3811 - (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، عبد الله بن عَمرو بن أبي الحجَّاج المنقري مولاهم المقعد البصري، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) أي ابن سعيد قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ) أي ابن صهيب وكلهم بصريون (عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو طَلْحَةَ) الواو فيه للحال وهو مبتدأٌ (بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُجَوِّبٌ) بالرفع خبر المبتدأ، وهو بضم الميم وفتح الجيم وكسر الواو المشددة وآخره باء موحدة؛ أي مترس (عَلَيْهِ) أي على النبي صلى الله عليه وسلم يقيه بالجَوبة، وهو الترس (بِحَجَفَةٍ لَهُ) والحَجَفَة بفتح الحاء المهملة وفتح الجيم والفاء، هي الترس إذا كان من جلد ليس فيه خشب.
(وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلًا رَامِيًا شَدِيدًا) يعني موصوفًا بشدَّة الرَّمي بالقوس، هكذا في رواية الأكثرين «شديدًا» بالنصب وبعده (لَقَدْ تَكَسَّرَ) بلام التَّأكيد، وكلمة «قد» ، للتَّحقيق، و «تكسَّر» تفعَّل بالتشديد؛ ليدلَّ على كثرةِ الكسر، وهذه الصِّيغة تأتي متعدِّيًا ولازمًا. ويروى بإضافة لفظ الشديد،
ج 16 ص 464
إلى لفظ القِدِّ، بكسر القاف وتشديد الدال، وهو سِيْرٌ من جلد غير مدبوغٍ، ومعناه أنَّه شديد وتر القوس في النَّزع والمد.
وبهذا جزمَ الخطَّابي وتبعه ابنُ التين، وعلى هذه الرِّواية يقرأ ، بالرفع على أنَّه فاعل «تكسَّر» لازمًا. وقد روي بالميم المفتوحة بدل القاف.
(قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلاَثَة) بالنصب فيهما على رواية، وبالرفع على أخرى، وكلمة (( أو ) )للشَّك (وَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ الْجَعْبَةُ مِنَ النَّبْلِ) أي السَّهام (فَيَقُولُ) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم (انْثُرْهَا) من النَّثْر بالنون المفتوحة وسكون الثاء المثلثة، ويروى من النَّشْر، بالنون المفتوحة وسكون الشين المعجمة، من انتشار الماء وتفرُّقه، ومعناهما واحد؛ أي فرقها.
(لأَبِي طَلْحَةَ. فَأَشْرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من الإشراف، وهو الاطلاعُ من فوق (يَنْظُرُ إِلَى الْقَوْمِ، فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، لاَ تُشْرِفْ) مجزوم لأنَّه نهي؛ أي لا تطلع (يُصِبْكَ) مجزوم لأنَّه جواب النَّهي نحو لا تدنُ من الأسد يأكلك، ويروى على تقدير السَّهمُ يُصيبك (سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ، نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ) فعلى رواية يكون قوله «سهم» بيانًا للمحذوف، و «من سهام القوم» بيان السَّهم من العدو، وعلى الرواية الأولى يكون قوله «سهم» فاعل «يصبك» ، وقوله (( نحري دون نحرك ) )أي صدرِي عند صدرِك؛ أي أقف أنا بحيث يكون صَدري كالترس لصدركَ، هكذا فسَّره الكرماني. وقال العينيُّ الأوجه أن يُقال هذا نحري قدَّام نحرك؛ يعني أقفْ بين يديك بحيث أنَّ السَّهم إذا جاء يصيبُ نحري ولا يصيب نحرك.
(وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ) بضم السين المهملة وفتح اللام وسكون المثناة التحتية، واختلف في اسمها، فقيل سهلة، وهي زوجةُ أبي طلحة، وأمُّ أنس بن مالك، وخالة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرَّضاع رضي الله عنهم.
(وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَان) تثنيةٌ على صيغة الفاعل، من شمَّرت ثيابي إذا رفعتها، واللام فيه للتَّأكيد، والمعنى وإنَّهما لرافعتان ثيابهما مُتَهيئتان للسَّعي (أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا) بنصب «خدم» على أنَّه مفعول «أرى» وهو بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة، جمع الخدمة، وهي الخلخال.
والسُّوق بالضم،
ج 16 ص 465
جمع الساق، وهو كان قبل نزول آية الحجاب.
(تَنْقُزَانِ) بالنون الساكنة والقاف المضمومة وبالزاي، من النَّقز، وهو النقل، وقال الدَّاودي أي تنقلان. وقال الخطَّابي إنما هو تزفران _ بالزاي والفاء والراء _؛ أي تحملان، قال وأمَّا النَّقز، فهو الوثب البعيدُ وهو لازم.
وقال ابنُ قُرْقول تزفران _ بالزاي والفاء والراء _ يقال أزفر لنا القرب؛ أي احملْها ملأى على ظهرك. وفي «المطالع» «تنقزان القِرَب على ظهورهما» ، هكذا جاء في حديث أبي معمر، قاله البخاريُّ. وقال غيره «تنقلان» ، وكذا رواه مسلم، قيل معنى «تنقزان» على الرواية الأولى تثبان، والنَّقز الوثب كأنَّه كناية من سرعة السَّير.
(الْقِرَبَ) ضبط الشيوخ القِرَب بالنصب، ووجهه على التَّفسير الأول للنقز، وهو النَّقل ظاهر، وأما على تفسيره بالوثب فوجهه أنَّه منصوبٌ بنزع الخافض؛ أي بالقرب، ويراد بذلك حكاية تحرُّك القرب قد ترتفعُ وقد تنخفضُ على متونهما، وذلك إمَّا لقلَّة عادتهمَا بحمل القرب، وإمَّا لسرعة مشيهمَا بها وعجلتهما.
قال العينيُّ وكان بعضُ شيوخنا يقرأ هذا الحرف بضم باء «القربُ» ، ويجعله مبتدأ و «على متونهما» خبره، كأنَّه قال و «القربُ على متونهما» . قال العينيُّ والذي عندي أنَّ في الرواية اختلالًا.
وقال الكرمانيُّ فلو روي بالتشديد لكان أقرب، يقال نقزَ إذا وثبَ، ونقزته أنا (عَلَى مُتُونِهِمَا) أي على ظهورهما، وهو بضم الميم، جمع متن، وهو الظهر.
(تُفْرِغَانِهِ) أي الماء يدلُّ عليه سياق الكلام، ويروى وهو ظاهرٌ وهو من الإفراغِ يُقال أفرغتُ الإناء إفراغًا وفرغته تفريغًا إذا قلبت ما فيه (فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلآنِهَا، ثُمَّ تَجِيآنِ فَتُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدَيْ أَبِي طَلْحَةَ، إِمَّا مَرَّتَيْنِ وَإِمَّا ثَلاَثًا) وقد مرَّ بعض هذا الحديث في «الجهاد» ، في باب «غزو النِّساء مع الرِّجال» .
ومطابقته للترجمة تؤخذُ من معنى الحديث في مواضع على ما لا يخفى.