فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 11127

31 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ) بن عبد الله العَيْشي _ بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالشين المعجمة _، أبو بكر أو أبو محمد البصري، روى عن وهب بن خالد، وحماد بن زيد وغيرهما، وروى عنه البخاري، وأبو زرعة، وأبو داود، وأبو حاتم وقال صدوق. وروى النسائيُّ عن رجل عنه، ولم يرو له مسلم شيئًا، توفي سنة ثمان أو تسع وعشرين ومائتين.

(قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم، أبو إسماعيل الأزرق الأزدي البصري، سمع ثابتًا البُناني، وابن سيرين، وعَمرو بن دينار، ويحيى القطان، وأيوب وخلقًا كثيرًا. وروى عنه السفيانان، وابن المبارك، ووكيع، وغيرهم.

قال عبد الرَّحمن بن مُهدي أئمَّة الناس في زماننا أربعة سفيان الثَّوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعيُّ بالشَّام، وحمَّاد بن زيدٍ بالبصرة، وما رأيتُ أعلم من حمَّاد بن زيد، ولا سفيان، ولا مالك. وقال ابنُ سعد كان حمَّاد بن زيد ثقة ثبتًا حجَّة كثير الحديث.

وأنشدَ ابن المبارك فيه شعر

~أيُّها الطَّالب عِلمًا ائتِ حمَّاد بنَ زيدٍ

~فخُذِ العلمَ بحلمٍ ثمَّ قيِّدهُ بقيدٍ

ج 1 ص 271

~ودعِ البدعةَ من آثارَ عَمرو بنِ عُبيد

ولد سنة ثمان وتسعين، وتوفي في رمضان بالبصرة سنة تسع وسبعين، وهو ابن إحدى وثمانين، روى له الجماعة.

(قَالَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السِّختيانيُّ (وَيُونُسُ) هو ابن عُبيد بن دينارٍ البصري، رأى أنس بن مالكٍ، وسمع؛ الحسن البصري، ومحمد بن سيرين وغيرهما، وروى عنه سفيان الثَّوري والحمَّادان وغيرهم. قال أحمدُ ويحيى ثقة، توفي سنة تسع وثلاثين ومئة. قال محمد بن عبد الله الأنصاري رأيتُ سليمان وعبد الله ابني علي بن عبد الله بن عباس، وجعفرًا ومحمدًا ابني سليمان بن علي يحملون جنازته على أعناقهم، فقال عبد الله هذا هو الشَّرف كلاهما.

(عَنِ الْحَسَنِ) هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن الأنصاري، مولاهم البصري، مولى زيد بن ثابت، ويقال مولى جابر بن عبد الله الأنصاري، وأمه اسمها خيْرة _ بالخاء المعجمة وسكون المثناة التحتَّيةِ _، مولاة لأمِّ سلمة زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم، وُلد لسنتين بقيتا من خلافةِ عمر رضي الله عنه.

وقيل إن أمَّه ربما كانت تغيب فيبكي الحسن، فتعطيه أم سلمة ثديها تعلِّله إلى أن تجيء أمه فيدر ثديها فتشربه، فيرون تلك الفصاحةَ، والحكمة من بركتها، ونشأ الحسنُ بوادي القرى.

وقال الحسنُ غزونا خراسان ومعنا ثلاثمائة من أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمع ابن عمر وأنسًا وقيس بن عاصم وغيرهم من الصَّحابة.

وعن الفضيلِ بن عياض قال سألت هشام بن حسان كم أدرك الحسن من الصَّحابة؟ قال مائة وثلاثين، قال فابن سيرين، قال ثلاثين، ولم يصح للحسن سماع من عائشة رضي الله عنها. قال ابن معين لم يسمع [1] الحسن من أبي بكرة، ولا من جابر بن عبد الله، ولا من أبي هريرة، وسُئل أبو زرعة أَلَقِيَ الحسنُ أحدًا من البدريين؟ قال رآهم رؤية، رأى عثمان وعليًَّا رضي الله عنهما، قيل له سمع منهما؟ قال لا، كان الحسنُ يوم بُويع علي رضي الله عنه ابن أربع عشرة سنة، رأى عليًَّا بالمدينة، ثمَّ خرج على الكوفة والبصرة، ولم يلقَه الحسن بعد ذلك.

قال أبو زُرعة لم يسمع الحسن من أبي هريرة ولا رآه، ومن قال في الحديث عن الحسن حدَّثنا أبو هريرة فقد أخطأ، ولم يسمع من ابن عبَّاس، وسمع من ابن عمر حديثًا واحدًا.

وعن ابن رجاء قال قلتُ للحسن متى خرجت من المدينة؟ قال عام صفِّين،

ج 1 ص 272

قلت فمتى احتلمتَ؟ قال عام صفين.

وقال ابنُ سعد كان الحسن جامعًا عالمًا فقيهًا ثقةً مأمونًا، عابدًا ناسكًا كثير العلم فصيحًا جميلًا وسيمًا، قدم مكَّة فأجلسوه، واجتمعَ النَّاس إليه فيهم طاوس وعطاء ومجاهد وعَمرو بن شعيب فحدَّثهم، فقالوا _ أو قال بعضهم _ لم ير مثل هذا قطُّ. تُوفي سنة ست عشر ومئة، وتُوفي بعده ابن سيرين بمائة يوم.

روى له الجماعة.

(عَنِ الأَحْنَفِ) بالمهملة والنون، هو أبو بحر بن قيس، واسمه الضَّحاك، وقيل صخر بن قيس بن معاوية، والأحنف لقبه، وُلد وهو أحنف؛ أي أعوج، من الحنف، وهو الاعوجاج في الرِّجل، وهو أن يقبل إحدى الإبهامين من إحدى الرجلين على الأخرى، وقيل هو الَّذي يمشي على ظهرِ قدمه من شقها الَّذي يلي خنصرها، أدرك زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأسلمَ على عهدهِ ولم يره، وفد إلى عمر رضي الله عنه وكان رئيس بني تميم في الإسلام، وبه يُضربُ المثل في الحلمِ، وهو الَّذي افتتحَ مروروذ، وكان الإمامان الحسن وابن سيرين في جيشه، وولد الأحنفُ ملتزقَ الأليتين حتى شقَّ ما بينهما، وكان أعورَ، سمع عمر وعليًّا والعباس وغيرهم، وعنه الحسن وغيره.

قال الأحنفُ بينا أنا أطوفُ في زمن عثمان رضي الله عنه إذ أخذَ بيدي رجل من بني ليث يعني صحابيًا فقال أبشرك، قلت بلى، قال أتذكر إذ بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومك بني سعد فجعلتُ أعرض عليهم الإسلام وأدعوهم إليه، فقلت أنت إنه ليدعوا إلى خير، وما أسمع إلَّا حسنًا، وإنِّي ذكرت ذلك لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال (( اللَّهمَّ اغفرْ للأحنف ) )، فلا شيءَ عندي أَرجى من ذلك.

توفي بالكوفة سنة سبع وستين في إمارةِ ابن الزُّبير.

(قَالَ) أي أنه قال الأحنف (ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ) يعني عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان ذلك يوم الجمل، وكان الأحنف أرادَ أن يخرج بقومه إلى عليِّ بن أبي طالب؛ ليقاتل معه، فنهاه أبو بكرة، فرجع. ووقع في رواية المؤلِّف في الفتن (( أريد نصرة ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ) [خ¦7083] فما قيل من أنَّه يعني عثمان رضي الله عنه فمردودٌ.

(فَلَقِيَنِي) أي صادفني (أَبُو بَكْرَةَ) نُفَيع _ بصيغة التصغير _ ابن الحارث ابن كلدة _ بالكاف واللام والدال المفتوحات _، الثَّقفي كان أسلم في حصن الطائف، وعجز عن الخروج منه، فتدلَّى في النُّزول إلى النبي صلى الله عليه وسلم في بكرةٍ، وكُني أبا بكرة، وأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم

ج 1 ص 273

وهو معدودٌ من مواليه، وكان من فضلاء الصَّحابة وصالحيهم، ولم يزلْ مجتهدًا في العبادة حتَّى توفي بالبصرة سنة اثنتين وخمسين.

روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة حديث واثنان وثلاثون حديثًا، اتَّفقا على ثمانية، وانفرد البُخاري بخمسة، ومسلم بحديث، روى عنه ابناه والحسن البصري والأحنف.

روى له الجماعة.

(فَقَالَ أَيْنَ) أي أي مكان (تُرِيدُ؟ قُلْتُ) وفي رواية (أَنْصُرُ) أي أريد مكانًا أنصر، فتطابق السُّؤال والجواب (هَذَا الرَّجُلَ، قَالَ) أي أبو بكرة (ارْجِعْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلم يَقُولُ) أي قائلًا أو قوله على أن يكون بدلَ اشتمال (إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا) فضرب كلُّ واحد منهما الآخر، وفي الرواية الأخرى أي إذا ضرب كلُّ واحد منهما وجه صاحبه؛ أي ذاته وجملته (فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ) قال عياضٌ وغيره معناه إن جازاهما الله تعالى وعاقبهما، ويقال معناه أنَّهما مستحقَّان لها، وأمرهما إلى الله عزَّ وجلَّ، كما هو مصرَّح به في حديث عبادة فإن شاء عفى عنهما، وإن شاء عاقبهما، ثمَّ أخرجهما من النار فأدخلهما الجنة.

ونظير هذا الحديث في المعنى قوله تعالى {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} إذ معناه هذا جزاؤه، وليس بلازم أن يجازى فلا إشعار فيه بمذهب المعتزلة، ثمَّ إنه محمول على غير المتأول، وأمَّا إذا صدر عن اجتهاد وظنِّ صلاحٍ ديني فهما مأجوران مثابان من أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجرٌ واحدٌ، وما وقع بين الصَّحابة فهو من هذا القسم، فالحديث ليس عامًا وإنما منع أبو بكرة الأحنف منه، وامتنع بنفسه اجتهادًا منه فهو مثاب أيضًا.

وقد اختلف العلماء في القتال في الفتنة، فمنع بعضُهم القتال فيها، وإن دخلوا عليه عملًا بظاهر هذا الحديث، وبحديث أبي بكرة في (( صحيح مسلم ) )الطَّويل (( إنها ستكون فتن ) ). الحديث.

وقالوا لا يقاتل وإن دخلوا عليه وطلبوا قتله، ولا يجوز له المدافعة عن نفسه؛ لأنَّ الطالب متأوَّل وهذا مذهب أبي بَكرة وغيره. وقال عمران بن حصين وابن عمر وغيرهما لا يدخل فيها فإن قصدَ دفع أم أدفع عن نفسه. وقال معظم الصَّحابة والتَّابعين

ج 1 ص 274

يجب نصر الحقِّ، وقتال الباغين؛ لقوله تعالى {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات 9] ، وهذا هو الصَّحيح، ويتأول أحاديث المنع على من لم يظهر له الحق، أو على عدم التأويل لواحدٍ منهما، ولو كان كما قال الأوَّلون لظهر الفسادُ واستطالوا.

وقد رجع الأحنفُ عن رأي أبي بَكرة في ذلك، وشهد مع عليٍّ باقي حروبه، والحقُّ الذي عليه أهل السُّنَّة الإمساك عمَّا شجر بين الصَّحابة، وحسن الظنِّ بهم، والتَّأويل لهم وأنَّهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا، فمنهم المخطئ في اجتهادهِ والمصيب، وقد رفع الله الحرجَ عن المجتهد المخطئ في الفروعِ وضعف أجرِ المصيب.

وتوقَّف الطبريُّ وغيره في تعيين المحقِّ منهم، وصرَّح به الجمهور، وقالوا إنَّ عليًّا رضي الله عنه وأشياعه كانوا مُصيبين إذ كان أحقَّ الناس بها، وأفضل من على وجه الدُّنيا يومئذٍ.

(فَقُلْتُ يَا) أي قال أبو بكرة فقلت، وفي رواية (رَسُولَ اللَّهِ هَذَا) مبتدأ (الْقَاتِلُ) خبره؛ أي هذا يستحقُّ النار؛ لأنه قاتل، ويقال (( هذا ) )مبتدأٌ، و (( القاتل ) )مبتدأ ثانٍ، وخبره محذوفٌ، والجملة خبر المبتدأ الأول، والتَّقدير هذا القاتل يستحقُّ النار؛ لكونه ظالمًا.

(فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ) يكون في النار وهو مظلومٌ (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ) وفي رواية . قال القاضي فيه حجَّة لمن قال إنَّ العزم على الذَّنب والعقد على عملهِ معصية بخلاف الهمِّ المعفو عنه، وللمخالفِ في ذلك أن يقول هذا قد فعل أكثر من العزم وهو المواجهة والقتال.

وقال النَّووي والأوَّل هو الصَّحيح الذي عليه الجمهور.

والحاصل أنَّ من عزم على المعصية بقلبهِ، ووطَّن نفسه عليها أثمَ في اعتقادهِ وعزمه، ولهذا جاء بلفظ الحرص في الحديث، ويحملُ ما وقع من نحو قوله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ الله تجاوزَ لأمَّتي ما حدَّثت به أنفسها ما لم يتكلَّموا أو يعملُوا به ) ). ومن قوله صلى الله عليه وسلم (( إذا همَّ عبدي بسيئةٍ فلا تكتبوها عليه ) )على أنَّ ذلك فيما لم يوطِّن نفسه عليها، وإنما مرَّ ذلك بفكره من غير استقرارٍ، ويسمَّى هذا وهمًا.

فإن قيل لم أدخل الحرص على القتل، وهو صغيرة في سلك القتلِ وهو كبيرة؟.

أُجيب بأنه أدخلهما في سلكٍ واحد في مجرَّد كون صاحبهما في النار، وإن تفاوتا صغرًا وكبرًا، ثمَّ إنَّ من لطائف هذا الإسناد أنَّ فيه التَّحديث والعنعنة والسماع. ومنها أنَّ رجاله كلهم بصريون. ومنها أنَّ فيهم ثلاثة من التَّابعين

ج 1 ص 275

يروي بعضهم عن بعضٍ وهم الأحنفُ والحسن وأيُّوب، وقد أخرج متنه المؤلِّف في (( الفتن ) )أيضًا [خ¦7083] ، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.

[1] في هامش الأصل وأمَّا ما يجيء في الفتن من أنَّه قال الحسن ولقد سمعت أبا بكرة قال بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الحديث، فقد قال أبو الوليد الباجي هذا الحسنُ المذكور إنما هو الحسنُ بن علي رضي الله عنهما، وليس بالحسن البصري، فافهم. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت