30 - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بالباء الموحدة، الأزديُّ، البصري، أبو أيوب القاضي بمكة، وقد تقدَّم (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ وَاصِلٍ) هو ابن حَيَّان _ بفتح المهملة والمثناة التحتية المشددة _، الأحدب الأسدي الكوفي، وفي رواية ، وفي رواية سمع المعرور، وأبا وائل، وشقيقًا، ومجاهدًا، وغيرهم، وروى عنه الثَّوري وشعبة ومسعر وغيرهم، قال يحيى بن معين ثقة. وقال أبو حاتم صدوقٌ صالح الحديث. قيل مات سنة عشرين ومئة، روى له الجماعة، وحيَّان إن أخذَ من الحين ينصرف، وإن أخذ من الحياة لا ينصرفُ، كعفَّان إذا أخذ من العفَّة لا ينصرف، وإن أخذ من العفونة ينصرف.
(عَنِ الْمَعْرُورِ) بالعين المهملة والراء، هو ابنُ سويد أبو أميَّة الأسدي الكوفي، سمع عمر ابن الخطاب، وابن مسعود، وأبا ذرٍّ رضي الله عنهم، وروى عنه واصل الأحدب والأعمش، وقال رأيتُه وهو ابن مئة وعشرين سنة، أسود الرأس واللِّحية. قال يحيى بن معين وأبو حاتم ثقةٌ.
روى له الجماعة.
(قَالَ) وفي رواية ، وهو غير ظاهر (لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ) بالمعجمة المفتوحة وتشديد الراء، واسمه جُندُب _ بضم الجيم والدال _، وحكي فتح الدال، وقيل اسمه بُرير _ بضم الموحدة وراء مكررة _ ابن جُنادة _ بضم الجيم _ الغِفاري _ بكسر الغين المهملة _، قبيلة من كنانة، السَّيد الجليل الصَّحابي الكبير، أسلم قديمًا، روي عنه أنَّه قال أنا رابع أربعة في الإسلام. ويقال كان خامس خمسةٍ، أسلم بمكة، ثمَّ رجع إلى بلاد قومه بإذن النَّبي صلى الله عليه وسلم فأقام بها حتى مضت
ج 1 ص 265
بدر وأحد والخندق، ثمَّ رجع إلى المدينة فصحبَ النَّبي صلى الله عليه وسلم حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيَّره عثمان رضي الله عنه إلى الرَّبذة، وتوفي بها سنة اثنتين وثلاثين، وصلَّى عليه ابن مسعود رضي الله عنهما ودفنه بها، ثمَّ قدم ابن مسعود المدينة فأقامَ عشرة أيام فتوفي أيضًا، وزهده وتواضعه مشهور، وهو القائل بأنَّه يحرم على الإنسان ما زادَ على حاجته من المال.
وحديث إسلامه سيأتي في إسلام الصَّحابة وفضائلهم رضي الله عنهم.
روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائتا حديث واحد وثمانون حديثًا اتَّفقا منها على اثني عشر، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بسبعة عشر، روى عنه خلق من الصَّحابة منهم ابن عبَّاس، وأنس رضي الله عنهم.
(بِالرَّبَذَةِ) أي حال كونه فيها، وهي بفتح الراء والموحدة والذال المعجمة، منزل لحاج العراق على ثلاثة مراحل من المدينة (وَعَلَيْهِ) أي لقيته حال كونه عليه (حُلَّةٌ) بضم الحاء المهملة وتشديد اللام، وهي إزارٌ ورداءٌ، ولا يسمَّى حُلَّة إلَّا ثوبان سُمِّيا بذلك؛ لأنَّ كل واحدٍ منهما يحلُّ على الآخر. وقد نقل بعض أهل اللُّغة أنَّ الحلة لا تكون إلَّا ثوبين جديدين لحليهما من طيهما، فأفاد أصلُ تسمية الحلة.
(وَعَلَى غُلاَمِهِ) ولم يسم هذا الغلام، ويحتملُ أن يكون أبا مراوح مولى أبي ذرٍّ على ما قاله الحافظ العسقلاني (حُلَّةٌ) وفي رواية الإسماعيلي من طريق معاذ عن شعبة (( أتيت أبا ذرٍّ فإذا حلَّة عليه منها ثوبٌ وعلى عبده منها ثوب ) ). وفي رواية الأعمش عن المعرورِ عند المؤلِّف في (( الأدب ) )بلفظ (( رأيتُ عليه بردًا، وعلى غلامه بردًا، فقلت لو أخذتَ هذا فلبسته كانت حلة ) ) [خ¦6050] . وفي رواية مسلم (( فقلنا يا أبا ذر لو جمعتَ بينهما كانت حلة ) ). وفي رواية أبي داود (( فقال القومُ يا أبا ذرٍّ لو أخذت الَّذي على غلامك فجعلته مع الَّذي عليك لكانت حلَّة ) )فكيف التَّوفيق بين هذه الرِّوايات، وبين الرواية التي عند المؤلف هنا، فإنه على هذه الرواية يصير بالجمع حلَّتين لا حلَّة واحدة، كما في الرِّوايات الأخر. ويمكن أن يقال تحمل روايتُه هنا على المجاز باعتبار الأوَّل فإنَّه إذا ضم إلى الثَّوب الذي كان على كلِّ واحدٍ منهما ثوبٌ آخر كان حلَّة، أو باعتبار إطلاق اسم الكلِّ على الجزء.
وقيل يمكن الجمع بينهما بأنَّه كان على كلِّ واحدٍ منهما برد جيِّدٌ تحته ثوبٌ خلقٌ من جنسه فكأنَّه قيل له لو أخذت البرد الجيِّد منه، وأضفته إلى البرد الجيِّد
ج 1 ص 266
الَّذي عليك، وأعطيتَ الغلام البرد الخلِق بَدَلَهُ؛ لكانت حلَّة جيِّدة فتلتئمُ بذلك الرِّوايات.
فيحملُ في حديث الأعمش قوله (( لكانت حلَّة ) )على معنى كاملة الجودة بأن يكون التَّنكير فيه للتَّعظيم، هذا فتأمل.
(فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ) أي عن سببِ إلباسه غلامه نظير لباسهِ مع أنَّ عادة العرب وغيرهم أن تكون ثياب المملوك دون ثياب سيِّده (فَقَالَ) أبو ذرٍّ رضي الله عنه مبينًا لسبب ما فعله من خلاف المألوف (إِنِّي سَابَبْتُ) أي شاتمتُ، وهو من السَّبِّ بالتَّشديد بمعنى القطع، وقيل مأخوذٌ من السَّبَّة، وهي حلقةُ الدُّبر سمَّى الفاحشَ من القول بالفاحش من الجسد، فعلى الأول المراد قطع المسبوب، وعلى الثاني المراد كشفَ عورته؛ لأنَّ من شأن السَّاب إبداء عورة المسبوب. وفي (( القاموس ) )سبَّه قطعهُ وطعنه في السبَّة؛ أي الاست.
(رَجُلًا) قال النوويُّ سياق الحديث يدلُّ على أن الرَّجل كان عبدًا. وقال صاحب (( المنهج ) )والذي نعرفه أنَّه بلال المؤذن مولى أبي بكر رضي الله عنهما، وسيأتي ما يؤيِّده من الرِّواية، والظَّاهر أن السَّب كان من الجهتين وزاد عليه التَّعيير، ويدلُّ عليه ما في رواية مسلم قال (( أعيَّرته بأمِّه؟ فقلت من سبَّ الرجال سبُّوا أباه وأمَّه ) ).
(فَعَيَّرْتُهُ) الفاء عاطفة، وقيل تفسيريَّة كأنَّه بيَّن أن السَّبَّ هو التَّعيير، والظَّاهر ما قدَّمنا من أن السبَّ كان من الجهتين وزاد عليه التَّعيير. والتَّعيير _ بالمهملة _ هي النِّسبة إلى العار، والعار السبَّة والعيب.
(بِأُمِّهِ) أي بسواد أمِّه على ما جاء في روايةٍ أُخرى قلت له (( يا ابن السَّوداء ) )، وفي رواية (( المؤلف ) ) [خ¦6050] في الأدب (( وكانت أمُّه أعجميَّة فنلت منها ) ). والأعجميُّ من لا يفصح باللِّسان العربيِّ سواء كان عربيًا أو عجميًا.
(فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلم يَابَا ذَرٍّ) أصله يا أبا ذرٍّ، فحذفت الهمزة؛ للعلم بها تخفيفًا على ما قاله الكرمانيُّ (أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ) والاستفهام للإنكار التَّوبيخي (إِنَّكَ امْرُؤٌ) هذه كلمة عينُها تابعة لِلامها في الأحوال الثَّلاثة (فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ) أي خصلةٌ من خصال الجاهليَّة، وهي التَّفاخر بالأنساب، وتَرْكُ العاطفِ بين الجملتين؛ لكمالِ الاتِّصال بينهما فإنَّ الثانية من الأول بمنزلة التَّأكيد المعنوي من متبوعه في إفادة التَّقرير مع اختلاف في اللَّفظ.
والظَّاهر أنَّ هذا كان منه قبل أن يعرفَ تحريم ذلك، وكانت تلك الخصلة من خصال الجاهليَّة باقية عنده، فلذلك قال له صلى الله عليه وسلم (( إنَّك امرؤ فيك جاهليَّة ) )وإلَّا فأبو ذرٍّ من الإيمان بمنزلةٍ عالية. وروي أنَّه صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر (( أعيَّرته بأمه
ج 1 ص 267
ارفع رأسك ما أنت بأفضل ممَّن ترى من الأحمر والأسود إلَّا أن تفضل في دين الله تعالى )) .
وروي أنَّ بلالًا لمَّا عيره أبو ذرٍّ بسواد أمِّه شكى إليه صلى الله عليه وسلم تعييره بذلك فأمره رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يدعوه، فلمَّا جاء أبو ذرٍّ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (( شتمت بلالًا وعيَّرته بسواد أمِّه؟ ) )قال نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما كنت أعلم أنَّه بقي في صدركَ من كِبْرَ الجاهليَّة شيء ) )فألقى أبو ذرٍّ نفسه إلى الأرض، ووضع خدَّه على التُّراب، وقال والله لا أرفعُ خدِّي منها حتى يطأَ بلال خدِّي بقدميه، فوطئ بلالٌ خدَّه بقدميه، ثمَّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(إِخْوَانُكُمْ) أي في الإسلام، أو من جهةِ ولدية آدم عليه السلام (خَوَلُكُمْ) بفتح المعجمة واللام؛ أي خدمكم وعبيدكم الذين يتخوَّلون أموركم؛ أي يصلحون أموركم ويقومون بها. يقال خال المال يخوله إذا أحسنَ القيام عليه، ثمَّ إنَّ قوله (( إخوانكم ) )خبرٌ مقدَّم على المبتدأ الذي هو قوله (( خولكم ) )وقُدِّم عليه؛ للحصر؛ أي ليس خولكم إلَّا إخوانكم، أو للاهتمام بشأن الأخوة، أو هو من باب القلب المورث لملاحةِ الكلام نحو قوله
~ثمَّ وإنْ لم أَنَم كَرَاي كَرَاكا شاهِدِي الدَّمعُ إنَّ ذاكَ كَذَاكا
وقال بعض المعانيين إنَّ المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين؛ أي تعريف كان يفيد الترَّكيب الحصر، ويجوز أن يكونا خبرين حذف من كلٍّ منهما مبتدؤه؛ أي هم إخوانكم هم خَوَلكم. وأعربه الزركشي بالنصب؛ أي احفظوا.
وقال أبو البقاء إنَّه أجود، لكن رواية المؤلَّف في كتاب حسن الخلق (( هم إخوانكم ) ) [خ¦6050] يؤيد الرفع، فافهم.
(جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ) أي هم جعلهم الله تحت قدرتكُم، أو تحت ملككم، ففيه مجازٌ، والأخوة أيضًا مجازٌ عن مُطلق القرابة؛ لأنَّ الكل أولاد آدم عليه السلام، أو المراد إخوة الإسلام، كما نبَّهناك عليه، والمماليك الكفرة إمَّا أن يجعلوا تابعين في الحكم المذكور للمماليك المؤمنين، أو يخصِّص هذا الحكم بالمؤمنين، فتأمل.
(فَمَنْ) الفاء سببية، كما في قوله تعالى {فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً} [الحج 63] ، ويجوز أن تكون عاطفة (كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ) من الإطعام (مِمَّا يَأْكُلُ) أي من الَّذي يأكله، وإنما قال ممَّا يأكل، ولم يقل ممَّا يطعم، مع أن فيه رعاية للمطابقة؛ لأنَّ الطَّعم يجيء بمعنى الذوق، كما في قوله تعالى {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} [البقرة 249] فلو قال
ج 1 ص 268
مما يطعم؛ لتوهَّم أنَّه يجب الإذاقة ممَّا يذوق وذلك غير واجبٍ، ولم يقل فليؤكله ممَّا يأكل، إشارة إلى أن الواجب هو الإذاقة ممَّا يأكل وإن لم يشبعه منه، هكذا قيل، لكن الظاهر أنَّ الأمر محمولٌ على الاستحباب لا على الإيجاب، فإنَّ الواجب هو الإطعام ممَّا يقتاته لا من كل ما يأكلُه على العموم من الأدم وطيِّبات العيش.
نعم يستحبُّ ذلك وإذا كان الأمر للإيجاب فمِن للتبعيض، فإذا أطعم عبده ممَّا يقتاته، كان قد أطعمَه بعض ما يأكلُ ولا شكَّ في وجوبه، وكذا الحال في قوله
(وَلْيُلْبِسْهُ) من الإلباس (مِمَّا يَلْبَسُ) من اللُّبس، بضم اللام (وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ) من التَّكليف، وهو تحميلٌ على الشَّخص شيئًا معه كلفة، وقيل هو الأمر بما يشقُّ؛ أي لا تحملوا عليهم ولا تأمروهم (مَا) موصولة (يَغْلِبُهُمْ) أي يصيِّر قدرتهم فيه مغلوبة [1] وتعجز عنه أصلًا، أو من جهة الدَّوام، والنهي فيه للتَّحريم بلا خلاف.
(فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ) أي ما يغلبهم، وحُذِف؛ لذكره آنفًا (فَأَعِينُوهُمْ) أي ساعدوهم فيه، ولا تدعوهم مضطربين فيه، وفي رواية مسلم (( فليعنه ) )أي كلُّ واحدٍ منكم، وأمَّا فليبعه، قال القاضي هو وهم والصَّواب فليعنه، قيل ويلحق بالعبد الأجير والخادم والضَّعيف والدَّابة. هذا وقد جاء في سبب إلباس أبي ذرٍّ غلامه مثل لبسه أثر مرفوع أصرح من هذا، وهو ما أخرجه الطبرانيُّ من طريق أبي غالب، عن أبي أمامة أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أعطى أبا ذرٍّ عبدًا فقال (( أطعمهُ ممَّا تأكلُ، وألبسْه ممَّا تلبسُ ) )وكان لأبي ذرٍّ ثوب فشقَّه نصفين، فأعطى الغلام نصفَه فرآه النَّبي صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال قلتَ يا رسول الله أطعمْه ممَّا تأكل، وألبسه ممَّا تلبس؟ قال (( نعم ) ).
وفي الحديث فوائد
منها النَّهي عن سبِّ العبيد وتعييرهم بوالديهم، والحثُّ على الإحسان إليهم والرِّفق بهم، فلا يجوز لأحدٍ تعيير أحدٍ بشيء من المكروه يعرفه في آبائه وخاصَّةِ نفسه، كما نهى عن الفخر بالآباء، وعدم تكليفهم ما يغلبهم، وعلى تقدير التَّكليف الإعانة لهم.
ومنها عدم التَّرفع على المسلم وإن كان عبدًا ونحوه من الضَّعفة، وقد تظاهرت الأدلة على الأمر باللُّطف بالضَّعفة، وخفضِ الجناح لهم، وعلى النَّهي عن احتقارهم والتَّرفع عليهم. ومنها استحباب الإطعام ممَّا يأكل والإلباس ممَّا يلبس. ومنها المحافظةُ على الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر. ومنها جوازُ إطلاق الأخِ على الرَّقيق.
ج 1 ص 269
تنبيه من لطائف الإسناد المذكور لهذا الحديث أن فيه التَّحديث والعنعنة والسؤال. ومنها أن فيه بصريًا وواسطيًا وكوفيين. ومنها أنَّ فيه بيان الراوي لمكان لقي فيه الصَّحابي، وسؤاله عن إلباسه الدَّاعي إلى تحديث الصَّحابي رضي الله عنه.
وقد أخرج هذا الحديث المؤلِّف في (( العتق ) ) [خ¦2545] و (( الأدب ) ) [خ¦6050] أيضًا.
وأخرجه مسلم في الأيمان والنُّذور، وأبو داود والترمذي باختلاف ألفاظهم، ثمَّ مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.
وقال ابنُ بطال غرضُ البخاري من الحديث الردُّ على الخوارج في قولهم المذنب من المؤمنين يخلَّد في النار.
وقال الكرماني وفي ثبوت غرض البخاري منه دَغْدغة إذ لا نزاع لهم في أنَّ الصَّغيرة لا تكفِّر صاحبها، والتَّعيير بنحو يا ابن السَّوداء صغيرة.
وقال محمود العينيُّ يشيرُ بكلامه هذا إلى عدم مطابقة الحديث للتَّرجمة، وليس كذلك فإن التَّعيير بالأم أمر عظيمٌ عندهم؛ لأنَّهم كانوا يتفاخرون بالأنسابِ فهذا ارتكاب معصية، ولهذا أنكرَ النَّبي صلى الله عليه وسلم بلفظ يدلُّ على أشد الإنكار، ولئن سلَّمنا أنَّ هذا صغيرة، ولكن كونه صغيرة بالنَّسبة إلى ذنب فوقه، وهو بالنَّسبة إلى ما دونه كبيرة فإن هذا من الأمور النِّسبية، فسائر الذُّنوب بالنَّسبة إلى الكُفر صغائر؛ لأنَّه لا ذنب أعظم من الكُفْر، فما دون الكُفْر يختلف فإن نُسب إلى ما فوقه فهو صغيرة، وإن نُسب إلى ما دونه فهو كبيرة، فليتأمل.
[1] في هامش الأصل أي لا تكلِّفوهم ما لا يطيقونه أصلًا أو لا يطيقون الدوام عليه. منه.