فهرس الكتاب

الصفحة 5607 من 11127

3742 - (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أي ابن زياد، أبو غسَّان النَّهدي الكوفي، وروى عنه مسلم بواسطة، قال (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) هو ابنُ يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي (عَنِ الْمُغِيرَةِ) هو ابنُ مِقْسم، أبو هشام الضَّبي الكوفي (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) هو النَّخعي (عَنْ عَلْقَمَةَ) أي ابن قيس النَّخعي (قَالَ قَدِمْتُ الشَّأْمَ) وفي رواية شعبة التي بعد هذه عن إبراهيم

ج 16 ص 379

(( قال ذهبَ علقمة إلى الشَّام ) )، وهذا الثاني صورته مرسل لكن قال في أثنائهِ، قال قلت بلى فاقتضَى أنَّه موصولٌ.

ووقع في «التَّفسير» من وجه آخر عن إبراهيم عن علقمة قال قدمتُ الشَّام في نفرٍ من أصحاب ابن مسعود رضي الله عنه فسمعَ أبو الدَّرداء فأتانا [خ¦4943] .

(فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قُلْتُ اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا، فَأَتَيْتُ قَوْمًا فَجَلَسْتُ إِلَيْهِمْ) أي انتهى جلوسي إليهم (فَإِذَا شَيْخٌ) كلمة «إذا» للمفاجأة (قَدْ جَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِي) أي جعلَ غاية مجيئهِ جلوسه، ويروى بلفظ المضارع مبالغة، وزاد الإسماعيليُّ في روايته (( فقلت الحمدُ لله إني لأرجو أن يكون الله استجابَ دعوتي ) ).

(قُلْتُ مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا) ويروى بدون الفاء، قال الحافظُ العسقلاني لم أقف على اسم القائل (أَبُو الدَّرْدَاءِ) بفتح المهملتين وسكون الراء بينهما وبالمد، واسمه عُويمر بن عامر الأنصاري الخزرجي الفقيه الحكيم، مات بدمشق سنة اثنتين وثلاثين (فَقُلْتُ إِنِّي دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُيَسِّرَ لِي جَلِيسًا صَالِحًا، فَيَسَّرَكَ لِي، فَقَالَ مِمَّنْ أَنْتَ؟) ويروى بدون الفاء (قُلْتُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، قَالَ أَوَلَيْسَ عِنْدَكُمُ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ؟) يعني عبدَ الله بن مسعود رضي الله عنه؛ لأنَّ أمَّه أم عبد بنت عبد ودٍّ بن سواء، وهو هذلي سادس الإسلام، مات بالمدينة، وقيل بالكوفة، والأوَّل أثبت سنة اثنتين وثلاثين.

ومرادُ أبي الدَّرداء بذلك أنَّه فهم عن علقمة أنَّه قدم دمشق لطلبِ العلم فقال أوليس عندكم من العلماء من لا يُحتَاج إلى غيره؟!

ويستفادُ منه أنَّ الشَّخص لا يرحلُ عن بلده لأجل طلب العلم إلَّا إذا لم يجد أحدًا يعلِّمه؛ يعني لا يرحل عن بلدهِ حتى يستوعبَ ما عند مشائخه.

(صَاحِبُ النَّعْلَيْنِ) أي نعلي النَّبي صلى الله عليه وسلم، وكان ابنُ مسعود رضي الله عنه هو الذي كان يحملُ نعلي النَّبي صلى الله عليه وسلم ويتعاهدهما (وَالْوِسَادِ) أي المخدَّة، وفي رواية شعبة (( صاحب السِّواك ) ) [خ¦3743] بالكاف، أو السَّواد بالدال. ووقع في رواية الكُشميهني هنا ، ورواية غيره أوجه. والسَّواد السِّرار _ برائين وبكسر السين فيهما _ يُقال ساودته سوادًا؛ أي ساررتُه سِرارًا، وأصله أدنا سوادك من سواده، وهو الشَّخص. وأمَّا السَّواد بمعنى المخدَّة فغير مشهور.

(وَالْمِطْهَرَةِ) بكسر الميم، الإداوة وكلُّ إناءٍ يُتطهَّر به، وفي رواية السرخسي

ج 16 ص 380

بغير هاء. وأغرب الدَّاودي فقال معناه أي لم يكن يملك من الجهاز غير هذه الأشياء الثَّلاثة لتخلِّيه من الدُّنيا كذا قال، وتعقَّب ابن التِّين كلامه فأصاب، وقد روى مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال له (( إذنك عليَّ أن ترفعَ الحجاب وتسمعَ سوادي ) )أي سراري، وهي خصوصيَّة لابن مسعود رضي الله عنه.

وسيأتي في «مناقبه» قريبًا حديث أبي موسى قدمت أنا وأخي من اليمن، فمكثنا حينًا لا نرى إلَّا أنَّ ابن مسعود رضي الله عنه رجل من أهل بيت النَّبي صلى الله عليه وسلم لما نرى من دخوله ودخولِ أمِّه [خ¦3763] .

والحاصل أنَّه كان النَّبي صلى الله عليه وسلم خصَّص ابن مسعود رضي الله عنه بنفسه اختصاصًا شديدًا، كان لا يحجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاء، ولا يُخفِي عنه سره، وكان يلج عليه ويُلبسه نعليهِ ويستره إذا اغتسلَ ويُوقظه إذا نام، وكان يعرف في الصَّحابة بصاحب السَّواد والسِّواك، وكان صلى الله عليه وسلم يقول له (( إذنك عليَّ أن ترفعَ الحجابَ وتسمعَ سَوادي حتى أنهاك ) ).

فالصَّواب ما قال غير الدَّاودي أنَّ المراد الثَّناء عليه لحديث النَّبي صلى الله عليه وسلم وأنَّه لشدَّة ملازمته له لأجل هذه الأمور ينبغي أن يكون عنده من العلمِ ما يستغني طالبَه به عن غيره، والله تعالى أعلم.

(أَفِيكُم) بهمزة الاستفهام، وفي رواية الكُشميهني بواو العطف، وفي رواية شعبة (( أليس فيكم، أو منكم ) ) [خ¦3743] بالشَّك في الموضعين (الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية شعبة (( أجاره الله على لسانِ نبيِّه ) )يعني من الشيطان، وزاد في روايته (( يعني عمارًا ) ) [خ¦3743] . وزعم ابن التِّين أنَّ المراد بقوله على لسان نبيِّه صلى الله عليه وسلم قوله صلى الله عليه وسلم (( ويحَ عمَّار يدعوهُم إلى الجنَّة ويدعونَه إلى النَّار ) ) [خ¦447] وذلك حين أكرهوهُ على الكفرِ بسبِّه صلى الله عليه وسلم وهو محتملٌ، ويحتملُ أن يكون المراد بذلك حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا (( ما خير عمَّار بين أمرين إلَّا اختار أرشدهما ) )أخرجه الترمذيُّ.

ج 16 ص 381

ولأحمد من حديث ابنِ مسعود رضي الله عنه مثله، وأخرجهما الحاكم وكونه يختار أرشد الأمرين يقتضِي أنَّه قد أُجيرَ من الشَّيطان الذي من شأنه الأمر بالغيِّ. وروى البزَّار من حديث عائشة رضي الله عنها سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول (( مُلئ إيمانًا إلى مَشَاشه ) )يعني عمارًا، وإسناده صحيحٌ.

قيل ولهذا سمَّاه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالطَّيب المطيَّب، ويقال بل الذي أشار إليه البخاريُّ ما رواهُ البيهقيُّ في «دلائله» عن الحسن أنَّ عمَّار بن ياسر قال قاتلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنَّ والإنس فسُئل عن قتال الجنِّ، فقال أرسلني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى بئر أستقِي منها فلقيت الشَّيطان في صورتهِ حتى قاتلني فصرعتُه، ثمَّ جعلت أومئ أنفه بفهرٍ معي، أو حجرٍ فقال صلى الله عليه وسلم (( إنَّ عمارًا لقيَ الشَّيطان عند بئر فقاتلَه ) )فلمَّا رجعت سألني الخبر فأخبرته الأمر. وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول إنَّ عمَّار بن ياسر أجارَه الله من الشَّيطان على لسانِ نبيه صلى الله عليه وسلم، وهذا على تقدير صحَّته أوفقُ وأنسبُ.

(أَوَلَيْسَ فِيكُمْ) الهمزة فيه للاستفهام (صَاحِبُ سِرِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي لاَ يَعْلَمُهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ) كذا في رواية الكُشميهني، وفي رواية غيره بحذف المفعول، وأرادَ به حذيفة رضي الله عنه، فإنَّه صلى الله عليه وسلم أعلمه أمورًا من أحوالِ المنافقين وأمورًا من الذي يجري بين هذه الأمَّة فيما بعدَه، وجعلَ ذلك سرًا بينه وبينه.

وكان عمر رضي الله عنه إذا مات واحدٌ يتبع حذيفة فإن صلَّى عليه هو أيضًا يصلِّي عليه وإلَّا فلا، ثم هو وإن كان بالمدائن لكن المراد من لفظ الكوفة هي وتوابعها؛ يعني العراق.

(ثُمَّ قَالَ) أي أبو الدَّرداء رضي الله عنه (كَيْفَ يَقْرَأُ عَبْدُ اللَّهِ) يعني ابن مسعود رضي الله عنه {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى*وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} * (( وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى ) )أي وكان يقرأ بدون {وَمَا خَلَقَ} .

(قَالَ) أي أبو الدَّرداء

ج 16 ص 382

رضي الله عنه (وَاللَّهِ لَقَدْ أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ) أي كما يقرأ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهذه خلاف القراءة المتواترة المشهورة، ويُقال قرأَ عبد الله (( وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ) )لأنَّه أُنزل كذلك، ثمَّ أنزل {وَمَا خَلَقَ} فلم يسمعْه عبد الله ولا أبو الدَّرداء رضي الله عنهما وسمعَه سائر النَّاس وأثبتوهُ، وهذا كظنِّ عبد الله رضي الله عنه أنَّ المعوَّذتين ليستا من القرآن، والله تعالى أعلم. وسيأتي الكلام على ما يتعلَّق بهذا في تفسير {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} إن شاء الله تعالى [خ¦4943] .

تنبيه توارد أبو هريرة رضي الله عنه في وصف المذكورين مع أبي الدَّرداء رضي الله عنهم بما وصفهم به، وزاد عليهم فروى الترمذيُّ من طريق خيثمة بن عبد الرحمن قال أتيتُ المدينة فسألتُ الله أن ييسر لي جليسًا صالحًا فيسَّر لي أبا هريرة رضي الله عنه وقال لي ممَّن أنت؟ قلت من أهل الكوفة، جئتُ ألتمسُ الخبر، قال «أليس منكم سعد بن مالك مجابَ الدَّعوة، وابن مسعود صاحب طهور رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ونعليهِ، وحذيفة صاحب سرِّه، وعمَّار الذي أجارهُ الله من الشَّيطان على لسانِ نبيِّه، وسلمان صاحبُ الكتابين رضي الله عنهم؟»

ومطابقة الحديث للترجمة في قوله «أفيكم الذي أجارَهُ الله من الشَّيطان» ؛ لأنَّ المراد به هو عمَّار بن ياسر رضي الله عنه كما تقدَّم، وفي قوله «أوليسَ فيكم صاحبُ سرِّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم» ، فإنَّ المراد به حذيفة بن اليمان رضي الله عنه كما تقدَّم أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت