فهرس الكتاب

الصفحة 5567 من 11127

3708 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) أبو مصعب القرشي الزُّهري، واسم أبي بكر القاسم بن الحارث بن زُرَارة بن مصعب بن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه، قال (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) هو محمدُ بن عبد الرَّحمن بن أبي ذئب (عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ) أي من الرِّواية عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقد تقدَّم مثله في «العلمِ» عن أبي هريرة رضي الله عنه، لكنَّه أجاب بأنَّه لولا آية من كتابِ الله ما حدَّثت [خ¦118] ، وأشار بذلك إلى مثل قول ابن عمر رضي الله عنهما لما ذُكِر له أنَّه يروي في حديث (( من صلَّى على جنازةٍ فله قيراطٌ ) )أكثر أبو هريرة [خ¦1323] .

وقد تقدَّم بيان ذلك في «كتاب الجنائز» ، واعتراف ابن عمر رضي الله عنهما بعد ذلك له بالحفظ. وروى البخاري في «التاريخ» وأبو يَعلى بإسناد حسنٍ من طريق مالك بن أبي عامر قال كنت عند طلحةَ بن عبيد الله، فقيل له ما ندرِي هذا اليماني أعلمُ برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم، أو هو يقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل…قال فقال والله ما نشكُّ أنَّه سمع ما لم نسمعْ، وعلم ما لم نعلم، إنَّا كنَّا أقوامًا لنا بيوتات وأهلون وكنَّا نأتي النَّبي صلى الله عليه وسلم طرفي النَّهار ثمَّ نرجعُ، وكان أبو هريرة مسكينًا لا مالَ له ولا أهل، إنما كانت يده مع يدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يدورُ معه حيث ما دارَ، فما نشكُّ أنَّه سمعَ ما لم نسمع.

وروى البيهقيُّ في «المدخل» من طريق أشعث عن مولى طلحة رضي الله عنه قال كان أبو هريرة رضي الله عنه جالسًا فمرَّ رجلٌ بطلحة، فقال له لقد أكثر أبو هريرة فقال طلحة قد سمعنَا كما سمعَ ولكنَّه حفظ ونسينا.

وأخرج ابنُ سعد في باب أهل العلم والفتوى من الصَّحابة رضي الله عنهم في «طبقاته» بإسنادٍ صحيحٍ عن سعيد بن عَمرو بن [1] سعيد بن العاص، قالا قالت عائشةُ رضي الله عنها لأبي هريرة رضي الله عنه إنَّك لتحدِّث عن النَّبي صلى الله عليه وسلم حديثًا ما سمعتُه منه،

ج 16 ص 345

قال شغلَك عنه يا أمه المرآة والمكحلة، وما كان يشغلُني عنه بشيءٍ.

(وَإِنِّي كُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشِبَعِ بَطْنِي) بكسر الشين وفتح الباء، وفي رواية الكُشميهني باللام؛ أي لأجل شبعِ بطني (حِينَ لاَ آكُلُ الْخَمِيرَ) وفي رواية الكُشميهني والأوَّل أوجه. والخَمير _ بفتح الخاء المعجمة _ وهو الخبزُ الذي خُمِّر وجُعِلَ في عجينهِ الخميرة، ويُروى بكسر الباء الموحدة وآخره زاي، وهو الخبزُ المأدوم، والخُبْزَة بضم المعجمة وسكون الموحدة وبالزاي، الأدم.

(وَلاَ أَلْبَسُ الْحَبِيرَ) بفتح الحاء المهملة وكسر الموحدة وآخره راء، الجديدُ والحسن، وقيل الثَّوب المحبَّر كالبرودِ اليمانيَّة. وقال الحافظُ العسقلاني والحبير من البرودِ ما كان موشيًا مخطَّطًا، يقال برد حبير وبرد حِبْرة، على وزن عِنْبة على الوصف والإضافة. وقال الهرويُّ الحبير ثيابٌ تصنعُ باليمن، والكلُّ متقارب. وفي رواية الكُشميهني والأوَّل أرجح.

(وَلاَ يَخْدُمُنِي فُلاَنٌ وَلاَ فُلاَنَةُ) أراد به من يخدم من الذُّكور والإناث (وَكُنْتُ أُلْصِقُ بَطْنِي بِالْحَصْبَاءِ مِنَ الْجُوعِ) وفائدة إلصاق البطنِ بالحصباءِ انكسارُ حرارة شدَّة الجوع ببرودة الحجر (وَإِنْ كُنْتُ) «أن» هذه مخففة من الثَّقيلة، والفارق بينها وبين النافية اللام في قوله (لأَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ الآيَةَ) أي أطلبُ منه أن يقرأَ الآية (هِيَ مَعِي) أي والحال أنَّ تلك الآية معي، فهي جملةٌ اسميَّة وقعتْ حالًا بغير واو؛ أي كنت أحفظها.

والحاصل أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه يقول لواحدٍ من الناس إنِّي أطلبُ منك قراءةَ آية من القرآن، والحال أنَّه يحفظها، ولكن يتخيَّل في قصدِهِ من هذا أن يُؤويه إلى بيته فيطعمَه شيئًا، وهو معنى قوله

(كَيْ يَنْقَلِبَ بِي فَيُطْعِمَنِي) أي يرجعَ بي إلى منزله، ويدلُّ على ذلك ما رواهُ الترمذي من طريق ضعيفةٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه إن كنتُ لأسأل الرَّجل عن الآية أنا أعلمُ بها منه ما أسألُه إلَّا ليطعمني شيئًا. وقال الحافظُ العسقلاني في قوله (( لأستقرئ الرجل ) )أطلبُ منه القِرى فيظنُّ أني أطلبُ منه القراءة، ووقع بيان ذلك

ج 16 ص 346

في رواية لأبي نُعيم في «الحلية» عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه وجد عمر رضي الله عنه فقال أقرئني، فظنَّ أنَّه من القراءة وأخذَ يقرئه القرآن ولم يطعمْه قال وإنما أردتُ منه الطَّعام، انتهى.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه الذي قاله غير صحيحٍ ويظهرُ فساده من قوله «كنت لأستقرئ الرَّجل الآية هي مَعي» واستدلاله على المعنى الذي فسَّره بما رواه أبو نُعيم لا يُفيده أصلًا؛ لأنَّه قضية أُخرى مخصوصة بما وقعَ بينه وبين عمر رضي الله عنهما والذي هنا أعمُّ من ذلك.

(وَكَانَ أَخْيَرَ النَّاسِ) على وزن أفعل التَّفضيل، وفي رواية الكُشميهني وكلاهما لغتان فصيحتان مستعملتان (لِلْمَسَاكِينِ) وفي رواية الكُشميهني بالإفرادِ، والمراد الجنس (جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) وكان جعفرُ رضي الله عنه يسمَّى بأبي المساكين.

قال الحافظُ العسقلاني وهذا التَّقييد يحمل عليه المطلق الذي جاء عن عكرمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ما احتذَى النِّعال ولا ركبَ المطايا بعد رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أفضلَ من جعفرِ بن أبي طالب، لم يُجبني حتى يذهبَ بي إلى منزله.

(كَانَ يَنْقَلِبُ بِنَا فَيُطْعِمُنَا مَا كَانَ فِي بَيْتِهِ) في محلِّ النصب؛ لأنَّه مفعول ثان «ليطعمنا» .

(حَتَّى إِنْ كَانَ) كلمة «إن» هذه مخففة من المثقلة (لَيُخْرِجُ) بضم الياء، من الإخراج (إِلَيْنَا الْعُكَّةَ) بالنصب مفعوله، وهي بضم العين المهملة وتشديد الكاف، وعاء السَّمن (الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ فَنَشُقُّهَا فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا) بنون المتكلِّم مع الغير، من لَعِق يَلْعَق، من باب عَلِم يَعْلَم لعقًا _ بفتح اللام _ وهو اللَّحس، ولا تنافي بين قوله (( ليس فيها شيء ) )وبين قوله (( فنلعقُ ما فيها ) )لأنَّ معنى قوله (( ليس فيها شيء ) )؛ أي يمكن إخراجه منها بغير قطعِها، ومعنى (( فنلعق ) )؛ أي نلعقُ بعد الشَّق ما كان يبقى في جوانبها.

وفي رواية الترمذي فيقول لامرأتهِ أسماء بنت عُميس أطعمينَا فإذا أطعمنَا أجابني، وكان جعفر يحبُّ المساكين ويجلسُ إليهم، وكان النَّبي صلى الله عليه وسلم يُكنيه بأبي المساكين، انتهى.

وإنما كان يجيبُه

ج 16 ص 347

عن سؤاله مع معرفتهِ بأنَّه إنما سأله ليطعمه ليجمع بين المصلحتين، ولاحتمال أن يكون السُّؤال حينئذٍ وقع منه على الحقيقة.

ومطابقة الحديث للترجمة في قوله «وكان أخيرَ الناس. .. إلى آخره» لأنَّ هذه منقبةٌ حسنة.

[1] في المخطوط (عن) والمثبت هو الصحيح ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت