الدَّار لأهلها(فَسَمِعْنَا

ج 16 ص 323

بُكَاءَهَا مِنَ الدَّاخِلِ، فَقَالُوا أَوْصِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اسْتَخْلِفْ)سيأتي في «الأحكام» [خ¦7218] أنَّ الذي قال له ذلك هو عبدُ الله بن عمر رضي الله عنهما.

وروى عمر بن شبَّه بإسناد فيه انقطاع أنَّ أسلم مولى عمر رضي الله عنه قال لعمر رضي الله عنه حين وقف لم يولِّ أحدًا بعدَه يا أمير المؤمنين ما يمنعك أن تصنعَ كما صنعَ أبو بكر رضي الله عنه، ويحتملُ أن يكون ذلك قبل أن يطعنَه أبو لؤلؤة فقد روى مسلم من طريق مَعدان بن أبي طَلحة أنَّ عمر رضي الله عنه قال في خطبته قبل أن يُطعن إنَّ أقوامًا يأمرونَني أن أستخلفَ.

(قَالَ مَا أَحدٌ أَحَقَّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ هَؤُلاَءِ النَّفَرِ، أَوِ الرَّهْطِ) شكٌّ من الراوي (الَّذِينَ تُوُفِّي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهْوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، فَسَمَّى عَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَالزُّبَيْرَ وَطَلْحَةَ وَسَعْدًا) هو سعد بن أبي وقاص (وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ) أي ابن عوف رضي الله عنهم.

وقد وقعَ عند ابنِ سعد من رواية ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه ذكر عبد الرَّحمن بن عوف وعثمان وعليًا، وفيه قلت لسالم أبدأ بعبد الرَّحمن قبلهما؟ قال نعم.

فدلَّ هذا على أنَّ الرُّواة تصرفوا؛ لأنَّ الواو لا ترتب، واقتصار عمر رضي الله عنه على الستَّة من العشرة لا إشكال فيه؛ لأنَّه منهم، وكذا أبو بكر رضي الله عنه ومنهم أبو عُبيدة وقد مات قبل ذلك رضي الله عنه وأمَّا سعيد بن زيدٍ فهو ابنُ ابن عم عمر رضي الله عنه فلم يُسمِّه عمر رضي الله عنه فيهم مبالغة في التَّبري من الأمر.

وقد صرَّح في رواية المدائني بأسانيده أنَّ عمر رضي الله عنه عدَّ سعيد بن زيد فيمن توفِّي النَّبي صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، إلَّا أنه استثناهُ من أهل الشُّورى لقرابته منه. وقال الكرماني وتبعَه العينيُّ ولعلَّه لم يره أهلًا لها بسبب من الأسباب، والله أعلم بذلك.

(وَقَالَ يَشْهَدُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) أي يحضركم (وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ) إنما قال هذا مع أهليَّته؛ لأنَّه رأى غيره آهل منه، ووقعَ في رواية الطَّبري من طريق المدائني بأسانيده، قال فقال له رجل استخلفْ عبد الله بن عمر قال والله ما أردتَ [الله]

ج 16 ص 324

بهذا، لا أربَ لي في أموركُم، فأرغبُ فيها لرجلٍ من أهلي.

(كَهَيْئَةِ التَّعْزِيَةِ لَهُ) قال الكرمانيُّ هذا كلام الرَّاوي لا كلام عمر رضي الله عنه. وقال الحافظُ العسقلاني لم أعرفْ من أين تهيَّأ له الجزمُ بذلك مع الاحتمال. وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لم يُبيِّن وجه الاحتمال ما هو، ولا ثمَّة في كلامه ما يدلُّ على الجزم، انتهى.

وأنت خبيرٌ بأنَّ كلامه على الجزمِ حيث قال «قوله كهيئةِ التَّعزية» كلام الرَّاوي لا كلام عمر رضي الله عنه.

(فَإِنْ أَصَابَتِ الإِمْرَةُ) بكسر الهمزة، وفي رواية الكُشميهني (سَعْدًا) يعني هو محلُّه وأهل له (وَإِلاَّ) أي وإن لم تُصِب الإمرة سعدًا (فَلْيَسْتَعِنْ بِهِ) أي بسعد (أَيُّكُمْ) فاعل (( فليستعن ) ) (مَا أُمِّرَ) على البناء للمفعول من التَّأمير. قال العينيُّ أي ما دام أميرًا، وأظنُّ أنَّ كلمة (( ما ) )زائدة و (( أُمِّر ) )صلة «أي» (فَإِنِّي لَمْ أَعْزِلْهُ) أي لم أعزل سعدًا عن الكوفة (مِنْ عَجْزٍ) ويُروى أي عن التَّصرف.

(وَلاَ خِيَانَةٍ) في المال، فإنَّه قوي أمينٌ، وزاد المدائنيُّ وما أظنُّ أن يلي هذا الأمر إلَّا علي أو عثمان، فإن وليَ عثمان فرجلٌ فيه لينٌ، وإن ولي عليٌّ فسيختلفُ عليه الناس، وإن ولي سعد وإلَّا فليستعن به الوالي، ثمَّ قال لأبي طلحة إنَّ الله قد نصرَ بكم الإسلام فاخترْ خمسين رجلًا من الأنصار، واستحثَّ هؤلاء الرَّهط حتى يختاروا رجلًا.

(وَقَالَ) أي عمر رضي الله عنه (أُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي) وفي رواية أبي إسحاق عن عَمرو بن ميمون فقال ادعوا لي عليًا وعثمان وعبد الرحمن وسعدًا والزُّبير، وكان طلحة غائبًا قال فلم يكلِّم أحدًا منهم غير عثمان وعلي رضي الله عنهم فقال يا علي لعلَّ هؤلاء القوم يعلمون لك حقَّك وقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصهرك، وما آتاكَ الله من الفقه والعلم، فإن وليت هذا الأمر فاتَّق الله فيه، ثمَّ دعا عثمان، فقال يا عثمان، فذكر له نحو ذلك.

ج 16 ص 325

ووقع في رواية إسرائيل عن أبي إسحاق في قصَّة عثمان رضي الله عنه فإن ولَّوك هذا الأمر فاتَّقِ الله ولا تحملن بني أبي مُعيط على رقاب النَّاس، ثمَّ قال ادعوا لي صهيبًا فدُعِيَ له، فقال صلِّ بالناس ثلاثًا، وليَخْلُ هؤلاء القوم في بيت، فإذا اجتمعوا على رجلٍ فمن خالفَ فاضربوا عُنقه، فلمَّا خرجوا من عندهِ قال إن يولوها الأجلحَ يسلك بهم الطَّريق، فقال له ابنه ما يمنعُك يا أمير المؤمنين منه؟ قال أكرَه أن أتحمَّلها حيًا وميتًا، وقد اشتملَ هذا الفصل على فوائد عديدة.

وله شاهد من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أخرجه ابنُ سعد بإسناد صحيحٍ قال دخل الرَّهط على عمر رضي الله عنه فنظرَ إليهم فقال إنّي قد نظرتُ في أمر الناس فلم أجدْ عند الناس شقاقًا فإن كان فهو فيكم، وإنما الأمرُ إليكم وكان طلحة يومئذٍ غائبًا في أمواله، قال وإن قومكُم لا يؤمِّرون إلَّا أحد الثلاثة عبد الرحمن، وعثمان، وعلي، فمن ولي منكم فلا يحمل قرابته على رقابِ النَّاس قوموا فتشاوروا، ثمَّ قال عمر رضي الله عنه أمهلوا فإن حدث لي حدثٌ، فليصلِّ لكم صُهيب ثلاثًا، فمن تأمَّر منكم على غير مشورةٍ من المسلمين فاضربوا عُنقه.

(بِالْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ) قال الشَّعبي هم من أدرك بيعة الرُّضوان. وقال سعيدُ بن المسيب من صلَّى القبلتين (أَنْ يَعْرِفَ) بفتح الهمزة؛ أي بأن يعرف (لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَيَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ، وَأُوصِيهِ بِالأَنْصَارِ خَيْرًا، الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ) أي سكنوا المدينة قبل الهجرة. وقال المفسِّرون المراد بالدَّار دار الهجرة نزلها الأنصار قبل المهاجرين، وابتنوا المساجدَ قبل قُدوم النَّبي صلى الله عليه وسلم بسنتين.

(وَالإِيمَانَ) فيه إضمارٌ؛ أي وآثروا الإيمان، من باب علفتها تبنًا وماء باردًا؛ لأنَّ الإيمان ليس بمكان فيتبوأ فيه، والتَّبوء التَّمكن والاستقرار.

ج 16 ص 326

وقال الحافظُ العسقلاني ذكر بعضهم أنَّه من أسماء المدينة وهو بعيدٌ، والرَّاجح أنَّه ضَمَّن تبوأ معنى لزم، أو عامل نصبه محذوفٌ تقديره واعتقدوا، أو أنَّ الإيمان لشدَّة ثبوته يبوئهم كأنَّه أحاط بهم فكأنهم نزلوه، والله تعالى أعلم.

(مِنْ قَبْلِهِمْ) وليس المراد أنَّ الأنصار آمنوا قبل المهاجرين، بل قبل مجيء النَّبي صلى الله عليه وسلم إليهم (أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَأَنْ يُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَأُوصِيهِ بِأَهْلِ الأَمْصَارِ خَيْرًا، فَإِنَّهُمْ رِدْءُ الإِسْلاَمِ) بكسر الراء؛ أي عون الإسلام الذي يدفع عنه (وَجُبَاةُ الْمَالِ) بضم الجيم وتخفيف الموحدة، جمع جابي، كالقضاة جمع قاضي، وهم الذين كانوا يجبونَ الأموال؛ أي يجمعونها (وَغَيْظُ الْعَدُوِّ) أي يغيظون العدو بكثرتهم وقوتهم (وَأَنْ لاَ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ إِلاَّ فَضْلُهُمْ) أي إلَّا ما فضل عنهم (عَنْ رِضَاهُمْ) وفي رواية الكُشميهني ، والأوَّل هو الصَّواب (وَأُوصِيهِ بِالأَعْرَابِ خَيْرًا، فَإِنَّهُمْ أَصْلُ الْعَرَبِ، وَمَادَّةُ الإِسْلاَمِ، أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ حَوَاشِي أَمْوَالِهِمْ) أي التي ليست بخيار ولا كرام (وَتُرَدَّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ، وَذِمَّةِ رَسُولِهِ) المراد به أهل الذِّمَّة (أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ) يعني إذا قصدهم عدو لهم يقاتلون لدفعهم عنهم مضرتهم (وَلاَ يُكَلَّفُوا إِلاَّ طَاقَتَهُمْ) أي من الجزية، وقد استوفى عمر رضي الله عنه في وصية جميع الطَّوائف؛ لأنَّ الناس إمَّا مسلم، أو كافرٌ، والكافر إمَّا حربي ولا يُوصَى به، وإمَّا ذمِّي وقد ذكره، والمسلم إمَّا مهاجري أو أنصاري أو غيرهما، وكلهم إمَّا بدوي، أو حضري [4] وقد بين الجميع رضي الله عنه وأرضاه.

ووقع في رواية المدَائني من الزِّيادة (( وأحسنوا مؤازرةَ من يلي أمركُم وأعينوه وأدُّوا إليه الأمانة ) ).

(فَلَمَّا قُبِضَ خَرَجْنَا فَانْطَلَقْنَا) وفي رواية

ج 16 ص 327

الكُشميهني أي رجعنا (نَمْشِي، فَسَلَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) أي على عائشة رضي الله عنها (قَالَ يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَتْ أَدْخِلُوهُ) بفتح الهمزة، من الإدخال (فَأُدْخِلَ) على البناء للمفعول، وكذلك قوله (فَوُضِعَ هُنَالِكَ) أي في بيت عائشة رضي الله عنها (مَعَ صَاحِبَيْهِ) عند قبر النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقبر أبي بكر رضي الله عنه.

واختلف في صفةِ القبور الثَّلاثة المكرَّمة شرَّفنا الله تعالى بزيارتها، والأكثرون على أنَّ قبرَ أبي بكر وراء قبرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبر عمر رضي الله عنه وراء قبرِ أبي بكر رضي الله عنه، وقيل إنَّ قبره صلى الله عليه وسلم مُقدَّم إلى القبلة، وقبر أبي بكر رضي الله عنه حذاءَ منكبيه، وقبر عمر رضي الله عنه حذاءَ منكبي أبي بكر رضي الله عنه. وقيل قبر أبي بكر رضي الله عنه عند رأس النبي صلى الله عليه وسلم، وقبر عمر رضي الله عنه عند رجليه. وقيل قبر أبي بكر رضي الله عنه عند رجلي النبي صلى الله عليه وسلم، وقبر عمر رضي الله عنه عند رجلي أبي بكر رضي الله عنه، وقيل غير ذلك.

(فَلَمَّا فُرِغَ) على البناء للمفعول (مِنْ دَفْنِهِ اجْتَمَعَ هَؤُلاَءِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) هو ابنُ عوف رضي الله عنه (اجْعَلُوا أَمْرَكُمْ إِلَى ثَلاَثَةٍ مِنْكُمْ) أي في الاختيار ليقلَّ الاختلاف، كذا قال ابن التين وفيه نظر، وصرَّح المدائني في روايته بخلاف ما قال (فَقَالَ الزُّبَيْرُ) أي ابن العوام رضي الله عنه (قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ طَلْحَةُ) رضي الله عنه (قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عُثْمَانَ) وفيه دَلالة على أنَّ طلحة رضي الله عنه حضرَ بعد أن مات عمر رضي الله عنه، وقبل أن يتمَّ أمر الشُّورى، وهذا أصحُّ ممَّا رواه المدَائني أنَّه لم يحضر إلَّا بعد أن بُويع عثمان رضي الله عنه.

(وَقَالَ سَعْدٌ) أي ابن وقاص رضي الله عنه (قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابن عوف رضي الله عنه (فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَيُّكُمَا تَبَرَّأَ مِنْ هَذَا الأَمْرِ، فَنَجْعَلُهُ إِلَيْهِ وَاللَّهُ عَلَيْهِ وَالإِسْلاَمُ)

ج 16 ص 328

بالرفع فيهما؛ لأنَّ لفظ الجلالة مرفوع بالابتداء، وقوله (( عليه ) )خبره ومتعلَّقه محذوفٌ؛ أي والله رقيبٌ عليه و «الإسلام» عطف عليه، والمعنى والإسلام كذلك.

(لَيَنْظُرَنَّ) بلفظ الأمر للغائب (أَفْضَلَهُمْ) بنصب اللام (فِي نَفْسِهِ) أي في معتقدِهِ؛ أي ليتفكَّر كلُّ واحدٍ منهما أيُّهما أفضلُ في معتقده كذا قيل، والظَّاهر أن يُقال ليتفكَّر كلُّ واحدٍ منهم أيُّهم أفضلُ في نفسه. ويُروى بفتح اللام جوابًا للقسم المقدَّر. وقال الكرمانيُّ وفي بعضها بلفظ المجهول؛ أي وبرفع . وزاد المدَائني في روايته فقال عثمان أنا أوَّل من رضيَ، وقال عليٌّ أعطني موثقًا لتؤثرنَّ الحقَّ ولا تخصَّ ذا رحم، فقال نعم، ثم قال أَعْطوني مواثيقكُم أن تكونوا على من خالف.

(فَأُسْكتَ) بفتح الهمزة بمعنى سكت، ويروى بضم الهمزة على البناء للمفعول كأن مسكتًا أسكتهما (الشَّيْخَانِ) أي عثمان وعلي رضي الله عنهما (فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَفَتَجْعَلُونَهُ) أي أمر الولاية (إِلَيَّ وَاللَّهُ عَلَيَّ) أي والله رقيبٌ علي وشاهد (أَنْ لاَ آلُوَ عَنْ أَفْضَلِكُمْ) أي في أن لا أقصر عن أفضلكم (قَالُوا نَعَمْ، قَالَ) أي عَمرو بن ميمون (فَأَخَذَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا) هو عليٌّ رضي الله عنه يدل عليه بقية الكلام، ووقع مصرَّحًا به في رواية ابن فُضيل عن حُصين (فَقَالَ لَكَ قَرَابَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقدَمُ) بكسر القاف وفتحها (فِي الإِسْلاَمِ مَا قَدْ عَلِمْتَ) وصفٌ، أو بدل القدم، وزاد المدائني أنَّه قال له أرأيتَ لو صُرف هذا الأمر عنكَ فلم تحضُرْ، مَن كنتَ ترى أحقَّ بها من هؤلاء الرَّهط؟ قال عثمان.

(فَاللَّهُ عَلَيْكَ لَئِنْ أَمَّرْتُكَ) بتشديد الميم (لَتَعْدِلَنَّ وَلَئِنْ أَمَّرْتُ عُثْمَانَ لَتَسْمَعَنَّ وَلَتُطِيعَنَّ. ثُمَّ خَلاَ بِالآخَرِ) وهو عثمان رضي الله عنه (فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ) زاد المدَائني أنَّه قال له كما قال لعلي، وزاد فيه أن سعدًا أشار عليه بعثمان وأنَّه دار تلك اللَّيالي كلها على الصَّحابة، ومن وافى المدينة من أشراف النَّاس لا يخلو برجلٍ منهم إلَّا أمره بعثمان رضي الله عنه.

(فَلَمَّا أَخَذَ الْمِيثَاقَ قَالَ ارْفَعْ يَدَكَ يَا عُثْمَانُ، فَبَايَعَهُ، فَبَايَعَ لَهُ

ج 16 ص 329

عَلِيٌّ، وَوَلَجَ) أي ودخل (أَهْلُ الدَّارِ) أي أهل المدينة (فَبَايَعُوهُ) وقد أورد البخاريُّ قصَّة الشُّورى في «كتاب الأحكام» من رواية حميد بن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه عن المسور بن مخرمة وساقها أتم ممَّا هنا [خ¦7207] .

وفي قصَّة عمر رضي الله عنه هذه من الفوائد شفقته على المسلمين، ونصيحته لهم، وإقامة السُّنة فيهم، وشدَّة خوفه من ربِّه، واهتمامه بأمر الدِّين أكثر من اهتمامه بأمرِ نفسه، وأنَّ النَّهي عن المدح في الوجه مخصوصٌ بما إذا كان فيه إفراط، أو كذبٌ ظاهرٌ، ومن ثمَّة لم ينْهَ عمر رضي الله عنه الشَّاب عن مدحه له مع كونه أمره بتشميرِ إزاره.

والوصيَّة بأداء الدَّين والاعتناء بالدَّفن عند أهل الخير، والمشورة في نصبِ الإمام وتقديمِ الأفضل، وأنَّ الإمامة تنعقدُ بالبيعة وغير ذلك ممَّا هو ظاهرٌ بالتَّأمل، والله الموفق.

وقال ابن بطَّال فيه دليلٌ على جواز توليةِ المفضول مع وجود الأفضل منه؛ لأنَّ ذلك لو لم يجز لم يجعل عمر رضي الله عنه الأمر شورى إلى ستَّة أنفس مع علمه بأنَّ بعضهم أفضل من بعض، قال ويدلُّ على ذلك أيضًا قول أبي بكر رضي الله عنه قد رضيت لكم أحد الرَّجلين عمر وأبي عبيدة، مع علمه بأنَّه أفضل منهما.

وفي هذه القصَّة أيضًا الملازمة بالأمر بالمعروف على كلِّ حال، وإقامة السُّنة في تسوية الصُّفوف، والاحتراز من تثقيل الخَراج والجزية وترك ما لا يُطاق.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ.

[1] في هامش الأصل وقال الكرماني قصته أن عمر رضي الله عنه كان يمر بالسوق فلقيه أبو لؤلؤة، فقال ألا تكلِّم مَولاي يضع عنِّي من خراجي، قال كم خراجك؟ قال دينار، قال ما أرى أن أفعلَ إنَّك لعامل تحسنُ وما هذا بكثيرٍ، ثمَّ قال له عمر ألا تعمل لي رحى؟ قال بلى، فلمَّا ولى عمر رضي الله عنه قال لأعملنَّ لك رَحى يتحدَّث بها ما بين المشرق والمغرب. منه.

[2] في هامش الأصل في نسخة من كبار العجم.

[3] قوله يا أمير المؤمنين مقدم على قوله يا صهر رسول الله في الأصل وجعل عليها علامتي التقديم والتأخير.

[4] في هامش الأصل في نسخة إما وبري وإما مدري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت