344 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) وفي رواية أبي ذر ، وقد تقدم في باب من الإيمان أن يحب لأخيه [خ¦13] (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطان الذي قال بندار في حقه ما أظن أنه عصى الله قط، وقد تقدم أيضًا ثمه [خ¦38] [خ¦54] [خ¦69] .
(قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ) بالفاء هو الأعرابي الذي يقال له عوف الصدوق، وقد تقدم في باب اتباع الجنائز من الإيمان [خ¦47] (قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) بفتح الراء وتخفيف الجيم وبالمد عمران بن مِلْحان، بكسر الميم وسكون اللام وبالحاء المهملة، العطاردي، قال البخاري الأصح أنه ابن تيم، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، وأسلم بعد الفتح، وأتى عليه مئة وعشرون سنة، مات في سنة بضع ومئة.
(عَنْ عِمْرَانَ) بن حُصَين، بضم المهملة وفتح الصاد، الخزاعي يكنى أبا نُجَيد، بضم النون وفتح الجيم وسكون الياء وبالمهملة، رُوِيَ له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مئة حديث، وثمانون
ج 2 ص 628
حديثًا، له في البخاري اثنا عشر حديثًا، بعثه عمر رضي الله عنه إلى البصرة ليفقههم، وكان قاضيًا بالبصرة.
قال ابن عمر رضي الله عنهما كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم، يقول عنه أهل البصرة إنَّه كان يرى الحفظة، وكانت تكلِّمُه وتُسَلِّمُ عليه حتى اكتوى.
وكان الحسن يقول والله ما قدمها؛ يعني البصرة، راكبٌ خيرٌ لهم منه، وتوفي بالبصرة سنة اثنتين وخمسين، ورجال هذا الإسناد كلهم بصريون، وقد أخرج متنه المؤلِّف في علامات النبوة أيضًا [خ¦3571] ، وأخرجه مسلم في الصلاة.
(قَالَ) أي إنَّه قال (كُنَّا فِي سَفَرٍ) اختلفوا في تعيين هذا السفر، ففي (( صحيح مسلم ) )من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه وقع عند رجوعهم من خيبر.
وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه رواه أبو داود أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من الحديبية ليلًا، فنزل فقال (( من يكلؤنا ) )فقال بلال أنا، الحديث.
وفي حديث زيد بن أسلم مرسلًا أخرجه مالك في (( الموطأ ) ) «عرَّس رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلًا بطريق مكة، ووكل بلالًا» .
وفي حديث عطاء بن يسار مرسلًا رواه عبد الرزاق في (( مصنفه ) )أن ذلك كان بطريق تبوك، وكذا في حديث عقبة بن عامر، رواه البيهقي في (( الدلائل ) )، وسيأتي تتمة لذلك إن شاء الله تعالى.
ثمَّ إن العلماء قد اختلفوا أيضًا هل كان ذلك مرة، أو أكثر، أعني نومهم عن صلاة الصبح؟، فجزم الأَصيلي بأن القصةَ واحدةٌ.
وتعقَّبه القاضي عياض بأن قصة أبي قتادة مغايرة لقصة عمران بن حصين، وهو كما قال، فإن قصة أبي قتادة فيها أنهما كانا معه، وأيضًا؛ فقصة عمران فيها أن أول من استيقظ أبو بكر رضي الله عنه، ولم يستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم حتى أيقظه عمر رضي الله عنه بالتكبير، وقصة أبي قتادة فيها أن أول من استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم، وفي القصتين غير ذلك من وجوه المغايرة، ومع ذلك فالجمع بينهما ممكن، ولاسيما مع ما وقع عند مسلم وغيره أن عبد الله بن رباح راوي الحديث عن أبي قتادة ذكر أن عمران بن حصين سمِعَه وهو يحدِّث بالحديث بطوله فقال له انظر كيف تحدِّث، فإني كنت شاهدًا القصة، قال فما أنكر عليه من الحديث شيئًا، فهذا يدل على اتحادها، لكن لمدعي التعدد أن يقول يحتمل أن يكون عمران حضر القصتين، فحدَّث بإحداهما، وصدق عبد الله بن رباح لما حدث عن أبي قتادة بالأخرى، والله أعلم.
ومما يدل على تعدُّد القصة اختلاف
ج 2 ص 629
مواطنها كما تقدم، وحاول ابن عبد البر الجمع بينهما بأن زمان رجوعهم من خيبر قريب من زمان رجوعهم من الحديبية، وأن اسم طريق مكة يصدق عليهما، ولا يخفى ما فيه من التكلُّف، ورواية عبد الرزاق بتعيين غزوة تبوك ترد عليه.
وروى الطبراني من حديث عمرو بن أمية شبيهًا بقصة عمران، وفيه أن الذي كلأ لهم الفجر ذو مِخْبر، بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الموحدة.
وأخرجه من طريق ذي مخبر أيضًا، وأصله عند أبي ذر.
وفي حديث أبي هريرة عند مسلم «أن بلالًا هو الذي كلأ لهم الفجر» ، وذكر فيه «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أولهم استيقاظًا» كما في قصة أبي قتادة، وهذا أيضًا يدل على تعدد القصة.
ولابن حبان في (( صحيحه ) )من حديث ابن مسعود «أنه كلأ لهم الفجر» ، والله أعلم.
(مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَإِنَّا أَسْرَيْنَا) وفي بعض النسخ .، قال الجوهري سريت وأسريت بمعنى؛ أي سرت ليلًا.
وفي (( المحكم ) )السرى سير عامة الليل، وقيل سير الليل كلِّه، والحديث يخالف هذا القول، والسرى يذكر ويؤنث، ولم يعرف اللحياني إلا التأنيث، وقد سرى سُرًى وسُرِّية فهو سارٍ.
وقد ذكر ابن سيده وقد سرى به وأسرى به وأسراه.
وفي (( الجامع ) )سرى يسري سريًا إذا سار ليلًا، وكل سائر ليلًا فهو سار.
(حَتَّى كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَقَعْنَا وَقْعَةً) أي نمنا نومة، كأنهم سقطوا عن الحركة، وفي رواية أبي قتادة عند المؤلِّف ذكر سبب نزولهم في تلك الساعة، وهو سؤال بعض القوم في ذلك، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال (( أخاف أن تناموا عن الصلاة ) )فقال بلال أنا أوقظكم.
(وَلاَ وَقْعَةَ أَحْلَى) كلمة لا لنفي الجنس، ووقعة اسمه، وأحلى صفة للوقعة، وخبر لا محذوف، ويجوز أن يكون أحلى خبرًا (عِنْدَ الْمُسَافِرِ مِنْهَا) أي من الوقعة في آخر الليل، وهو كما قال الشاعر
~وأحلى الكرى عند الصباح يكون
وقال الآخر
~فإن الكرى عند الصباح يطيب
(فَمَا) بالفاء، وفي رواية بالواو (أَيْقَظَنَا) من نومنا (إِلاَّ حَرُّ الشَّمْسِ، وَكَانَ) بالواو، وفي رواية بالفاء (أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلاَنٌ) اعلم أن (كان) هاهنا يجوز أن تكون تامة، وأن تكون ناقصة، فإن كانت ناقصة فقوله (أول) بالنصب خبرها، و (فلان) بالرفع اسمها مؤخرًا، وإذا كانت
ج 2 ص 630
تامة بمعنى وجد فلا يحتاج إلى خبر، فيكون قوله (أول) اسمه، وقوله (فلان) بدلًا منه، وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فقد أخرجه المؤلِّف في علامات النبوة [خ¦3571] ، وسماه، ولفظه «فكان أول من استيقظ أبو بكر رضي الله عنه» .
(ثُمَّ فُلاَنٌ) يحتمل أن يكون هو عمران راوي القصة؛ لأن ظاهر سياقه أنه شاهد ذلك، ولا يمكنه مشاهدته إلا بعد استيقاظه (ثُمَّ فُلاَنٌ) ويحتمل أن يكون هذا من شارك عمران، وفي رواية هذه القصة المعينة، وهو ذو مِخْبَر، ففي الطبراني من رواية عمرو بن أمية قال ذو مِخْبَر «فما أيقظني إلا حرُّ الشمس، فجئت أدنى القوم فأيقظته، وأيقظ الناس بعضهم بعضًا، حتى استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم» .
(يُسَمِّيهِمْ) أي يذكر المستيقظين بأسمائهم (أَبُو رَجَاءٍ) العطاردي الراوي (فَنَسِيَ) أسماءهم (عَوْفٌ) الأعرابي (ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه بالرفع عطفًا على ثمَّ فلان، أو بالنصب خبر كان؛ أي ثمَّ كان عمر بن الخطاب (الرَّابِعُ) من المستيقظين، وهو صفة لعمر بن الخطاب.
(وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ) بفتح القاف من الإيقاظ مبنيًا للمفعول، وفي رواية بنون المتكلم وكسر القاف، وبهاء الضمير الراجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم (حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ لأَنَّا لاَ نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ) بضم الدال (فِي نَوْمِهِ) من الوحي؛ كانوا يخافون من إيقاظه انقطاع الوحي، فلا يوقظونه؛ لاحتمال ذلك.
(فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ) رضي الله عنه (وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ) من نومهم عن صلاة الصبح، وكونهم على غير ماء، وجواب لمّا محذوف تقديره فلما استيقظ كبَّرا وقوله الآتي (فكبر) يدل عليه أو هو قوله (فكبر) بالفاء.
(وَكَانَ) أي عمر رضي الله عنه (رَجُلًا جَلِيدًا) بفتح الجيم، من جَلُد الرجل، بالضم، فهو جَلْد وجليد؛ أي بيِّن الجلادة بمعنى القوة والصلابة، وزاد مسلم هاهنا أجوف؛ أي رفيع الصوت يخرج صوته من جوفه.
(فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، حَتَّى اسْتَيْقَظَ بِصَوْتِهِ) بالموحدة؛ أي بسبب صوته، وفي رواية باللام؛ أي لأجل صوته (النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) وإنما رفع صوته بالتكبير لمعنيين
أحدهما سلوك طريق الأدب والجمع بين المصلحتين.
والآخر أن التكبير أصل الدعاء
ج 2 ص 631
إلى الصلاة.
واستشكل هذا مع قوله صلى الله عليه وسلم (( إن عيني تنامان ولا ينام قلبي ) )، وأجيب بأن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كالألم ونحوه، ولا يدرك ما يتعلق بالعين؛ لأنها نائمة والقلب يقظان، ورؤية الشمس من ذلك.
وقد يجاب أيضًا بأنه صلى الله عليه وسلم كان له حالان حال كان قلبه لا ينام فيه وهو الأغلب، وحال ينام فيه قلبه وهو نادر، فصادف هذا قصة النوم عن الصلاة.
قال النووي والصحيح المعتمد هو الأول، والثاني ضعيف، وهو كما قال، ولا يقال القلب وإن كان لا يدرك ما يتعلق بالعين من رؤية الفجر مثلًا، لكنه يدرك إذا كان يقظانًا مرور الوقت الطويل، فإنَّ مِنش ابتداء طلوع الفجر إلى أن حَميت الشمس، مدةً طويلة لا تخفى على من لم يكن مستغرقًا؛ لأنا نقول يحتمل أن يقال كان قلبه صلى الله عليه وسلم إذ ذاك مستغرقًا بالوحي، ولا يلزم مع ذلك وصفه بالنوم كما كان يستغرق صلى الله عليه وسلم حالة إلقاء الوحي في اليقظة، وتكون الحكمة في ذلك بيان التشريع بالفعل؛ لأنه أوقع في النفس، كما في قضية سهوه في الصلاة.
وقريب من هذا جواب ابن المنيِّر إنَّ القلب قد يحصل له السهو في اليقظة لمصلحة التشريع، ففي النوم بطريق الأولى، أو على السواء، وقد أجيب عن أصل الإشكال بأجوبة أخرى ضعيفة.
منها أن معنى قوله (لا ينامُ قلبي) ؛ أي لا يخفى عليه حالة انتقاض وضوئه.
ومنها أن معناه لا يستغرقه النوم حتى يوجد منه الحدث، وهذا قريب من الذي قبله.
قال ابن دقيق العيد (كأن قائل هذا أراد تخصيص يقظة القلب بإدراك حالة الانتقاض، وذلك بعيد؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم(( إن عيني تنامان ولا ينام قلبي ) )خرج جوابًا عن قول عائشة رضي الله عنها (أتنام قبل أن توتر) ؟، وهذا كلام لا تعلق له بانتقاض الطهارة الذي تكلموا فيه، وإنما هو جواب يتعلق بأمر الوتر، فتحمل يقظته على تعلق القلب باليقظة للوتر، وفرق بين من شرع في النوم مطمئن القلب به، وبين من شرع فيه متعلِّقا باليقظة).
قال وعلى هذا فلا تعارض فيه، ولا إشكال في حديث النوم حتى طلعت الشمس؛ لأنه يحمل على أنه اطمأن في نومه لما أوجبه فيه تعب السير معتمدًا على من وكله بكلاءة الفجر، والله أعلم. انتهى.
ومحصله تخصيص اليقظة المفهومة من قوله (( ولا ينام قلبي ) )بإدراكه وقت الوتر إدراكًا معنويًا لتعلقه به، وإن نومه في حديث الباب كان نومًا مستغرقًا، ويؤيده قول بلال له «أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك» كما في حديث أبي هريرة عند مسلم، ولم ينكر عليه، ومعلوم أن نوم بلال كان مستغرقًا.
وقد اعترض عليه بأن ما قاله يقتضي اعتبار خصوص السبب، وإنما العبرة لعموم اللفظ، وأجاب عنه بأنه يعتبر إذا قامت عليه قرينة، وأرشد إليه السياق، وهو هاهنا كذلك.
ومن الأجوبة الضعيفة أيضًا قول من قال كان قلبه يقظانًا، وعلم بخروج الوقت، لكن ترك إعلامهم بذلك عمدًا؛ لمصلحة التشريع.
وقول من قال المراد بنفي النوم عن قلبه أنه لا يطرأ عليه أضغاث أحلام كما يطرأ على غيره، بل كل ما يراه في نومه حق روحي، فهذا عدة أجوبة أقربها إلى الصواب هو الأول.
قال القرطبي أخذ بهذا بعض العلماء فقال من انتبه من نوم عن صلاة فاتته في سفر فليتحول من موضعه، وإن كان واديًا، فليخْرج عنه، وقيل إنما يلزم التحول من ذلك الوادي بعينه، وقيل هو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يعلم من حال ذلك الوادي ولا غيره ذلك إلا هو.
وقال غيره يؤخذ منه أن من حصلت له غفلة في مكان عن عبادة استحب له التحول منه، ومنه أُمِرَ الناعسُ في سماع الخطبة يوم الجمعة بالتحول من مكان إلى مكان آخر، والله أعلم.
(فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ) صلى الله عليه وسلم (شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ) من نومهم عن صلاة الصبح إلى أن خرج وقتها (قَالَ) ويروى بالفاء (لاَ ضَيْرَ) أي لا ضرر من ضَاره يَضِيرَه ويضُوره ضَيرًا وضَورًا؛ أي ضرَّه.
قال الكسائي سمعت بعضهم يقول لا ينفعني ذلك ولا يَضُورُني.
(أَوْ لاَ يَضِيرُ) وهو شك من عوف الأعرابي، وقد صرح بذلك البيهقي في روايته، ولأبي نعيم في (( مستخرجه ) )لا يسوء ولا يضير، وإنما قال ذلك صلى الله عليه وسلم تأنيسًا لقلوبهم من الأسف على خروج الصلاة من وقتها؛ لأنهم لم يتعمَّدوا ذلك.
(ارْتَحِلُوا) بصيغة الأمر للجماعة المخاطبين من الصحابة رضي الله عنهم (فَارْتَحَلوا) بصيغة الجمع من الماضي، ويروى أي النبي صلى الله عليه وسلم ومَنْ معه.
وإنما أمر بالارتحال من ذلك المكان؛ لما روى مسلم من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة رضي الله عنه «فإن هذا منزل حضر فيه الشيطان» . ولأبي داود من حديث ابن مسعود رضي الله عنه «تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة» ، وقيل كان ذلك لأجل الغفلة [1] ، وقيل لكون ذلك في وقت الكراهة، وفيه نظر؛ لأن في حديث الباب لم يستيقظوا حتى وجدوا حر الشمس، وذلك لا يكون إلا بعد أن يذهب وقت الكراهة.
وقيل الأمر بذلك منسوخ بقوله تعالى {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء 78] ، وبقوله صلى الله عليه وسلم (( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ) )وفيه نظر؛ لأن الآية مكية، والقصة بعد الهجرة، وقد قيل إنما أخر النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة؛ لاشتغالهم بأحوالها، وقيل تحرزًا من العدو، وقيل انتظارًا لما نزل عليه من الوحي، وقيل ليستيقظ من كان نائمًا، وينشط من كان كسلانًا.
(فَسَارَ) صلى الله عليه وسلم ومن معه (غَيْرَ بَعِيدٍ) وهذا يدل على أن الارتحال المذكور وقع على خلاف سيرهم المعتاد (ثُمَّ نَزَلَ فَدَعَا بِالْوَضُوءِ) بفتح الواو (فَتَوَضَّأَ) صلى الله عليه وسلم ومن معه (وَنُودِيَ بِالصَّلاَةِ) المراد من النداء هو التأذين؛ لما في رواية مسلم من حديث أبي قتادة من التصريح بالتأذين (فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا انْفَتَلَ) أي انصرف وفرغ (عَنِ الصَّلَاةِ إِذَا هُوَ برَجُلٍ) لم يعرف اسمه. وقال صاحب (( التوضيح ) )هو خلاد بن رافع بن مالك الأنصاري أخو رفاعة، وفيه نظر؛ لأن ابن الكلبي قال هو شهد بدرًا، وقتل يومئذ، ووقعة
ج 2 ص 632
البَدْر مقدمة على هذه القصة، فاستحال أن يكون هو إياه، وقيل له رواية، وهذا يدل على أنه عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
وفيه أنه لا يلزم من كونه له رواية على تقدير الصحة أن يكون عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لاحتمال أن تكون الرواية عنه منقطعة، أو متصلة، لكن نقلها عنه صحابي آخر، وعلى هذا، فلا منافاة بين هذا وبين قول من قال إنه قتل ببدر إلا أن تجيء رواية عن تابعي غير مخضرم صرح فيها بسماعه منه، فحينئذ يلزم أن يكون عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لا يلزم أن يكون هو صاحب هذه القصة، إلا إن وردت رواية مخصوصة بذلك. قال العسقلاني ولم أقف عليها إلى الآن.
(مُعْتَزِلٍ) أي منفرد عن الناس (لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم له (مَا مَنَعَكَ يَا فُلاَنُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ قَالَ) يا رسول الله (أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلاَ مَاءَ) . قال الحافظ العسقلاني بفتح الهمزة؛ أي معي، أو موجود، وهو أبلغ في إقامة عذره وأبسط.
وتعقَّبه محمود العيني بأن كلمة (لا) لنفي جنس الماء، وعدم الماء معه لا يستلزم عدمه عند غيره فحينئذ لا يستقيم نفي جنس الماء، ويجوز أن تكون (لا) هنا بمعنى ليس فيرتفع الماء حينئذ، ويكون المعنى ليس ماء عندي.
وقال ابن دقيق العيد حذف الخبر في قوله (ولا ماء) أي موجود أو عندك، وفي حذف الخبر بسط لعذره؛ لما فيه من نفي الجميع كأنه نفى وجود الماء بالكلية بحيث لو وُجِدَ بسببٍ أو سَعْيٍ أو غير ذلك لحصَّله، فإذا نفى وجوده مطلقًا كان أبلغَ في النَّفي وأعذَرَ له.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (عَلَيْكَ) أي الزم (بِالصَّعِيدِ) وفي رواية سَلْم بن زَرير [2] (( فأمره أن يتيمم بالصعيد ) )وكذا في رواية المؤلِّف في علامات النبوة [خ¦3571] واللام في الصعيد للعهد؛ أي المذكور في الآية الكريمة {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء 43] ، ويؤخذ منه الاكتفاء في البيان بما يحصل به المقصود من الإفهام؛ لأنه أحاله على الكيفية المعلومة من الآية، ولم يُصَرِّحْ له بها.
(فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ) لإباحة الصلاة؛ أي ما لم تحدث، وفي ذلك إشارة إلى أن المتيمم لا يلزمه القضاء، ويحتمل أن يكون المراد بقوله يكفيك؛ أي للأداء، فلا يدل على ترك القضاء (ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَاشْتَكَى إِلَيْهِ) صلوات الله وسلامه عليه (النَّاسُ) فاشتكوا الناس من قبيل أكلوني البراغيث.
(مِنَ الْعَطَشِ، فَنَزَلَ) صلى الله عليه وسلم (فَدَعَا فُلاَنًا) هو عمران بن الحصين
ج 2 ص 633
راوي الحديث، يدل على ذلك قوله في رواية سَلْم بن زرير عند مسلم (( ثمَّ عجلني النبي صلى الله عليه وسلم في ركْبٍ بين يديه نَطْلُبُ الماء ) ) (كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ) العطاردي (نَسِيَهُ) وفي رواية (عَوْفٌ) الأعرابي (وَدَعَا عَلِيًّا) هو ابن أبي طالب رضي الله عنه.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم لهما (اذْهَبَا فَابْتَغِيَا) من الابتغاء وهو الطلب، وفي رواية من الثلاثي؛ أي اطلبا، وهذه الرواية تدل على أنه كان هو وعلي رضي الله عنها فقط؛ لأنهما خوطبا بلفظ التثنية، ويحتمل أنه كان معهما غيرهما على سبيل التبعية، فيتجه إطلاق لفظ ركب في رواية سَلْم، وخصا بالخطاب؛ لأنهما المقصودان بالإرسال.
(الْمَاءَ) وفيه الجري على العادة في طلب الماء وغيره دون الوقوف، وأن التسبب في ذلك غير قادح في التوكل (فَانْطَلَقَا، فَتَلَقَّيَا) وفي رواية (امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ) تثنية مزادة، بفتح الميم وبالزاي المخففة الراوية، ويجمع على مَزَاد ومَزَائِد، وقيل هي القربة، أو الكبيرة، وسميت بذلك؛ لأنه يزاد فيها جلد آخر من غيرها.
(أَوْ لَهَا) شك من الراوي أو من عوف بعينه؛ لخلو رواية سَلْم، عن أبي رجاء عنها (سَطِيحَتَيْنِ) أي بين سطيحتين، والسَّطِيحة، بفتح السين وكسر الطاء المهملتين هي المزادة التي بين الأديمين؛ سطح قوبل أحدهما بالآخر.
وفي (( الجامع ) )هي إداوة تتخذ من جلدين وهي أكبر من القربة.
(مِنْ مَاءٍ) سقط قوله عند ابن عساكر (عَلَى بَعِيرٍ) وفي رواية سلم (( فإذا نحن بامرأة سادلة؛ أي مدلية رجليها بين مزادتين ) ).
(فَقَالاَ لَهَا أَيْنَ الْمَاءُ؟ قَالَتْ عَهْدِي) مبتدأ، وقوله (بِالْمَاءِ) متعلق به، وقوله (أَمْسِ) ظرف له، وهو مبني على الكسر عند الحجازيين، ومعرب غير منصرف للعَدْلِ والعَلَمِية عند بني تميم.
وقوله (هَذِهِ السَّاعَةَ) بدل من (أمس) بدل بعض من كل؛ أي مثل هذه الساعة، والخبر محذوف؛ أي حاصل ونحوه، أو أمس خبرًا لمبتدأ؛ لأن المصدر مخبر عنه بظرف الزمان على ما جوزه أبو البقاء، وعلى هذا يضم سين أمس على لغة بني تميم، وجوز في (( المصابيح ) )أن يكون الخبر قوله بالماء، وأمس ظرفًا لعامل هذا الخبر؛ أي عهدي ملتبس بالماء في أمس.
(وَنَفَرُنَا) النفر بالتحريك، والنَّفرْ بالسكون، والنفور والنفير ما دون العشرة من الرجال، والجمع أنفار كذا في (( المحكم ) ).
وفي (( الواعي ) )النفر ما بين الثلاثة إلى العشرة، والعرب تقول هؤلاء نفرك؛
ج 2 ص 634
أي رهطك ورجالك الذين أنت منهم، وهؤلاء عَشَرة نفر؛ أي عشَرة رجال، ولا يقولون عشرون نفرًا، ولا ثلاثون نفرًا، سموا بذلك؛ لأنهم إذا حزبهم أمر اجتمعوا، ثمَّ نفروا إلى عدوهم. وقال الخطابي لا واحد له.
(خُلُوف) بضم الخاء، جمع خالف، وهو المسافر نحو شاهد وشهود، ويقال حيٌّ خُلُوفٌ؛ أي غُيَّبٌ، وقال ابن عرفة الحيّ خُلُوف؛ أي خَرَجَ الرجال، وبقِيِت النِّساء.
وقال الخطابي هم الذين خرجوا للأسفار وخلَّفوا النساء والأثْقَال، وارتفاعُ خُلوف على أنه خبر، وفي رواية المستملي والحمُّويي بالنصب، قال الكرماني أي كان نَفَرُنا خُلوفًا.
وقال الزركشي، والدَّماميني، وابن حجر العسقلاني إنَّه منصوب على الحال السادَّة مسدَّ الخبر على مثال قوله تعالى (( وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ) ) [يوسف 8] بالنصب على القراءة الشاذة. قال محمود العيني والأوجه ما قاله الكِرماني.
(قَالاَ لَهَا انْطَلِقِي إِذًا) أي إذا كان عهدك بالماء أمس هذه الساعة (قَالَتْ إِلَى أَيْنَ؟ قَالاَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَتِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ؟) يروى بالهمزة وبغيرها، فالأول من صبأ إذا خرج من دين إلى دين، والثاني من صبا يصبو إذا مال، وسيوسع الكلام فيه.
(قَالاَ هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ) أي تقصدين وتريدين، من عَنى يَعْني إذا قَصَدَ وقولهما (هو الذي تعنين) فيه حسن الأدب وحسن التخلص، إذ لو قالا لا؛ لفات المقصود، ولو قالا نعم؛ لم يحسن ذلك؛ لأن فيه تقرير ذلك، فَتَخلَّص بهذا اللفظ، وأشار إلى ذاته الشريفة لا إلى تسميتها.
(فَانْطَلِقِي) إليه بكسر اللام أمر (فَجَاءَا) أي علي وعمران رضي الله عنهما (بِهَا إِلَى النَّبِيِّ) وفي رواية (صلى الله عليه وسلم وَحَدَّثَاهُ الْحَدِيثَ) الذي كان بينهما وبينها (قَالَ فَاسْتَنْزَلُوهَا) أي طلبوا منها النزول (عَنْ بَعِيرِهَا) وجمع باعتبار أنه كان مع عمران وعلي مَن تبعهما ممن يُعينهما ويَخدُمهما.
(وَدَعَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) بعد أن أحضروها بين يديه (بِإِنَاءٍ، فَفَرَّغَ) من التفريغ، وفي رواية من الإفراغ (مِنْ أَفْوَاهِ) جمع فم (الْمَزَادَتَيْنِ) وهو من قبيل قوله تعالى {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم 4] ، وزاد الطبراني والبيهقي (( فمضمض في الماء وأعاده في أفواه المزادتين ) )وبهذه الزيادة تظهر الحكمة في ربط الأفواه بعد فتحها،
ج 2 ص 635
وبهذا حصلت البركة؛ لاختلاط ريقه المبارك للماء.
(أَوِ السَّطِيحَتَيْنِ) والشك من الراوي أيضًا (وَأَوْكَأَ) أي ربط وشد من الإيكاء وهو شد الوكاء، وهو ما تشد به القربة (أَفْوَاهَهُمَا، وَأَطْلَقَ) أي حل وفتح (الْعَزَالِيَ) جمع عَزلاء، بفتح العين وبالمد فم المزادة الأسفل.
وقال الجوهري العزالِي، بكسر اللام، وإن شئت فتحت مثل الصحاري والصحارَى، ويقال العزلاء مصب الماء من الراوية والقِربة، ولكلِّ مزادةٍ عزلاوان من أسفلها.
وفي (( الجامع ) )عزلاء القربة مصبٌّ يُجعل في أحدِ يديها يستفرغ منه ما فيها، وإنما سميت عزالي السحاب تشبهًا بها.
وقال السفاقسي رويناه بالفتح، وهو أفواه المزادة السُّفلى.
وقال الداودي العزالي الجوانب الخارجة لرجلي الزق الذي يرسل منها الماء.
وقال الداودي أيضًا ليس في أكثر الروايات أنهم فتحوا المزادتين، أو السطيحتين، ولا أنهم أطلقوا العَزَالي، وإنما شقُّوا المزادتين، وهو معنى صبوا منهما.
(وَنُودِيَ فِي النَّاسِ اسْقُوا) بهمزة وصل من السقي، أو بهمزة قطع من الإسقاء؛ أي اسقوا غيركم كالدواب (وَاسْتَقُوا) أمر من الاستقاء، والفرق بينهما أن السقي لغيره، والاستقاء لنفسه، ويقال أيضًا سقيته لنفسه وأسقيته لماشيته.
(فَسَقَى مَنْ سقا) وفي رواية (وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ، وَكَانَ آخِرَ ذَلكَ) بنصب (آخِرَ) على أنه خبر (كان) مقدمًا على اسمه الذي هو قوله (أَنْ أَعْطَى) بأن المصدرية، ويجوز رفع (آخر) على الاسمية، وقد قرئ بهما في قوله تعالى {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا} [النمل 56] .
قال أبو البقاء والأمران جائزان، والأول أولى. انتهى.
لعل وجه الأولوية أن (أن) والفعل أَعْرَفُ، وهو أولى بالاسمية، وإن كان كل منهما معرفة، فتأمل.
(الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَنَابَةُ) وكان معتزلًا (إِنَاءً مِنْ مَاءٍ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم للذي أصابته الجنابة (اذْهَبْ، فَأَفْرِغْهُ) بقطع الهمزة من الإفراغ (عَلَيْكَ وَهْيَ) أي المرأة (قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ) بالبناء للمجهول (بِمَائِهَا) والجملة حالية.
قال بعض الشارحين إنما أخذوها واستجازوا أخذ مائها؛ لأنها كانت كافرة حربية، وعلى تقدير أن يكون لها عهد فضرورة العطش تبيح للمسلم الماء المملوك لغيره على عوض، وإلا فنفس الشارع تُفْدَى بكل شيء على سبيل الوجوب.
(وَايْمُ اللَّهِ) بوصل الهمزة مع فتحها.
قال الجوهري أيمن الله اسم وضع للقسم هكذا، بضم الميم والنون وألفه ألف الوصل عند الأكثر، ولم يجئ في الأسماء ألف وصل مفتوحة غيرها، وهو مرفوع بالابتداء وخبره محذوف، والتقدير أيمن الله قسمي، وربما حذفوا منه النون فقالوا أيم الله.
وقال أبو عبيد كانوا يحلفون ويقولون يمين الله
ج 2 ص 636
لا أفعل، فجمع اليمين على أيمن، ثمَّ كثر في كلامهم، فحذفوا النون منه، فألفه ألف قطع، وهو جمع، وإنما طرحت الهمزة في الوصل؛ لكثرة استعمالهم إياها، وفيها لغات جمع منها النووي في (( تهذيبه ) )سبع عشرة، وبلغ بها غيره عشرين.
(لَقَدْ أُقْلِعَ) على البناء للمفعول، من الإقلاع (عَنْهَا) يقال أقلع عن الأمر إذا كف عنه (وَإِنَّهُ) أي الشأن (لَيُخَيَّلُ) على البناء للمفعول، من التخييل بمعنى إلقاء الشيء في الخيال (إِلَيْنَا أَنَّهَا) أي إن كلًا من المزادتين (أَشَدُّ مِلْأَةً) بكسر الميم وفتحها وسكون اللام بعدها همزة مفتوحة؛ أي امتلاءً، وفي رواية البيهقي (( أملأ ) ).
(مِنْهَا حِينَ ابتُدِئ) على البناء للمفعول (فِيهَا) معناه أنهم يظنون أن ما بقي فيها من الماء أكثر مما كان أولًا، وهذا من عظيم آياته، وباهر دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم حيث توضؤوا وشربوا وسقوا واغتسل الجنب مما انصبَّ من العزالي، بل في رواية سَلْم بن زَرير أنهم ملؤوا كلَّ قِربة كانت معهم، وأنهم كانوا أربعين، وبقيت المزادتان مملوءتين، بل تخيل الصحابة أن ماءها أكثُر مما كان أولًا.
هذا، وقال القاضي عياض ظاهر هذه الرواية؛ يريد به روايةَ سَلْم بن زَرِير أنَّ جملة من حضر هذه القصة كانوا أربعين، ولا نعلم مخرجًا أخرجَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خَرَجَ في هذا العدد، فلعلَّ الركبَ، الذين عَجَّلَهم بين يديه لطلب الماء، وأنهم وجدوا المرأة، وأنهم أسقوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الناس وشربوا، ثمَّ شرب الناسُ بعدَهم، كانوا أربعين.
(فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) لأصحابه (اجْمَعُوا لَهَا) تطييبًا لخاطرها في مقابلة حبسها في ذلك الوقت عن السير إلى قومها، وما نالها من مخافة أخذ مائها، لا أنه عوض عن ماء أخذ من مائها (فَجَمعوا لَهَا مِنْ بَيْنِ) وفي رواية (عَجْوَةٍ) العجوة أجود تمر المدينة.
وقال ابن التِّين العجوة نوع من تمر المدينة أكبر من الصيَّحاني، وتسمى اللِّيْنَة، وهي من أجود تمر المدينة.
(وَدَقِيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ) بفتح أولهما، وفي رواية بضم الدال والسين مصغرين (حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا) زاد أحمد في روايته «كثيرًا» والطعام في اللغة ما يؤكل، قاله الجوهري.
قال وربما خص بالبر، وفي حديث أبي سعيد «كنا نخرج صدقة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
ج 2 ص 637
صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير».
قال الحافظ العسقلاني وفيه إطلاق لفظ الطعام على غير الحنطة والذرة خلافًا لمن أبى ذلك، ويحتمل أن يكون قوله حتى جمعوا لها طعامًا بمعنى غير ما ذكر من العجوة وغيرها.
(فَجَعَلُوهُ) أي الذي جمعوه من الطعام، وفي رواية أي الأنواع المجموعة من الطعام (فِي ثَوْبٍ، وَحَمَلُوهَا) أي المرأة (عَلَى بَعِيرِهَا، وَوَضَعُوا الثَّوْبَ) بما فيه (بَيْنَ يَدَيْهَا) أي قدامها على البعير.
(قَالَ لَهَا) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية أي الصحابة بأمره صلى الله عليه وسلم [3] (تَعْلَمِينَ) بفتح التاء وسكون العين وتخفيف اللام، مفردة مخاطبة من باب عَلِمَ يَعْلَمُ؛ أي هل تعلمين، أو اعلمي أنا (مَا رَزِئْنَا) بفتح الراء وكسر الزاي وقد تفتح، والكسر هو الأشهر، وبالهمزة، أو بالياء الساكنة، يقال ما رزأته وما رزئته ماله؛ أي ما نقصته، فالمعنى ما نقصنا.
(مِنْ مَائِكِ شَيْئًا، وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا) بالهمزة، وفي رواية وظاهره أن جميع ما أخذوه من الماء مما زاده الله تعالى وأوجده، وأنه لم يختلط فيه شيء من مائها في الحقيقة، وإن كان في الظاهر مختلطًا، وهذا أبدع وأغرب في المعجزة، وهو ظاهر قوله (( ولكن الله هو الذي أسقانا ) ).
ويحتمل أن يكون المراد ما نقصنا من مقدار مائك شيئًا.
(فَأَتَتْ أَهْلَهَا وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ، قَالُوا) وفي رواية أي أهلها، وفي أخرى (مَا حَبَسَكِ) بكسر الكاف (يَا فُلاَنَةُ؟ قَالَتِ) حبسني (الْعَجَبُ) وهو الأمر الذي يتعجب منه لغرابته، وكذلك العجيب والعُجاب، بالضم والتخفيف، والعُجَّاب، بالتشديد، أكثرُ منه، وكذلك الأُعجوبة.
(لَقِيَنِي رَجُلاَنِ، فَذَهَبَا بِي إِلَى هَذَا الَّذِي) وفي رواية (يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ، فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لأَسْحَرُ النَّاسِ من بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ) أي (من بين) السماء والأرض، قيل كان المناسب أن تقول في بين بِلَفْظَة (في) .
وأجيب بأن (مِنْ) بيانية مع جواز استعمال حروف الجر بعضها مكان بعض.
(وَقَالَتْ) أي أشارت (بِإِصْبَعَيْهَا الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ) يعني المسبِّحة؛ لأنه يشار بها إلى التوحيد والتنزيه كما يشار بها عند المخاصمة والسب (فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ تَعْنِي السَّمَاءَ وَالأَرْضَ أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ حَقًّا) هذا منها ليس بإيمان؛ للشك،
ج 2 ص 638
لكنها أخذت في النظر فأعقبها الحق فآمنت بعد ذلك.
(فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُغِيرُونَ) بضم الياء، من الإغارة بالخيل في الحرب، ويجوز فتح الياء من غار يَغير، وهي قليلة (عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَلاَ يُصِيبُونَ الصِّرْمَ) بكسر الصاد المهملة، هو أبيات من الناس مجتمعة، والجمع أصرام.
وقال ابن سيده الصِّرم الأبيات المجتمعة المنقطعة من الناس، والصِّرم أيضًا الجماعة، وقيل هم النفر الذين ينزلون بأهليهم على الماء.
(الَّذِي هِيَ مِنْهُ) وإنما لم يغيروا عليهم، وهم كفرة، طمعًا في إسلامهم بسببها، أو لرعاية ذمامها (فَقَالَتْ) أي المرأة (يَوْمًا لِقَوْمِهَا مَا أَرَى) بفتح الهمزة؛ أي الذي أرى وأعتقد، وهو مبتدأ خبره قوله (أَنَّ) بفتح الهمزة وتشديد النون (هَؤُلاَءِ الْقَوْمَ يَدَعُونَكُمْ) أي يتركونكم (عَمْدًا) لاستئلافكم ومراعاة لما سبق بيني وبينهم لا خوفًا منكم ولا سهوًا منهم، ولا غفلة عنكم، وهذه هي الغاية في مراعاة الصحبة اليسيرة، وكان هذا القول سببًا لرغبتهم في الإسلام، وفي رواية بإسقاط (أن) ، وفي أخرى _ بضم الهمزة _؛ أي أظن، وفي أخرى بفتح الهمزة والتشديد، قيل وما نافية؛ أي ما أدري ترك هؤلاء إياكم عمْدًا لماذا هو؟ وقيل إن (أن) بمعنى لعل.
وقال أبو البقاء الجيد أنْ يكون (أنَّ هؤلاء) بالكسر على الإهمال والاستئناف، والمعنى ما أدري لماذا تمنعون من الإسلام، أو لا أعلم حالكم في تخلفكم عن الإسلام، إن المسلمين تركوا الإغارة عليكم عمْدًا مع القدرة.
(فَهَلْ لَكُمْ) رغبة (فِي الإِسْلاَمِ فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الإِسْلاَمِ) ومحصل القصة أن المسلمين صاروا يراعون قومها على سبيل الاستئلاف لهم حتى كان ذلك سببًا لإسلامهم، وبهذا يحصل الجواب عن الإشكال الذي ذكره بعضهم، وهو أن الاستيلاء على الكفار بمجرده يبيح رق نسائهم وصبيانهم، وإذا كان كذلك فقد دخلت المرأة في الرقِّ باستيلائهم عليها، فكيف وقع إطلاقها وتزويدها كما تقدم، وذلك لأنها أُطْلِقَت لمصلحة الاستئلاف الذي جر دخول قومها في الإسلام، ويحتمل أنها كان لها أمان قبل ذلك، أو كانت من قوم لهم عهد.
فإن قيل فإذا كان كذلك فكيف جوزوا التصرف في مائها؟،
ج 2 ص 639
فالجواب أن ذلك بالنظر إلى كُفْرِها، أو لضرورة الاحتياج إليه، والضرورات تبيح المحظورات، فليُتَأمل.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هذا إلى آخره في رواية المستملي وحده، وكذا قوله وأبو عبد الله هو البخاري نفسه، وأراد بهذا الإشارة إلى الفرق بين الصابئ المراد في هذا الحديث، والصابئ المنسوب إلى الطائفة الذين بينهم أبو العالية.
(صَبَأَ) أي (خَرَجَ مِنْ دِينٍ إِلَى غَيْرِهِ) يقال صبا إلى الشيء يصبو إذا مال وهو غير مهموز، وكانت العرب تسمي النبي صلى الله عليه وسلم الصابئ؛ لأنه خرج من دين قريش إلى دين الإسلام، ويسمون من دخل في الإسلام مَصْبُوًّا؛ لأنهم كانوا لا يهمزون، ويسمون المسلمين الصُّبَاة بغير همز، جمع صابي كقَاضٍ وقُضاة وغازٍ وغُزاة، وقد يقال صبى الرجل إذا عَشِقَ وهوى، وقد يقال صابئ بالهمز من صَبَا يَصْبُو بغير همز صَبْأً وصُبُوءًا إذا خَرَج من دينٍ إلى آخر.
وأما الصابئون الذين هم الطائفة المذكورة في القرآن فقد اختلف في تفسيره؛ فقد ذكر البخاري رحمه الله قول أبي العالية حيث قال
(وَقَالَ أَبُو العَالِيَةِ) رُفَيْعُ بن مِهْران الرِّياحي، مما وصله ابن أبي حاتم في (( تفسيره ) )من طريق الربيع بن أنس عنه (الصَّابِئِينَ) هم (فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ) .
وقال ابن زيد الصابئون أهل دين من الأديان كانوا بالجزيرة، جزيرة الموصل يقولون لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي ولم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وعن الحسن قال أُخْبِرَ زيادٌ أن الصابئين يصلون للقبلة، ويصلون الخَمْس، قال فأرادَ أن يَضَعَ عنهم الجزية فأخبر بعد أنهم كانوا يعبدون الملائكة، وعن قتادة وأبي جعفر الرازي هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى القبلة ويقرؤون الزبور.
وفي الكتاب (( الزاهر ) )لابن الأنباري هم قوم من النصارى قولهم أكبر من قول النصارى قال الله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى} [الحج 17] فيقال {الَّذِينَ آَمَنُوا} هم المنافقون أظهروا الإيمان وأضمروا الكفر {وَالَّذِينَ هَادُوا} اليهود المغيرون المبدلون {وَالنَّصَارَى} المقيمون على الكفر بما يصفون به عيسى عليه الصلاة والسلام، والصابئون الكفار أيضًا المفارقون للحق،
ج 2 ص 640
ويقال الذين آمنوا المؤمنون حقًا، والذين هادوا الذين بانوا ولم يغيروا، والنصارى نصار عيسى عليه الصلاة والسلام والصابئون الخارجون من الباطل إلى الحق، من آمن بالله معناه من دام منهم على الإيمان بالله عز وجل، فله أجره.
وفي كتاب «الرشاطي» الصابئ نسبة إلى صابئ بن متوشلخ عم نوح عليه الصلاة والسلام، وقيل نسبتهم إلى صابئ بن ماري، وكان في عصر إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
وقال أبو المعافى في كتابه (( المنتهى ) )هم جنس من أهل الكتاب يزعمون أنهم من ولد صاب بن إدريس عليه السلام.
وقال النسفي في (( منظومته ) )
~الصابئيات كالكتابيات في حُكم حِلِّ العَقْد والذَّكاة
وشَرْحُه أن أبا حنيفة رحمه الله يقول إنهم يعتقدون نبيًا، ولهم كتاب، فيحل مناكحة نسائهم، وتؤكل ذبائحُهم، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله هم يعتقدون الكواكب فلا يحل مناكحة نسائهم، ولا تؤكل ذبائحهم، وفي الحديث فوائد منها استحباب سلوك الأدب مع الأكابر كما في فعل عمر رضي الله عنه في إيقاظ النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها إظهار التأسف لفوات أمر من أمور الدين، ومنها أنه لا حرج على من تفوتُه صلاة لا بتقصير منه لقوله صلى الله عليه وسلم (( لا ضير ) )، ومنها أن من أجنب ولم يجد ماء، فإنه يتيمم لقوله صلى الله عليه وسلم (( عليك بالصعيد ) )، ومنها أن العالم إذا رأى أمرًا مجملًا سأل فاعله عنه ليوضحه، فيوضح له هو وجه الصواب، ومنها استحباب الملاطفة والرفق في الإنكار على أحد فيما فعله، ومنها التحريض على الصلاة بالجماعة، ومنها الإنكار على ترك الشخص الصلاة بحضرة المصلين بغير عذر.
ومنها أن قضاء الفوائت واجب ولا يسقط بالتأخير، ويأثم بتأخيره بغير عذر، ومنها أن من حلَّت به فتنة في بلد فلْيَخرجْ منه، وليهربْ من الفتنة بدينه، كما فعل الشارع بارتحاله عن بطن الوادي الذي تشاءم به لأجل الشيطان، ومنها أن من ذكر صلاة فائتةً لَه أنْ يأخُذَ ما يصلحه من وضوء وطهارة وابتغاء بقعة تطمئن نفسه للصلاة عليها كما فعل الشارع بعد أن ذكر الفائتة فارتحل بعد الذكر، ثمَّ توضأ وتوضأ الناس، ومنها استحباب الأذان للفائتة، ومنها جواز أداء الفائتة بالجماعة، ومنها طلب الماء للشرب
ج 2 ص 641
والوضوء.
ومنها أن أخذ الماء المملوك لغيره لضرورة العطش لعوض يعطيه جائز، فتأمل [4] ، ومنها أن العطشان مقدم على الجنب عند صرف الماء إلى الناس، ومنها جواز المعاطاة في الهبات والإباحات من غير لفظ من الجانبين، ومنها تقديم مصلحة شرب الآدمي والحيوان على غيره كمصلحة الطهارة بالماء لتأخير المحتاج إليها عمن سقى واستقى، فإن قيل قد وقع في رواية سَلْمِ بن زَرير «غير أنَّا لم نَسْقِ بعيرًا» . فالجواب أنه محمول على أن الإبل لم تكن محتاجة إذ ذاك إلى السقي.
ومنها جواز الخلوة بالأجنبية عند أمن الفتنة في حال الضرورة الشرعية، ومنها جواز استعمال أواني المشركين ما لم يتيقن فيها نجاسة، ومنها جواز اجتهاد الصحابة بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وفيه خلاف مشهور، ومنها جواز تأخير الفائتة عن وقت ذكرها إذا لم يكن عن تغافل واستهانة، وذلك لقوله ارتحلوا بصيغة الأمر، ومنها مراعاة ذمام الكافر والمحافظة له كما حفظ النبي صلى الله عليه وسلم هذه المرأة وقومها وبلادها فراعى في قومها ذمامها وإن كانت من صميمهم.
ومنها جواز الحَلْفِ من غير استحلاف، ومنها جواز الشكوى من الرعية إلى الإمام عند حلول أمر شديد، ومنها جواز التعريس للمسافر إذا غلبه النوم، ومنها جواز الأخذ للمحتاج برضى المطلوب منه وبغير رضاه إن تعين، ومنها جواز النوم على النبي صلى الله عليه وسلم كنوم أحد منا في بعض الأوقات، وقد مرَّ التحقيق فيه، ومنها إباحة السفر من غير أن يعين يومًا أو شهرًا.
ومنها على ما قيل جواز أخذ أموال الناس عند الضرورة بثمن إن كان له ثمن. وفيه نظر؛ لأنه بناه على أن الماء كان مملوكًا للمرأة، وأنها كانت معصومة النفس والمال، ويحتاج إلى ثبوت ذلك، وما تقدم مبنٌّي على الاحتمال، وأما قوله بثمن؛ فكأنه أخذه من إعطائها ما ذكر، وليس بمستقيم؛ لأن العطية المذكورة متقومة، والماء مثلي، وضمان المثلي إنما يكون بالمثلي، وينعكس ما قاله من جهة أخرى، وهي أن ما أخذ من فضل الماء للضرورة لا يجب العوض عنه، وقيل وفي الحديث أيضًا جواز طعام المُخَارَجَة؛ لأنهم تخارجوا في عوض الماء وهو مبني على الاحتمال أيضًا، وفيه أن الخوارق لا تغير الأحكام الشرعية، فافهم.
[1] (( وقيل كان ذلك لأجل الغفلة ) )ليس في (خ) .
[2] في هامش الأصل سَلْم بفتح السين وسكون اللام، وزرير بفتح الزاي المعجمة وبراءين مهملتين بينهما ياء أولاهما مكسورة. منه.
[3] (( من قوله وفي رواية ... إلى قوله عليه وسلم ) )ليس في (خ) .
[4] في هامش الأصل وجه التأمل أن الذي أعطاها الظاهر أنه ليس على سبيل العوص من مائها بل على سبيل التكرم والتفضل. منه.