3950 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ) أي ابن حكيم الأودي، قال (حَدَّثَنَا شُرَيْحُ) بضم الشين المعجمة وآخره حاء مهملة (ابْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم واللام
ج 17 ص 244
الكوفي، قال (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ) أي ابن إسحاق بن أبي إسحاق السَّبيعي (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبيعي، أنَّه (قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حَدَّثَ عَنْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ كَانَ صَدِيقًا لأُمَيَّةَ) بضم الهمزة وتخفيف الميم وتشديد التحتية (ابْنِ خَلَفٍ) بالمعجمة واللام المفتوحتين الجُمحي، وكنيتُه أبو صفوان، وفيه التفات، إذ السِّياق يقتضي أن يقول كنتُ صديقًا، ويحتمل أن تكون «قال» زائدةٌ. ويكون قوله «كان» من كلام ابن مسعود رضي الله عنه، والمراد ، وهي رواية النَّسفي.
(وَكَانَ أُمَيَّةُ إِذَا مَرَّ بِالْمَدِينَةِ نَزَلَ عَلَى سَعْدٍ، وَكَانَ سَعْدٌ إِذَا مَرَّ بِمَكَّةَ نَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ) أي ابن خلف أبي صفوان. ووقع في «علامات النُّبوة» [خ¦3632] من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق ، كذا للمروزي، وكذا أخرجه أحمدُ والبيهقي من طريق إسرائيل. والصَّواب ما عند الباقين أميَّة بن خلف أبي صفوان. وعند الإسماعيلي أبي صفوان أميَّة بن خلف، وهي كنيةُ أمية كنِّي بابنه صفوان بن أمية.
وكذلك اتَّفق أصحاب أبي إسحاق، ثمَّ أصحاب إسرائيل على أنَّ النُّزول على أميَّة بن خلف، وخالفهم أبو علي الحنفي فقال نزلَ على عتبة بن ربيعة. وسياق القصَّة كلها، أخرجه البزَّار، وقول الجماعة أولى.
وعتبة بن ربيعة قتل ببدر أيضًا، لكنه لم يكن كارهًا في الخروج من مكَّة إلى بدرٍ، وإنما حرَّض الناس على الرُّجوع بعد أن سلمتْ تجارتهم، فخالفه أبو جهل. وفي سياق القصَّة بيان واضحٌ لأنَّها لأميَّة بن خلف لقوله فيها «فقال لامرأته أم صفوان» ولم يكن لعتبة بن ربيعة امرأة يُقال لها أم صفوان.
(فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ انْطَلَقَ سَعْدٌ مُعْتَمِرًا، فَنَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ بِمَكَّةَ، فَقَالَ) أي سعد بن معاذ رضي الله عنه (لأُمَيَّةَ انْظُرْ لِي سَاعَةَ خَلْوَةٍ لَعَلِّي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ) وفي رواية إسرائيل «فقال أمية لسعد ألا أنتظر حتى يكون نصف النهار» . ويجمع بينهما بأنَّ سعدًا سأله وأشارَ عليه أميَّة، وإنما اختارَ له نصف النّهار؛ لأنَّه مظنَّة الخلوة.
(فَخَرَجَ بِهِ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ، فَلَقِيَهُمَا أَبُو جَهْلٍ) عَمرو بن هشام المخزومي،
ج 17 ص 245
كنَّاه به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان في الجاهليَّة يكنى بأبي الحكم (فَقَالَ يَا أَبَا صَفْوَانَ، مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ فَقَالَ هَذَا سَعْدٌ، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ أَلاَ أَرَاكَ) بتخفيف اللام للاستفتاح، وفي رواية الكُشميهني بحذف همزة الاستفهام، وهي مرادةٌ، ويروى بدون كلمة «أَلَا» .
(تَطُوفُ بِمَكَّةَ آمِنًا وَقَدْ أَوَيْتُمُ) بالمدِّ والقصر (الصُّبَاةَ) بضم الصاد، جمع الصَّابي، كالقضاة والقاضي، وهو المائلُ عن دينه إلى دينِ غيره، وفي رواية إسرائيل «وقد آويتم محمدًا وأصحابه» [خ¦3632] (وَزَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ تَنْصُرُونَهُمْ وَتُعِينُونَهُمْ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْلاَ أَنَّكَ مَعَ أَبِي صَفْوَانَ مَا رَجَعْتَ إِلَى أَهْلِكَ سَالِمًا. فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِي هَذَا لأَمْنَعَنَّكَ مَا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْكَ مِنْهُ، طَرِيقَكَ عَلَى الْمَدِينَةِ) يروى «طريقَك» ، بالنصب على أنَّه بدل من قوله «ما هو أشدُّ عليك منه» . ويروى أيضًا بالرفع على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي هو طريقُك، وفي رواية إسرائيل «متجرك إلى الشام» [خ¦3632] ، وهو المرادُ بقطع طريقهِ على المدينة.
(فَقَالَ لَهُ أُمَيَّةُ لاَ تَرْفَعْ صَوْتَكَ يَا سَعْدُ عَلَى أَبِي الْحَكَمِ، سَيِّدِ أَهْلِ الْوَادِي، فَقَالَ سَعْدٌ دَعْنَا عَنْكَ يَا أُمَيَّةُ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّهُمْ قَاتِلُوكَ) كذا بصيغة الجمع، والمراد المسلمون أو النَّبي صلى الله عليه وسلم، وذكره بهذه الصِّيغة تعظيمًا. وفي بقيَّة سياق القصَّة ما يؤيِّد هذا الثاني. ويروى بتحتانية بدل الواو، وقالوا هي لحنٌ، ووجِّهت بحذف الأداة، والتَّقدير إنهم يكونون قاتليك، وفي رواية إسرائيل «إنه قاتلك» [خ¦3632] بالإفراد. وقد تقدَّم في «علامات النُّبوة» [خ¦3632] بيان وهم الكرمانيِّ في شرح هذا الموضع، وأنَّه ظنَّ أن الضَّمير لأبي جهل. واستشكلَه فقال إنَّ أبا جهل لم يقتل أميَّة، ثم تأوَّل ذلك بأن كان سبيًا في خروجه حتى قتل.
قال الحافظُ العسقلاني ورواية الباب كافية في الردِّ عليه، فإن فيها أنَّ أميَّة قال لامرأته إنَّ محمدًا أخبرهم أنَّه قاتلي، ولم يتقدَّم في كلامه لأبي جهل ذكرٌ. ويروى ؛ أي الطَّائفة القاتلون لك.
ج 17 ص 246
(قَالَ) أي أميَّة (بِمَكَّةَ) أي إنهم قاتلوك بمكَّة (قَالَ لاَ أَدْرِي، فَفَزِعَ لِذَلِكَ أُمَيَّةُ فَزَعًا شَدِيدًا) بيَّن سبب فزعه في رواية إسرائيل ففيها «فقال والله ما يكذب محمد إذا حدَّث» [خ¦3632] . ووقع عند البيهقيِّ «فقال والله ما يكذب محمَّد، وكاد أن يُحْدِث» ، كذا وقع بضم التحتانية وسكون المهملة وكسر الدال، من الحدث، وهو خروج الخارج من أحد السَّبيلين، والضَّمير لأميَّة؛ أي إنَّه كاد أن يخرجَ منه الحدث من شدَّة فزعه. قال الحافظ العسقلاني وما أظنُّ ذلك إلَّا تصحيفًا.
(فَلَمَّا رَجَعَ أُمَيَّةُ إِلَى أَهْلِهِ قَالَ يَا أُمَّ صَفْوَانَ) هي كنيةُ امرأة أميَّة، واسمها صفيَّة، ويُقال كريمة بنت مَعْمر بن حبيب بن وهب بن حُذَافة بن جمح، وهي من رهط أميَّة، فأميَّة ابن عم أبيها.
(أَلَمْ تَرَيْ مَا قَالَ لِي سَعْدٌ) وفي رواية إسرائيل «ما قال لي أخي اليثربي» [خ¦3632] ، ذكره بالأخوَّة باعتبار ما كان بينهما من المؤاخاة في الجاهليَّة، ونسبه إلى يثرب، وهو اسمُ المدينة قبل الإسلام.
(قَالَتْ وَمَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا أَخْبَرَهُمْ) أي أصحابه (أَنَّهُ قَاتِلِيَّ، فَقُلْتُ لَهُ بِمَكَّةَ؟ قَالَ لاَ أَدْرِي، فَقَالَ أُمَيَّةُ وَاللَّهِ) ويروى (لاَ أَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ) يُؤخذ منه أنَّ الأخذ بالمحتمل حيث يتحقَّق الهلاك في غيره، أو يقوي الظنَّ أولى.
(فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ) وزاد إسرائيل «وجاء الصريخ» [خ¦3632] وفيه إشارة إلى ما أخرجه ابنُ إسحاق كما تقدَّم قبل هذا الباب [خ¦3949] ، وعرف أنَّ اسم الصَّارخ ضمضم بن عَمرو الغفاري. وذكر ابنُ إسحاق بأسانيده أنَّه لما وصل إلى مكَّة جَدَعَ بعيره، وحوَّل رحله، وشقَّ قميصه، وصرخ يا معشرَ قريش أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد الغوث الغوث.
(اسْتَنْفَرَ أَبُو جَهْلٍ النَّاسَ) أي طلب خروجهم (قَالَ أَدْرِكُوا عِيرَكُمْ) بكسر العين المهملة وسكون التحتية، وهي الإبلُ التي تحمل الميرة، والمراد القافلة التي كانت مع أبي سفيان (فَكَرِهَ أُمَيَّةُ أَنْ يَخْرُجَ، فَأَتَاهُ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ يَا أَبَا صَفْوَانَ، إِنَّكَ مَتَى يَرَكَ» بالجزم(النَّاسُ قَدْ تَخَلَّفْتَ، وَأَنْتَ سَيِّدُ أَهْلِ الْوَادِي) أي وادي مكة. وقد تقدَّم أنَّ أميَّة وصف بها أبا جهل لمَّا خاطب سعدًا بقوله «لا ترفع صوتك على أبي الحكم، فإنَّه سيد أهل الوادي» ، فتعارضا وكان كلٌّ منهما سيَّدًا في قومه.
(تَخَلَّفُوا مَعَكَ) ثمَّ إنَّ قوله «متى يرك» ، هكذا وقع في رواية الأَصيلي بحذف الألف على الجزم، وهو الوجه. وفي رواية بإثبات الألف، وفي رواية الكشميهني بزيادة «ما» أيضًا، وهي الزائدةُ الكافة عن العمل،
ج 17 ص 247
وأمَّا بحذف «ما» ، فكان حقُّ الألف من «يراك» أن تُحذف؛ لأنَّ «متى» للشرط، وهي تجزمُ الفعل المضارع.
قال ابنُ مالك يخرَّج ثبوت الألف على أنَّ قوله «يراك» مضارع راءَ بتقديم الألف على الهمزة، وهي لغة في رأى، ومضارعه يراءُ بمدٍّ ثم همزة، فلمَّا جزمت حذفت الألف، ثم أبدلت الهمزة ألفًا، فصار يَرا، أو على إجراء المعتل مجرى الصَّحيح أو على الإشباع كما قُرئ {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقي} [يوسف 90] .
(فَلَمْ يَزَلْ بِهِ أَبُو جَهْلٍ) بيَّن أبو إسحاق الصِّفة التي كاد بها أبو جهل أميَّة حتى خالفَ رأي نفسه في ترك الخروج من مكة فقال حدَّثني ابنُ أبي نَجيح أنَّ أميَّة بن خلف كان قد أجمعَ على عدم الخروج، وكان شيخًا جسيمًا، فأتاه عقبةُ بن أبي مُعَيط بمجمرةٍ حتى وضعَها بين يديه، فقال إنَّما أنت من النساء، فقال قبَّحك الله، وكان أبا جهل سلَّط عقبة عليه حتى صنع به ذلك، وكان عقبة سفيهًا.
(حَتَّى قَالَ أَمَّا إِذْ غَلَبْتَنِي، فَوَاللَّهِ لأَشْتَرِيَنَّ أَجْوَدَ بَعِيرٍ بِمَكَّةَ) أي فأستعِدُّ عليه للهرب إذا خفتُ شيئًا (ثُمَّ قَالَ أُمَيَّةُ) في الكلام حذف تقديره فاشترى البعير الذي ذكر، ثمَّ قال لامرأته (يَا أُمَّ صَفْوَانَ جَهِّزِينِي، قَالَتْ لَهُ يَا أَبَا صَفْوَانَ، وَقَدْ نَسِيتَ مَا قَالَ لَكَ أَخُوكَ الْيَثْرِبِيُّ؟ قَالَ لاَ، مَا أُرِيدُ أَنْ أَجُوزَ) أي أنفذ وأسلك (مَعَهُمْ إِلاَّ قَرِيبًا، فَلَمَّا خَرَجَ أُمَيَّةُ أَخَذَ لاَ يَنْزِلُ مَنْزِلًا إِلاَّ عَقَلَ بَعِيرَهُ) كذا في رواية الكُشميهني بنون وزاي من النُّزول، وهي أوجه، وفي رواية غيره بمثناة وراء وكاف.
(فَلَمْ يَزَلْ بِذَلِكَ) أي على ذلك (حَتَّى قَتَلَهُ اللَّهُ بِبَدْرٍ) أي قدَّر الله قتله ببدرٍ. قال الكرماني، وتبعه العيني بيد بلال مؤذِّن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكر الواقدي أنَّ الذي قتله خُبيب، وهو بالمعجمة والموحدة مصغرًا ابن إساف بكسر الهمزة وبمهملة خفيفة الأنصاري.
وفي الحديث معجزات للنَّبي صلى الله عليه وسلم ظاهرة، وما كان عليه سعد بن معاذ رضي الله عنه من قوَّة النَّفس واليقين. وفيه أنَّ شأن العمرة
ج 17 ص 248
كان قديمًا، وأنَّ الصَّحابة كانوا مأذونًا لهم في الاعتمار من قبل أن يعتمرَ النَّبي صلى الله عليه وسلم.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.
وقد تقدم الحديث في «علامات النبوة» [خ¦3632] .