فهرس الكتاب

الصفحة 5797 من 11127

3886 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بصيغة التَّصغير، قال (أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سعد (عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري، أنَّه (قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاري رضي الله عنهما، كذا هو في رواية الزُّهري عن أبي سلمة، وخالفه عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة فقال عن أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه مسلم، وهو محمولٌ على أنَّ لأبي سلمة فيه شيخين؛ لأنَّ في رواية عبد الله بن الفضل زيادة ليست

ج 17 ص 75

في رواية الزُّهري.

(أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَمَّا كَذَّبَنِي قُرَيْشٌ) وفي رواية الكُشميهني بزيادة تاء التأنيث وكلاهما جائز؛ أي كذبوني في الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.

وقد وقع بيان ذلك في طريق أُخرى فروى البيهقي في «الدلائل» من طريق صالح بن كَيسان عن الزُّهري عن أبي سلمة قال افتتنَ ناسٌ كثيرٌ؛ يعني عقب الإسراء فجاءَ ناسٌ إلى أبي بكر رضي الله عنه فذكروا له فقال أشهد أنَّه صادقٌ فقالوا وتصدِّقه بأنَّه أتى الشام في ليلةٍ واحدةٍ، ثمَّ رجع إلى مكَّة؟ قال نعم إني أصدِّقه بأبعد من ذلك أصدِّقه بخبر السماء، قال فسُمِّي بذلك الصِّدِّيق قال فسمعت جابرًا رضي الله عنه يقول ... فذكر الحديث.

وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند أحمد والبزَّار بإسناد حسنٍ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لما كان ليلة أُسري بي وأصبحتُ بمكَّة مرَّ بي عدوُّ الله أبو جهل، فقال هل كان من شيءٍ» ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أُسرِيَ بي اللَّيلة إلى بيت المقدس، قال ثم أصبحتَ بين أظهرنا؟ قال نعم، قال فإن دعوتُ قومك أتحدِّثهم بذلك؟ قال نعم، فقال يا معشر بني كعب بن لؤي قال فانفضت إليه المجالس حتى جاؤوا إليهما، فقال حدِّث قومك بما حدَّثتني فحدَّثهم، قال فمِن بين مصفِّق، ومن واضعٍ يده على رأسهِ متعجِّبًا، قالوا وتستطيعُ أن تنعتْ لنا المسجد ... » الحديث.

(قُمْتُ فِي الْحِجْرِ) بكسر الحاء وسكون الجيم، وهو ما تحت ميزاب الرَّحمة، وهو من جهة الشَّام.

(فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ) أي كشف الحجب بيني وبينه حتَّى رأيته، ووقع في رواية عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة عند مسلم قال فسألوني عن أشياء لم أثبتها فكربتُ كربًا لم أُكرب مثله قطُّ، فرفعه الله لي

ج 17 ص 76

أنظر إليه ما يسألوني عن شيءٍ إلَّا نبأتهم به.

ويحتمل أن يرادَ أنَّه حُمِل إلى أن وضعَ بحيث يراه ثمَّ أُعيد. ففي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما المذكور «فجيءَ بالمسجد وأنا أنظرُ إليه حتَّى وضعَ عند دار عقيل فنعتُّه وأنا أنظرُ إليه» . وهذا أبلغُ في المعجزة، ولا استحالةَ فيه فقد أُحِضرَ عرش بلقيس في طرفة عينٍ.

وأمَّا ما وقع في حديث أمِّ هانئ عند ابنِ سعد «فخُيِّل إليَّ بيت المقدس وطفقتُ أخبرهم عن آياته» فإن ثبتَ احتمل أن يكون المراد [أنّه] قريبًا منه كما قيل في حديث «أريتُ الجنَّة والنَّار» . ويؤول قوله «جيء بالمسجد» ؛ أي جيءَ بمثاله، والله تعالى أعلم. وفي حديث أمِّ هانئ أنَّهم قالوا له «كم للمسجد بابٌ؟ ولم أكن عددتها فجعلت أنظر إليه وأعدُّها بابًا بابًا» . وفيه عند أبي يَعلى أن الذي سأله عن صفة بيت المقدس هو المطعمُ بن عدي والد جُبير بن مطعم.

(فَطَفِقْتُ) بكسر الفاء وسكون القاف، وهو من أفعال المقاربة ومعناه الأخذ في الفعل (أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ) أي علاماته وأوضاعه وأحواله (وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ) أي إلى بيت المقدس، والواو فيه للحال.

وأشار ابن أبي جمرة إلى أن الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس إظهار الحق لمعانده ممَّن يريد إخماده؛ لأنَّه لو عرج به من مكَّة إلى السَّماء لم يجد لمعاندة الأعداء سبيلًا إلى البيان والإيضاح، حيث سألوه عن جزئيات من بيت المقدس كانوا رأوها وعلموا أنَّه لم يكن رآها قبل ذلك، فلمَّا أخبرهم بها حصلَ التَّحقق بأنَّه أُسرِي به إلى بيت المقدس في ليلة، وإذا صحَّ البعض لزم تصحيحُ الباقي، وكان ذلك سببًا لقوَّة إيمان المؤمنين، وزيادة في شقاءِ من عاندَ وجحدَ من الكافرين.

وقيل إنَّه أُسْري به من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، ثمَّ إلى السَّماوات ولم يُسرَ به من المسجد الحرام إلى السَّماوات ليجمع صلى الله عليه وسلم في تلك اللَّيلة بين رؤية القبلتين،

ج 17 ص 77

أو لأنَّ بيت المقدس كان هجرة غالب الأنبياء عليهم السَّلام قبله صلى الله عليه وسلم فرحلَ إليه ليجمعَ بين أشتاتِ الفضائل.

أو لأنَّه محلُّ المحشر، وغالب ما اتَّفق له في تلك اللَّيلة يناسب الأحوال الأخرويَّة، أو للتفاؤل بحصول أنواع التَّقديس له حسًّا ومعنى.

وقد رُوِي عن كعبِ الأحبار أنَّ باب السَّماء الذي يقال له مصعد الملائكة مقابل لبيت المقدس فأخذ منه بعض العلماء أنَّ الحكمة في الإسراءِ إلى بيت المقدس قبل المعراج أن يحصل العروج مستويًا من غير تعويج والعلم عند الله تعالى.

هذا وقال ابن دِحية جنحَ البخاري إلى أن ليلة الإسراء كانت غير ليلة المعراج؛ لأنَّه أفرد لكلٍّ منهما ترجمة على حدة.

وتعقَّبه الحافظ العسقلاني بأنَّه لا دَلالة في ذلك على التَّغاير عنده، بل كلامه في أوَّل الصَّلاة ظاهر في اتحادهما وذلك لأنَّه ترجم باب كيف فرضت الصَّلاة ليلة الإسراء، والصَّلاة إنما فرضت في المعراجِ فدلَّ على اتِّحادهما عنده.

وإنما أفرد كلاًّ منهما بترجمة؛ لأنَّ كلاًّ منهما يشتملُ على قصَّة منفردة وإن كانا وقعا معًا.

وقد اختلف السَّلف بحسب اختلاف الأخبار الواردة في ذلك فمنهم من ذهب إلى أنَّ الإسراء والمعراج وقعا في ليلةٍ واحدةٍ في اليقظة بجسده صلى الله عليه وسلم وروحه بعد المبعث، وهذا مذهبُ الجمهور من علماء المحدِّثين والفقهاء والمتكلِّمين وتواردتْ عليه ظواهر الأخبار الصَّحيحة ولا ينبغِي العدول عن ذلك إذ ليس في العقل ما يحيله حتى يحتاج إلى تأويل.

ونِعْم ما قال العارف الرُّومي

~كرده تأويل حرف بكررا خويش را تأويل كن نه ذكررا

~برهوا تأويل قرآن ميكني يست وكج شدا زتو تنزيل سنى [1]

نعم جاء في بعض الأخبار ما يخالفُ بعض ذلك فجنحَ لأجل ذلك بعض أهلِ العلم منهم إلى أنَّ ذلك كله وقع مرَّتين مرَّة في المنام توطئة وتمهيدًا، ومرَّة في اليقظة، كما وقع نظير ذلك في ابتداءِ مجيء الملك بالوحي.

ج 17 ص 78

وإلى هذا ذهبَ المهلَّب شارح البُخاري، وحكاهُ عن طائفة، وأبو نصر بن القشيري ومن قبلهم أبو سعد في «شرف المصطفى» قال كان للنَّبي صلى الله عليه وسلم معاريج منها ما كان في اليقظة، ومنها ما كان في المنام.

وحكاه السُّهيلي عن ابن العربي واختاره. وقد جمعوا بينه وبين حديث عائشة رضي الله عنها بأنَّ ذلك وقع مرَّتين.

وجوز بعض قائلي ذلك أن تكون قصَّة المنام قبل المبعث لأجل قول شريك في روايته عن أبيه، وذلك قبل أن يوحى إليه.

وقد تقدَّم ما يتعلق بذلك في آخر صفة النَّبي صلى الله عليه وسلم.

وسيأتي بقية الكلام في ذلك في الكلام على حديث شريك في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى.

وقال بعض المتأخرين كانت قصة الإسراء في ليلة والمعراج في ليلةٍ متمسِّكًا بما ورد في حديث أنسٍ رضي الله عنه من رواية شريك من ترك ذكر الإسراء.

وكذا في ظاهر حديثِ مالك بن صعصعة هذا، ولكن ذلك لا يستلزم التَّعدد بل هو محمولٌ على أنَّ بعض الرُّواة ذكر ما لم يذكره الآخر.

وذهب بعضُهم إلى أنَّ ليلة الإسراء كانت في اليقظة والمعراج كان في المنام، أو أنَّ الاختلاف في كونه يقظةً، أو منامًا خاصٌّ بالمعراج دون الإسراء، فإنه كان في اليقظةِ ولذلك لما أخبر به قريشًا كذَّبوه واستبعدُوا وقوعه ولم يتعرَّضوا للمعراج.

وأيضًا فإن الله سبحانه وتعالى قال {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} [الإسراء 1] فلو وقع المعراج في اليقظة لكان ذلك أبلغ في الذِّكر فلمَّا لم يقع ذكره في هذا الموضع مع كون شأنه أعجب وأمره أغرب من الإسراء بكثيرٍ دلَّ على أنَّه كان منامًا، وأمَّا الإسراء فلو كان منامًا لما كذَّبوه ولا استنكروا وقوعه لجواز ذلك وأبعد منه لآحاد الناس.

وقيل كان الإسراء مرَّتين في اليقظة فالأولى رجع من بيت المقدس وفي صبيحتهِ أخبر قريشًا بما وقع، والثانية أسرى به إلى بيت المقدس، ثمَّ عرج به من ليلته إلى السَّماء إلى آخر ما وقع، ولم يقع لقريش في ذلك اعتراضٌ؛ لأنَّ ذلك عندهم من جنس قوله

ج 17 ص 79

«إن الملَك يأتيه من السماء في أسرع من طرفة عين» ، وكانوا يعتقدون استحالةَ ذلك مع قيام الحجَّة على صدقه بالمعجزات الباهرة لكنَّهم عاندوا في ذلك واستمروا على تكذيبهِ فيه بخلاف إخباره أنَّه جاء بيت المقدس في ليلةٍ واحدةٍ ورجع، فإنهم صرَّحوا بتكذيبه فيه فطلبوا منه نعت بيت المقدس لمعرفتهم به وعلمهم بأنه ما كان رآه قبل ذلك، فأمكنَهم استعلام صدقه في ذلك بخلاف المعراج.

ويؤيِّد وقوع المعراج عقب الإسراء في ليلةٍ واحدة رواية ثابت عن أنس رضي الله عنه عند مسلم ففي أوله «أُتِيت بالبراق فركبتُ حتى أتيتُ بيت المقدس» فذكر القصَّة إلى أن قال ثمَّ عرج بنا إلى السماء الدنيا.

وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عند أبي إسحاق فلمَّا فرغت ممَّا كان في بيت المقدس أُتِيَ بالمعراج ... فذكر الحديث.

ووقع في أول حديث مالك بن صعصعة أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم حدَّثهم عن ليلة أسري به ... فذكر الحديث، فهو وإن لم يذكر فيه الإسراء إلى بيت المقدس فقد أشار إليه.

وصرَّح به في رواية فهو المعتمد واحتجَّ من زعم أن الإسراء وقع مفردًا بما أخرجه البزَّار والطَّبراني. وصحَّحه البيهقي في «الدلائل» من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه قال قلنا يا رسول الله كيف أُسرِيَ بك؟ قال «صلَّيت صلاة العتمة بمكَّة فأتاني جبريل بدابة ... » فذكر الحديث في مجيئه بيت المقدس وما وقع له فيه قال «ثمَّ انصرف بي فمررنا بعيرٍ لقريش وكان كذا. فذكره قال ثمَّ أتيت أصحابي بمكة» .

وفي حديث أمِّ هانئ عند ابن إسحاق وأبي يَعلى نحو ما في حديث أبي سعيد هذا فإن ثبتَ أن المعراج كان منامًا على ظاهر رواية شريك عن أنس رضي الله عنه فينتظم من ذلك أنَّ الإسراء وقع مرَّتين مرَّة على انفراده ومرَّة مضمومًا إليه المعراج وكلاهما في اليقظة.

والمعراج وقع مرَّتين مرَّة في المنام على انفراده توطئةً وتمهيدًا، ومرَّة في اليقظة مضمومًا

ج 17 ص 80

إلى الإسراء، وأمَّا كونه قبل المبعث فلا يثبت، وتأويل ما وقع في رواية شريك أنَّه كان ذلك قبل أن يُوحى إليه أنَّه يُحمل على أنَّه وقع في المنام وفيه تأمُّل.

وجنح الإمام أبو شامة إلى وقوع المعراج مرارًا واستند إلى ما أخرجه البزَّار وسعيد بن منصور من طريق أبي عِمران الجوني عن أنس رضي الله عنه رفعه قال «بينا أنا جالسٌ إذ جاءَ جبريل عليه السلام فوكزَ بين كتفِي فقمنَا إلى شجرةٍ فيها مثل وكرَي الطَّائر فقعدتُ في أحدهما، وقعد جبريلُ في الآخر فارتفعتْ حتى سدَّت الخافقين ... » الحديث. وفيه «وفتح لي بابٌ من السَّماء ورأيتُ النُّور الأعظم وإذا دونه حجابُ رفرفِ الدُّرِّ والياقوتِ» ، ورجالُه لا بأس بهم إلَّا أن الدارقطني ذكر له علة تقتضي إرساله، وعلى كلِّ حال فهي قصة أخرى.

قال الحافظُ العسقلاني والظَّاهر أنها وقعت بالمدينة، ولا بُعْدَ في وقوع أمثالها، وإنما المستبعد وقوعُ التَّعدد في قصَّة المعراج الذي وقع فيها سؤاله عن كلِّ نبي وسؤال أهل كل باب هل بُعث إليه وفرض الصَّلوات الخمس وغير ذلك، فإن تعدد ذلك في اليقظة لا يتَّجه، فيتعين رد بعض الرِّوايات المختلفة إلى بعض لا الترجيح إلَّا أنَّه لا بُعْدَ في وقوع جميع ذلك في المنام توطئة، ثم وقوعه في اليقظة على وفقه، والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنَّه مشتمل على بعض ما وقعَ في الإسراء.

وقد أخرجه البخاري في «التفسير» أيضًا [خ¦4710] ، وأخرجه مسلم في «الإيمان» ، والترمذي والنسائي في «التفسير» .

[1] وتعريب هذين البيتين يا إنسان أنت أسير الهوى والنفس ويجب عليك التخلص من هذه القيود أولًا ثم نشرح الكلام والمقال، تسلّح بالعلوم والعرفان ثم بعدها تفسير وشرح الحال والمقال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت