فهرس الكتاب

الصفحة 5947 من 11127

4023 - 4024 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ويروى (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) أي ابن بهرام المروزي، وقد مرَّ [الحديث] في «كتاب الصلاة» ، في باب «الجهر في المغربِ» [خ¦765] مع حديث جُبير رضي الله عنه (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) قال (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ) جُبير بن مطعم، أنّه (قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ) أي بسورة والطُّور (وَذَلِكَ أَوَّلَ مَا وَقَرَ الإِيمَانُ فِي قَلْبِي) أي أوَّل ما حصلَ وقار الإيمان في قلبي؛ أي ثباته.

فإن قيل تقدَّم في «الجهاد» ، في باب «فداء المشركين» [خ¦3050] أنَّ جبيرًا حين سمعَ قراءته في المغرب بالطُّور كان كافرًا، وقد جاءَ إلى المدينة في أسارى بدر، وإنَّما أسلم بعد ذلك يوم الفتح. فالجواب أنَّ التَّصريح بالكلمة والتزام أحكام الإسلام كان عند الفتح، وأمَّا حصول وقارِ الإيمان في صدره فكان في ذلك اليوم.

- (وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) هو موصولٌ بالإسناد السَّابق (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) بلفظ الفاعل من الإطعام (عَنْ أَبِيهِ) جُبير بن مُطعم (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ) هو والد جُبير المذكور رضي الله عنهما (حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلاَءِ النَّتْنَى) بنونين مفتوحتين بينهما مثنَّاة فوقية، وهو جمع نَتِن _ بفتح النون وكسر التاء _ كزَمِن وزَمْنى، سَمَّى أسارى بدرٍ من المشركين بالنَّتْنَى؛ لكفرهم لقوله تعالى {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة 28] .

(لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ) أي بغير فداء، وإنَّما قال ذلك لليدِ التي كانت للمُطعم وهي قيامه في نقض الصَّحيفة التي كتبتها قريشٌ على بني هاشم ومن معهم من المسلمين حين حَصَروه في الشِّعب، وكذا دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم في جوارهِ حين رجعَ من الطَّائف، على ما ذكره ابن شاهين.

وقد ذكر ابنُ إسحاق القصَّة في ذلك مبسوطة، وكذلك أوردها الفاكهِي بإسنادٍ حسنٍ

ج 17 ص 371

مرسل وفيه أنَّ المطعم أمر أربعة من أولاده فلبسوا السِّلاح، وقام كلُّ واحدٍ منهم عند ركنٍ من الكعبة فبلغَ ذلك قريشًا، فقالوا له أنت الرجل الذي لا تُخفر ذمَّتك.

وروى الطَّبراني من طريق محمد بن صالح التَّمار عن الزُّهري عن محمد بن جُبير عن أبيه قال قال المطعمُ بن عديٍّ لقريش إنَّكم قد فعلتُم بمحمَّد ما فعلتُم فكونوا أكفَّ الناس عنه، وذلك بعد الهجرة، ثمَّ مات المطعم بن عديٍّ قبل وقعة بدرٍ وله بضع وتسعون سنة.

وذكر الفاكهي بإسنادٍ مرسل أنَّ حسَّان بن ثابت رضي الله عنه رَثاه لما مات مجازاةً له على ما صنعَ للنَّبي صلى الله عليه وسلم.

وروى الترمذيُّ والنَّسائي وابن حبَّان والحاكم بإسنادٍ صحيحٍ عن عليٍّ رضي الله عنه قال جاءَ جبريلُ عليه السلام إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقال خيِّر أصحابَك في الأسرى إن شاؤوا القتل، وإن شاؤوا الفداء على أن يقتلَ منهم عامًا مقبلًا مثلهم، قالوا الفداء ويُقتل منَّا.

قال الحافظُ العسقلاني ووجه إيراد الحديث هنا كما تقدَّم في «الجهاد» [خ¦3139] أنَّه كان قَدِمَ في أسارى بدرٍ؛ أي في طلبِ فدائهم.

وتعقَّبه العيني بأنَّه غير ظاهرٍ ولم يبين لذكره هنا وجهًا.

(وَقَالَ اللَّيْثُ) هو ابنُ سعد (عَنْ يَحْيَى، عَنْ سَعِيدِ) أي الأنصاري، وصله أبو نُعيم في «المستخرج» من طريق أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد القطَّان، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، نحوه (عَنْ سَعِيْدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الأُولَى؛ يَعْنِي مَقْتَلَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَلَمْ تُبْقِ) بضم التاء، من الإبقاء (مِنْ أَصْحَابِ بَدْرٍ أَحَدًا) وكان مقتل عثمان رضي الله عنه يوم الجمعة لثمان ليال خلتْ من ذي الحجَّة يوم التروية سنة خمس وثلاثين، قاله الواقدي، وعنه أيضًا أنَّه قتل يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ذي الحجة. وقال الواقديُّ وحاصروهُ تسعة وأربعين يومًا.

وقال الزُّبير حاصروهُ شهرين وعشرين يومًا. ومعنى قوله «فلم يبقَ من أصحاب بدرٍ أحدًا» أنَّهم ماتوا منذ قامت الفتنة بمقتل عثمان رضي الله عنه

ج 17 ص 372

إلى أن قامت الفتنة الأخرى بوقعة الحرَّة، وكان آخر من مات من البدريين سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه، ومات قبل وقعة الحرَّة ببضع سنين.

وغفل من زعم أنَّ قوله «فلم يبقَ من أصحاب بدرٍ أحدًا» غلط، مستندًا بأن عليًّا وطلحة والزبير وغيرهم من البدريين رضي الله عنهم عاشوا بعد عثمان رضي الله زمانًا ومات بعضهم حتفَ أنفهم مثل مالك بن ربيعة أبو أسيد الأنصاري، وكذا أصحاب الحديبية مثل عبد الله بن عمر.

فكيف يُقال فلم تُبقِ الفتنة الأولى من أصحاب بدر أحدًا، فهو قد ظنَّ أنَّ المراد أنهم قتلوا عند مقتل عثمان رضي الله عنه، وليس المراد ذلك.

وقال الكرماني المراد أنَّ عثمان رضي الله عنه صار سببًا لهلاك كثيرٍ من البدريين، كما في القتال الذي بين علي ومعاوية رضي الله عنهما ونحوه، ثمَّ قال فإن قلت «أحدًا» نكرة في سياق النَّفي فيفيدُ العموم.

قلت ما من عام إلَّا وقد خصَّ إلَّا قوله تعالى {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور 35] مع أنَّ لفظ العام الذي قُصِدَ به المبالغة اختلفوا فيه هل معناه العموم أم لا؟ انتهى.

وقد أخرج ابنُ أبي خيثمة هذا الأثر من وجه آخر عن يحيى بن سعيدٍ بلفظ «وقعت فتنة الدَّار ... » الحديث، وفتنة الدَّار هي مقتلُ عثمان رضي الله عنه.

وزعم الدَّاودي أنَّ المراد بالفتنةِ الأولى مقتل الحسين بن علي رضي الله عنها وهو خطأ فإنَّ في زمن مقتل الحسين رضي الله عنه لم يكن أحدٌ من البدريين موجودًا، والله تعالى أعلم.

(ثُمَّ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الثَّانِيَةُ _ يَعْنِي الْحَرَّةَ _) تفسير للفتنة الثَّانية (فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَابِ الْحُدَيْبِيَةِ أَحَدًا) والمراد بالحرَّة حرَّة المدينة وهي خارجها، وهي الموضع الذي قاتل عسكر يزيد بن معاوية فيه أهل المدينة في سنة اثنتين وستين كذا قيل، والأصح أنَّها كانت في سنة ثلاث وستين، وكان رأس عسكر يزيد مسلم بن عقبة.

قال المدائني كان في سبعة وعشرين ألفًا اثني عشر ألف فارس وخمسة عشر ألف راجلٍ، وكانوا نزلوا شرقِي المدينة في الحرَّة وهي أرضٌ ذات حجارة سود، ولما وقع القتال انتصر مسلم بن عقبة، وقتل سبع مائة من وجوه النَّاس من المهاجرين والأنصار.

وكان السَّبب في ذلك أنَّ أهل المدينة خلعوا يزيد

ج 17 ص 373

وولوا على قريش عبد الله بن مُطيع، وعلى الأنصار عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر، وأخرجوا عامل يزيد من بين أظهرهم وهو عثمان بن محمد بن أبي سفيان ابن عمِّ يزيد، واجتمعوا على إجلاءِ بني أميَّة من المدينة، فاجتمعوا وهم قريبٌ من ألف رجل في دار مروان بن الحكم، والقصَّة في ذلك طويلة بسطها أربابُ التاريخ.

(ثُمَّ وَقَعَتِ الثَّالِثَةُ) أي الفتنة الثَّالثة، كذا وقع في الأصول ولم يفسِّرها كما فسَّر غيرها. وزعم الدَّاودي أنَّ المراد بها فتنة الأزارقة. وتعقَّبه الحافظُ العسقلاني بأنَّ فيه نظرًا لأنَّ الذي يظهر أنَّ يحيى بن سعيد أرادَ الفتن التي وقعت بالمدينة دون غيرها.

وقال ابن التِّين إنَّ مالكًا روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري قال لم تُترك الصَّلاة في مسجد النَّبي صلى الله عليه وسلم إلَّا يوم قُتِل عثمان رضي الله عنه ويوم الحرَّة.

قال مالك ونسيتُ الثالثة. قال ابنُ عبد الحكم هو يوم خروج أبو حمزة الخارجي، وكان ذلك في خلافةِ مروان بن محمد بن مروان بن الحكم سنة ثلاثين ومائة، وكان مجيئه من حضرموت من عند عبد الله بن يحيى بن زيد مظهرًا خلاف مروان في سبعمائة فارس، وكان حضوره في الموسم، وكان على مكة والمدينة والطَّائف عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان، ووقع بينهما الاتِّفاق إلى أن ينفرَ الناس النَّفر الأخير ووقفوا بعرفة ودفع بالناس عبد الواحد، ثمَّ مضى إلى المدينة وخلَّى مكَّة لأبي حمزة فدخلها من غير قتالٍ ولما بلغَ الخبر مروان انتخبَ من عسكره أربعة آلاف، واستعملَ عليهم عبد الملك بن محمد بن عطيَّة السَّعدي، ولما تلاقيا اقتتلوا فقُتِل أبو حمزة وعسكره، والله تعالى أعلم.

(فَلَمْ تَرْتَفِعْ وَلِلنَّاسِ طَبَاخٌ) بفتح الطاء المهملة وتخفيف الموحدة وآخره خاء معجمة؛ أي قوَّة وشدَّة.

وقال الخليل أصل الطَّباخ السِّمن والقوَّة، ويستعمل في العقلِ والخير. قال حسان رضي الله عنه

~الْمَالُ يَغْشَى رِجَالًا لَا طَبَاخَ لَهُمْ كَالسَّيْلِ يَغْشَى أُصُولَ الدِّنْدِنِ الْبَالِي

ج 17 ص 374

والدِّندن _ بكسر الدالين المهملتين وسكون النون بينهما _ ما اسودَّ من النَّبات لِقِدَمِه.

ويروى ، ويروى . وقال الكرمانيُّ وأمَّا الفتنة الثالثة فهي المقاتَلة التي جرتْ بين عبد الله بن الزُّبير والحجَّاج بن يوسف وقَتْلَه له وتخريبه الكعبة، وهو في عام أربعة وسبعين زمان عبد الملك بن مروان.

هذا وروى الدَّارقطني في «غرائب مالك» بإسنادٍ صحيحٍ إليه عن يحيى بن سعيد نحو هذا الأثر، وقال في آخره «وإنْ وقعت الثَّالثة لم ترتفعْ وللنَّاس طَباخ» . وأخرجه ابنُ أبي خيثمة بلفظ «ولو وقعت» .

وهذا خلاف الجزم بالثالثة في حديث الباب، ويمكن الجمع بأن يكون يحيى بن سعيد قال هذا أولًا، ثم وقعت الفتنة الثالثة المذكورة فقال ما نقلَه عنه اللَّيث بن سعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت