3798 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهد، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ) أي ابن عامر الهَمْداني الكوفي، سكن البصرة، وهو من أفراده، وقد مرَّ في «العلم» [خ¦132] (عَنْ فُضَيْلِ) مصغَّر فضل _ بالمعجمة _ (ابْنِ غَزْوَانَ) بفتح المعجمة وسكون الزاي، ابن جرير، أبي الفضل الكوفي، وقد مرَّ في «الصلاة» [خ¦442] (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء والزاي، واسمه سلمان الأشجعي، فلا يشتبه عليك بأبي حازم سلمة بن دينار، المذكور في الباب الذي قبله [خ¦3797] (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا) قال الحافظ العسقلاني لم أقف على اسمه، وسيأتي أنَّه أنصاري (أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم (إِلَى نِسَائِهِ) يطلبُ منهنَّ ما يضيف الرجل به (فَقُلْنَ مَا مَعَنَا) أي عندنا (إِلاَّ الْمَاءُ) فيه ما يشعرُ بأنَّ ذلك كان أوَّل الحال قبل أن يفتحَ الله لهم خيبرَ وغيرها.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج 16 ص 439
مَنْ يَضُمُّ) أي من يجمعه إلى نفسهِ في الأكل (أَوْ يُضِيفُ هَذَا) شكٌّ من الراوي، من أضاف يُضيف، يقال ضفتُ الرَّجل إذا نزلت به في ضيافةِ، وأضفته إذا أنزلتَه، وتضيفته إذا نزلت به، وتضيفني؛ أي نزلني.
(فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) قال الحافظُ العسقلاني الصَّواب الذي يتعين الجزمُ به في حديث أبي هريرة رضي الله عنه ما وقع عند مسلم من طريق محمَّد بن فضيل بن غَزوان عن أبيه بإسناد البخاريِّ فقام رجلٌ من الأنصار يقال له أبو طلحة، وبذلك جزمَ الخطيب، لكن قال لا أُراه زيد بن سهل بل آخر يكنى أبا طلحة، فإنَّ سياق القصَّة يشعرُ بأنَّه لم يكن عنده ما يتعشَّى به هو وأهله حتى احتاجَ إلى إطفاءَ المصباح.
وأبو طلحة زيدُ بن سهل كان أكثر الأنصار مالًا بالمدينة فيبعدُ أن يكون بتلك الصَّفة من التَّقلل. قال الحافظُ العسقلاني ويمكن الجواب عن الاستبعاد، انتهى.
والمفهوم من كلام الحُميدي أنَّه هو زيد بن سهل؛ لأنَّه لما ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال وفي رواية ابن فضيل فقام رجل من الأنصار يُقال له أبو طلحة زيد بن سهل. وزعم ابن التِّين أنَّه ثابت بن قيس بن شمَّاس.
وقد أورد ذلك ابن بَشكوال من طريق أبي جعفر بن النَّحاس بسند له عن أبي المتوكِّل الناجي مرسلًا.
وأمَّا ما ذكره العينيُّ من أنَّه ذكر النَّحاس في «تفسيره» أن هذه الآية الكريمة نزلت في أبي المتوكِّل الناجي فقد رُدَّ عليه بأنَّ أبا المتوكل تابعيٌّ.
وقال القاضِي إسماعيل في «أحكام القرآن» هو ثابتُ بن قيس بن الشَّماس، ولكن سياقه يشعرُ بأنها قصَّة أخرى؛ لأنَّ لفظه أنَّ رجلًا من الأنصار عَبَر عليه ثلاثة أيَّام لا يجدُ ما يفطرُ عليه ويصبح صائمًا حتى فطنَ له رجلٌ من الأنصار، يُقال له ثابتُ بن قيس فقصَّ القصَّة، وهذا لا يمنع التَّعدد في الصنع مع الضَّيف وفي نزول الآية.
وقال ابنُ بَشكوال وقيل هو عبدُ الله بن رواحة، ولم يذكر لذلك مستندًا، وروى أبو البحتري القاضي أحد الضُّعفاء المتروكين، في كتاب «صفة النَّبي صلى الله عليه وسلم» له أنَّه أبو هريرة راوي الحديث رضي الله عنه.
(أَنَا، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ مَا عِنْدَنَا إِلاَّ قُوتُ صِبْيَانِي) ويروى بدون الإضافة. قال الحافظُ
ج 16 ص 440
العسقلاني يحتمل أن يكون هو وامرأته تعشَّيا وكان صبيانهم حينئذٍ في شغلهم، أو نيامًا فأخَّروا لهم ما يكفيهِم، انتهى.
وسياق الحديث يأباهُ كما لا يخفى.
(فَقَالَ هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ) بقطع الهمزة؛ أي أوقديهِ ونوِّريه (وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً. فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ السِّرَاج) ويروى (فَأَطْفَأَتْهُ فَجَعَلاَ يُرِيَانِهِ) بضم الياء، من الإراءة (كَأَنَّهُمَا) وفي رواية الكُشميهني بحذف الكاف من «كأنَّهما» (يَأْكُلاَنِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ) تثنية طاوٍ، وهو الجائعُ الذي يطوي ليله بالجوعِ.
(فَلَمَّا أَصْبَحَ، غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ _ أَوْ عَجِبَ اللهُ تَعَالَى _) شكٌّ من الراوي، نسبة الضَّحك والتَّعجُّب إلى الله تعالى لا تصحُّ حقيقة، فكلَّما جاء هكذا من أمثاله يُراد لوازمها، والمراد هنا هو الرِّضا، ويُقال بل هي صفات حقيقية، ولكنَّها بحيث تليقُ بجلال الله تعالى لا تشبهُ صفات خلقه.
(مِنْ فَعَالِكُمَا) بفتح الفاء، وهي الفعلةُ حسنةٌ أو قبيحةٌ، والمراد أنَّ الله تبارك وتعالى رضيَ من صنيعكُما الأحسن تلك الليلة، والله أعلم.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} وفي نسخة أبي زيد زيادة قوله {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} وهذا هو الأصحُّ في سببِ نزول هذه الآية الكريمةِ.
وذكر الواحديُّ عن ابن عمر رضي الله عنهما قال أُهدِي لرجلٍ من الصَّحابة رأس شاة، فقال إنَّ أخي وعيالهِ أحوج منَّا إلى هذا، فبعث به إليه فلم يزل يبعثْ به واحد إلى آخر حتى تداولها سبعةُ أبياتٍ حتى رجعتْ إلى الأوَّل فنزلت {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} وكذا ذكر ابنُ مَرْدويه من طريق محاربِ بن دِثار عن ابن عمر رضي الله عنهما، ويحتملُ أن تكون نزلتْ بسبب ذلك كله.
قيل وفي الحديثِ دليلٌ على نفوذِ فعل الأب في الابن الصَّغير، وإن كان مطويًا على ضررٍ خفيفٍ إذا كان في ذلك مصلحةٌ دينيَّة أو دنيويَّة، ثمَّ الآية الكريمة في سورة الحشر، قال الله تبارك وتعالى
ج 16 ص 441
{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ} عطف على المهاجرين في قوله تعالى {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ} وهو بدل من {لِذِي الْقُرْبَى} وما عطف عليه في الآية السابقة دون قوله {وَلِلرَّسُولِ} فإنَّ الرسولَ لا يسمَّى فقيرًا، ومن أعطي أغنياء ذو القربى كالشافعي خصَّص الإبدال بما بعده، أو الفيءَ بفيءِ بني النَّضير {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} فإنَّ كفَّار مكة أخرجوهُم، وأخذوا أموالهم {يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} حال مقيَّدة لإخراجهم بما يوجبُ تفخيمَ شأنهم {وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} بأنفسهم وأموالهم {أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} الذي ظهرَ صدقهم في إيمانهم، والمراد بالمعطوف هم الأنصارُ الذين ظهرَ صدقُهم، فإنَّهم لزموا المدينة والإيمان وتمكَّنوا فيهما، والمعنى وجعلوا الإيمان مستقرًا وموطئًا لهم، لتمكُّنهم منه واستقامتهم عليه، كما جعلوا المدينة كذلك، وقيل المعنى تبوؤا دار الهجرة ودارَ الإيمان، فحذف المضاف من الثاني، وأُقيم المضاف إليه مَقامه والمضاف إليه من الأوَّل وعوض عنه اللام، وقيل معناه تبوؤا الدَّار، وأخلصوا الإيمان، كقوله علفتُها تبنًا وماءً باردًا، وقيل سَمَّى المدينة بالإيمان؛ لأنها مظهرُه ومصيرُه؛ يعني أنها دار الهجرةِ ومكان ظهور الإيمان.
{مِنْ قَبْلِهِمْ} أي من قبل المهاجرين؛ لأنَّهم سبقوهُم في تبوء دار الهجرة والإيمان، وقيل من قبل هجرة المهاجرين على حذف المضاف، والتَّقدير والذين تبوؤا الدَّار من قبلهم والإيمان {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} ولا يثقل عليهم {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ} ولا يعلمون في أنفسهم {حَاجَةً} ما تحمل عليه الحاجة كالطَّلب والحزازةِ والحسد والغيظ {مِمَّا أُوتُوا} أي ممَّا أعطي المهاجرون من الفيء وغيره. وقال الزمخشريُّ أي طلب محتاج إليه ممَّا أوتي المهاجرون، والمحتاج إليه يسمي حاجة، يقال خذ منه [1] حاجتك، وأعطاهُ من ماله حاجتهُ، يعني أنَّ نفوسهم لم تتبعْ ما أُعطوا، ولم تطمحْ إلى شيءٍ منه يُحتاج إليه.
{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} ويقدِّمون المهاجرين على أنفسهم حتى إنَّ من كان عندهُ امرأتان نزلَ
ج 16 ص 442
عن واحدةٍ وزوَّجها من أحدهم {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} أي حاجة وخلة من خصاص البيت والبناء، وهي فروجه، والجملة في موضع الحال؛ أي مفروضة خصاصتُهم، وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قسمَ أموالَ بني النَّضير على المهاجرين ولم يُعط الأنصار إلَّا ثلاثة نفرٍ مُحتاجين أبا دجانة سِمَاك بن خَرَشة، وسهل بن حُنيف، والحارث بن الصِّمَّة، وقال لهم إنْ شئتُم قسمتُم للمُهاجرين من أموالكُم ودياركُم وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتُم كانت لكم دياركُم وأموالكُم ولم يُقسَم لكم شيء من الغنيمة، فقالت الأنصار بل نقسمُ لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهُم بالقسمة [2] ولا نشاركهم فنزلت، وهذا أيضًا أحد أسباب النزول.
قال المولى أبو السُّعود وهذا صريحٌ في أن قوله تعالى {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا} ... إلى آخره مستأنفٌ غير معطوف على المهاجرين. نعم، يجوز عطفُه على أولئك، فإن ذلك يستدعِي شركة الأنصار للمهاجرين في الصِّدق دون الفيء، فيكون قوله تعالى {يُحِبُّونَ} وما عُطِف عليه استئنافًا مقررًا لصدقهم، أو حالًا من ضمير {تبوؤا} والله أعلم.
{وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} أي ومن غلب ما أمرته به وخالف هواها من حبِّ المال وبغض الإنفاق بمعاونة الله تعالى وتوفيقهِ.
والشحُّ _ بالضم والكسر، وقد قُرئ بهما، لكن الضم هو المتواتر _ اللُّؤم، وأن تكون نفس الرجل كزةً حريصةً على المنع، كما قال
~يُمَارِسُ نَفْسًا بَيْنَ جَنْبَيْهِ كَزَّةً إِذَا هَمَّ بِالْمَعْرُوفِ قَالَتْ لَهُ مَهْلَا
وقد أُضيف الشح إلى النفس لأنَّه عزيزة فيها، وأمَّا البخل فهو المنع نفسه، ومنه قوله تعالى {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} [النساء 128] ، وقيل الشُّح والبُخل بمعنى واحد، وقيل الشُّح أخذُ المال بغير حقٍّ، والبُخل المنع من المال المستحق، وقيل الشُّح بما في يد الغيرِ، والبخلُ بما في يدهِ، وقيل البخيل إذا وجدَ شبعَ والشَّحيح لا يشبع أبدًا، وقرئ (( ومن يوقَّ ) )بتشديد القاف، وهو من الوقايةِ بمعنى الحفظ.
{فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الظَّافرون بما أرادوا من الثَّناء العاجلِ والثَّواب الآجل.
{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} عطف أيضًا على المهاجرين، وهم الذين هاجروا حين قويَ الإسلام، أو التَّابعون بإحسان، وهم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة، ولذلك قيل إنَّ الآية قد استوعبتْ جميع المؤمنين.
ج 16 ص 443
{يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ} لإخواننا في الدين {فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا} حقدًا لهم {رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} فحقيقٌ بأن تجيبَ دعاءنا، وقوله {يَقُولُونَ} حال من فاعل {جاءوا} ، وإنما قدم الرَّؤوف على الرَّحيم؛ لأنَّ الرَّأفة إنما تكون باعتبار الحفظ والصِّيانة عن الآفاتِ والنَّقائص التي يستحقُّ بها العقاب والرَّحمة باعتبار إفاضةِ الكمالات والسَّعادات التي بها يستحقُّ الثَّواب، فالأولى من باب التَّزكية، والثَّانية من باب التَّحلية، ولا تكون التَّحلية إلَّا بعد التَّخلية.
وقيل في الآية دليلٌ على أنَّ من ترحَّم على الصَّحابة واستغفرَ لهم ولم يكن في قلبه غلٌّ فله حظٌّ في فيءِ المسلمين وله أجر مثل أجر الصَّحابة، ومن شتمَهم ولم يترحَّم عليهم، أو كان في قلبه غلٌّ لهم ليس لهم حظٌّ في فيءِ المسلمين؛ لأنَّه قال للمهاجرين فيه حقٌّ، ثمَّ ذكر الأنصار، ثمَّ ذكر الذين جاءوا من بعدهم، وقد وصفَهم بصفةِ الأوَّلين إذا دعا لهم.
وفي الآية دليلٌ أنَّ الواجب على المؤمنين أن يستغفروا لإخوانهم الماضين، وفيه دليلٌ أنَّه ينبغي للمؤمنين أن يستغفروا لأبويهم، ولمعلِّميهم الذين علَّموهم أمور الدِّين.
[1] في هامش الأصل أي المال.
[2] في هامش الأصل في نسخة بالغنيمة.