3957 - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) الجزري، بالجيم والزاي والراء، قال (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابنُ معاوية، قال (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد الله السَّبيعي (قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ) أي ابن عازب رضي الله عنه (يَقُولُ حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا أَنَّهُمْ كَانُوا عِدَّةَ أَصْحَابِ طَالُوتَ) هو طالوت بن قشن بن أقبيل بن صادق بن يحوم بن يحورث بن أفيح بن ناحور بن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، كذا نسبه العيني، وقال الحافظُ العسقلاني هو طالوت بن قيس من ذرِّيَّة بنيامين بن يعقوب شقيق يوسف عليهم السلام.
هذا واسم طالوت بالعبرانية شاول، وكان دبَّاغًا يعملُ الأديم، قاله وهب. وقال عكرمة والسُّدِّي كان سقَّاء يسقِي على حمارٍ له من النِّيل فضَلَّ حماره، فخرج في طلبه، وقد ذكر الله تعالى قصَّته في القرآن في سورة البقرة.
ملخصها إنَّ الله تعالى بعثَ إلى بني إسرائيل نبيًا يقال له أَشْمُوِيل من ذرِّية هارون عليه السلام، وكان قد غلب عليهم جالوت ملك العمالقة، وكانوا يَسكنون ساحلَ بحر الرُّوم بين مصر وفلسطين، وطلب بنو إسرائيل من أَشْمويل عليه السلام أن يجعلَ عليهم ملك يقاتل جالوت، فسألَ الله تعالى فأمَّرَ عليهم طالوت، وذلك أنَّ أَشْمويل عليه السلام حين سأل الله تعالى ذلك أتى بعصا وقرن فيه دهن القدس.
وقيل له إنَّ الذي يكون لهم ملكًا طوله طول هذه العصا، وإذا دخل
ج 17 ص 289
عليك ينشر هذا الدُّهن الذي في القرن، فدهنَ به رأسه وملكه عليهم فهو ملك بني إسرائيل، فاتَّفق أنَّ طالوت حين خرجَ في طلبِ حماره، دخل على أشمويل.
وقيل بل ضلَّت حمر لأبي طالوت فأرسله وغلامًا له في طلبها فمرَّا ببيت أشمويل فقال الغلام لطالوت لو دخلنَا على هذا النَّبي فسألناه عن أمر الحمر ليُرشدنا ويدعو لنا، فدخلا عليه فبينما هما عنده يذكران له شأن الحُمر، إذ نشر الدُّهن الذي في القرن، فقام أشمويل عليه السلام فقاسَ طالوت بالعصا، فكان على طوله وكان أطول من كلِّ أحدٍ برأسه ومنكبيهِ فقال لطالوت قرِّب، فقرَّب منه فدهن به القدس، ثمَّ قال أنت ملك بني إسرائيل الذي أَمَرني الله أن أملِّكه عليهم، فقال طالوت أمَّا علمتَ أنَّ سبطي أدنى أسباطِ بني إسرائيل، وبيتي أدنى بيوت بني إسرائيل؟ قال بلى، قال فبأي آية؟ قال بآية أنَّك ترجعُ وقد وجدَ أبوك حمره، فكان كذلك.
وقال لبني إسرائيل إنَّ الله قد بعثَ لكم طالوت ملكًا، قالوا أنَّى يكون له الملك علينا ونحن أحقُّ بالملك منه، وإنَّما قالوا ذلك؛ لأنَّه كان من بني إسرائيل سبطان سبط نبوَّة وسبط مملكة، فكان سبط النُّبوة لاوي بن يعقوب، ومنه كان موسى وهارون عليهما السلام، وسبط المملكة يهوذا بن يعقوب عليه السلام، ومنه كان داود وسليمان عليهما السلام، ولم يكن طالوت من أحدِ هذين السِّبْطين، وإنما كان من سبط بنيامين بن يعقوب عليه السلام.
وكانوا عملوا ذنبًا عظيمًا، كانوا يَنكحون النِّساء على ظهر الطَّريق نهارًا، فغضبَ الله عليهم ونزعَ منهم الملك والنُّبوة، وكانوا يسمَّون سِبْط الإثم، وقصَّته طويلة.
فآخر الأمر اجتمعَ عنده ثمانون ألفًا، وكان الوقت قيظًا وسلكوا مفازة، فسألوا أن يجري الله لهم نهرًا، فقال لهم طالوتُ بأمر أشمويل عليه السلام إنَّ الله مُبْتليكم بنهر ليرى طاعتكُم، وهو نهرُ الأردن.
وقال ابنُ كثير هو النَّهر المسمَّى بالشَّريعة، فمَن شربَ منه فليس منِّي، ومن لم يشربْهُ فإنَّه منِّي؛ يعني من أهلِ ديني
ج 17 ص 290
فشربوا منه إلَّا قليلًا، وهم ثلاثمائة وبضعة عشر، كما ذكر في حديث الباب، وكان فيهم داود عليه السلام، فلمَّا وقعت المقابلة بين طَالوت وجَالوت عند قصرِ أمِّ حكيم بقربِ مرج الصُّفَّر بحوران من نواحي الشام، قتل داود جالوت كما أخبر الله تعالى في كتابه العزيز، ومات أشمويل عليه السلام بعد انكسارِ جالوت، وكان عمره اثنين وخمسين سنة، ثمَّ إنَّ طالوت اشتغل بالغزوِ حتى قتل هو وأولاده جميعًا، وقصته طويلة، وكانت مدَّة ملكه أربعين سنة، وكان أجمل النَّاس وأعلمهم وأطولهم، فلذلك سمِّي طالوت، وقيل أوحي إليه ونُبِّئ، ذكره الزَّمخشري، والله أعلم.
(الَّذِينَ جَازُوا مَعَهُ النَّهَرَ) بالجيم والزاي بغير ألف، وهي رواية الكشميهني، وفي رواية غيره بألف في أوله، وفي رواية إسرائيل الآتية «جاوزوا» [خ¦3958] من المجاوزة، والكل بمعنى (بِضْعَةَ عَشَرَ وَثَلاَثَمِائَةٍ. قَالَ الْبَرَاءُ) أي ابن عازب رضي الله عنه (لاَ وَاللَّهِ) قال الحافظُ العسقلاني هو جوابُ كلامٍ محذوفٍ تقديره إمَّا دعوى، وإمَّا استفهامٌ، هل كان بعضهم غير مؤمن؟ ويحتمل أن تكون «لا» زائدة؛ لتأكيدِ معنى عدم المجاوزة كما أنَّ الحلف لتأكيدهِ.
(مَا جَاوَزَ مَعَهُ النَّهَرَ إِلاَّ مُؤْمِنٌ) وذكر أهلُ العلم بالأخبار أنَّ المراد بالنَّهر نهر الأردن، وأنَّ جالوت كان رأس الجبارين، وأنَّ طالوت وعدَ من قتل جالوت أن يزوِّجه ابنته ويقاسمه الملك، فقتله داود عليه السلام فوفى له طالوت، وعظم قدر داود في بني إسرائيل حتَّى استقلَّ بالمملكة، وخرجَ طالوت مجاهدًا في سبيل الله حتَّى استشهد، وهذا طريق آخر في حديث البراء رضي الله عنه.
والحديث من أفراد البُخاري.