4037 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) هو المعروف بابن المديني، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة (قَالَ عَمْرٌو) هو ابنُ دينار. وفي رواية قتيبة عن سفيان في «الجهاد» [خ¦3031] عن سفيان حدَّثنا عمرو [1] . وكذا عند أبي نُعيم من طريق الحُميدي (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاري رضي الله عنهما (يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ) أي من يستعد لقتله، ومن الذي ينتدبُ إليه (فَإِنهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ) هذه كناية عن مخالفةِ الله ومخالفة رسوله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية محمد بن محمود بن محمد بن مسلمة عن جابر رضي الله عنه عند الحاكم في «الإكليل» «فقد أذانا شعره وقوَّى المشركين» . وأخرج ابنُ عائذ من طريق الكلبي أنَّ كعب بن الأشرف قدم على مشركي قريش فحالفهم عند أستار الكعبة على قتال المسلمين.
ومن طريق أبي الأسود عن عروة أنَّه كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويحرِّض قريشًا عليهم، وأنَّه لما قدم على قريش قالوا له أديننا أهدى أم دين محمد؟ قال دينكم، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم من لنا بابنِ الأشرف؟ فإنَّه قد استعلنَ بعداوتنا.
(فَقَامَ مُحَمدُ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم واللام، ابن سلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عَمرو بن مالك بن الأوس الحارثي الأشهلي حليف لبني عبد الأشهل، شهد بدرًا والمشاهد كلها، ومات بالمدينة في صفر سنة ثلاث وأربعين، وقيل ست وأربعين، وقيل سبع وأربعين، وهو ابنُ سبع وسبعين سنة، وصلَّى عليه مروان بن الحكم، وهو يومئذٍ أمير المدينة.
وكان من فضلاء الصَّحابة، واستخلفه النَّبي صلى الله عليه وسلم على المدينة في بعض غزواته، وقيل إنه استخلفه في غزوة
ج 17 ص 407
قرقرة الكدر، وقيل إنَّه استخلفه عام تبوك واعتزل الفتنة، واتخذ سيفًا من خشبٍ وجعله في جفنٍ، وذكر أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بذلك ولم يشهد الجمل ولا صفين، وأقام بالرَّبَذة.
(فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار. وقيل القائل أتحبُّ أن أقتله؟ هو أبو نائلة (قَالَ نَعَمْ) وفي رواية محمد بن محمود «فقال أنت له» ، وفي رواية عروة «فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال محمد بن مسلمة أقرَّ صامتٌ» ومثله عند سَمُّويه في «فوائده» ، فإن ثبت احتمل أن يكون سكت أوَّلًا ثم أذن له، فإن في رواية عن عروة أيضًا أنَّه قال له إن كنت فاعلًا، فلا تعجل حتى تشاورَ سعد بن معاذ، قال فشاوره، فقال له توجَّه إليه واشكُ إليه الحاجة، وسله أن يسلفَ طعامًا.
(قَالَ فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا) يعني مما يُسِرُّ كعبًا (قَالَ) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم لمحمد بن مسلمة (قُلْ) وفي رواية ابن إسحاق «فقال يا رسول الله! لا بدَّ لنا أن نقولَ، فقال قولوا ما بدا لكم، فأنتم في حلٍّ من ذلك» .
وقد ظهر من سياق ابن سعد للقصَّة أنهم استأذنوا أن يشكوا منه وأن يعيبوا دينه، ولفظه فقالوا له «كان قدوم هذا الرجل علينا من البلاء، حاربتنا العرب ورمتنا عن قوسٍ واحدةٍ» .
وفي رواية ابن إسحاق بعد قوله عن قوسٍ واحدة «وقطعت عنا السُّبل حتى ضاعَ العيال وجهدت الأنفسُ، وأصبحنا قد جهدنَا وجهدَ عيالنا، فقال كعبٌ أنا والله لقد أخبرتكُم أنَّ الأمر سيصير إلى هذا» .
وعند ابن إسحاق بإسناد حسنٍ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم مشى معهم إلى بقيعِ الغرقد، ثم وجَّههم فقال «انطلقوا على اسم الله، اللَّهمَّ أَعِنْهم» .
(فَأَتَاهُ) أي أتى كعبًا (مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ) يعني النَّبي صلى الله عليه وسلم (قَدْ سَأَلَنَا) بفتح الهمزة واللام وفاعل ومفعول أول، وقوله (صَدَقَةً) بالنصب مفعول ثان، وفي رواية الواقدي «سألنا الصَّدَقة ونحن لا نجد ما نأكل» (وَإِنَّهُ) يريد النَّبي صلى الله عليه وسلم (قَدْ عَنَّانَا) بفتح العين المهملة وتشديد النون؛
ج 17 ص 408
أي أتعبنا وكلَّفنا المشقة من العناء وهو التَّعب، وقال الجوهريُّ عَنِي _ بالكسر _ يَعنىَ عَنَاء؛ أي تعب ونصب وعنَّيته أنا تعنيةً.
(وَإِنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ أَسْتَسْلِفُكَ، قَالَ) أي قال كعب (وَأَيْضًا) أي زيادة على ذلك، وقد فسَّره بعد ذلك بقوله (وَاللهِ لَتَمَلُّنَّهُ) بفتح المثناة والميم وتشديد اللام والنون، من الملالة، ومعناه لتزيدنَّ مَلالتكم وضجركُم عنه. وعند الواقدي إنَّ كعبًا قال لأبي نائلة أخبرني ما في نفسِك ما الَّذي تريدون في أمره؟ قال خذلانه والتخلِّي عنه، قال سررتني.
(قَالَ إِنا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ، فَلاَ نُحِبُّ أَنْ نَدَعَهُ) أي نتركه (حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ شَأْنُهُ) أي حاله وأمره (وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ) الوَسْق وقر بعير، وهو ستون صاعًا بصاع النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقوله «أو وسقين» شكٌّ من الراوي، وفي رواية عروة «وأحبُّ أن تسلفنا طعامًا قال أين طعامكم؟ قال أنفقنَاه على هذا الرَّجل وأصحابه قال ألم يأن>ِ لكم أن تعرفوا ما أنتم عليه من الباطلِ» .
(وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو غَيْرَ مَرَّةٍ، فَلَمْ يَذْكُرْ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ) قيل قائل ذلك عليٌّ بن المديني. وقال الكرمانيُّ أي قال سفيان، وهذا هو الظَّاهر، على ما قاله العيني (فَقُلْتُ لَهُ فِيهِ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ؟ فَقَالَ أُرَى فِيهِ) أي أظن في الحديث (وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ) وقد وقع في رواية «الصَّحيح» أنَّ الذي خاطب كعبًا بذلك هو محمد بن مسلمة، والذي عند ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي أنَّه أبو نائلة، ويحتمل أن يكون كلٌّ منهما كلَّمه في ذلك.
وذكر ابنُ عائذ أن سعد بن معاذ بعث مع محمدٍ ابن أخيه الحارث بن أوس بن معاذ.
(فَقَالَ نَعَمِ، ارْهَنُونِي) أي ادفعوا إليَّ شيئًا يكون رهنًا على التَّمر الذي تريدونه (قَالُوا) ويروى (أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ؟ قَالَ ارْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ، قَالُوا كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ) أي صورة، والنَّساء يملن إلى الصُّور الحسان، وفي رواية ابن سعد من مرسل
ج 17 ص 409
عكرمة «ولا نأمنك، وأي امرأة تمتنع منك لجمالك» .
وقال الحافظُ العسقلاني لعلَّهم قالوا له ذلك تهكمًا، وإن كان هو في نفسه كان جميلًا، وتعقَّبه العيني بأنَّ مرسل عكرمة يردُّ هذا.
(قَالَ فَارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ، قَالُوا كَيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا، فَيُسَبُّ) على البناء للمفعول (أَحَدُهُمْ، فَيُقَالُ رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ، هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا، وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ) بتشديد اللام وسكون الهمزة (قَالَ سُفْيَانُ يَعْنِي السِّلاَحَ) كذا قال سفيان، وقال غيره من أهل اللغة اللَّأمة الدرع، فعلى هذا إطلاق السَّلاح عليها من إطلاق اسم الكلِّ على البعضِ. وفي مرسل عكرمة ولكنَّا نرهنك سلاحنا مع علمكَ بحاجتنَا إليه قال نعم، وفي رواية الواقدي وإنما قالوا له ذلك لئلا يُنكر مجيئهم إليه بالسَّلاح.
(فَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ، فَجَاءَهُ) أي فجاء محمد بن مسلمة كعبًا (لَيْلًا وَمَعَهُ أَبُو نَائِلَةَ) أي والحال أنَّ معه أبا نائلة بنون وبعد الألف تحتانية، وقيل بالهمز بعد الألف، واسمه سِلْكان _ بكسر السين المهملة وسكون اللام _، ابن سلامة بن وقش بن رَغْبَة بن زعورا بن عبد الأشهل الأشهلي الأنصاري. ويقال سلكان لقبه واسمه سعد، شهد أحدًا وكان من الرُّماة المذكورين من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم، وكان شاعرًا.
(وَهْوَ أَخُو كَعْبٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ) ويروى ؛ أي كان أبو نائلة أخا كعبٍ من الرَّضاعة. وذكر الواقديُّ أنَّ محمد بن مسلمة أيضًا كان أخاه من الرَّضاعة. وزاد الحميديُّ في روايته «وكانوا أربعة سَمَّى عمرو منهم اثنين، والاثنان الآخران عبَّاد بن بشر، والحارث بن أوس» .
وقال ابن إسحاق فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وسِلْكان بن سلامة بن وقش، وهو أبو نائلة الأشهلي، وعباد بن بشر بن وقش الأشهلي، وأبو عبس بن جبر أخو بني حارثة، والحارث بن أوس، فهؤلاء خمسة.
(فَدَعَاهُمْ إِلَى الْحِصْنِ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ) قال الحافظ العسقلاني لم أقف على اسمها
ج 17 ص 410
(أَيْنَ تَخْرُجُ هَذِهِ الساعَةَ؟ فَقَالَ إِنمَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَأَخِي أَبُو نَائِلَةَ، وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو) أي قال سفيان قال غير عَمرو بن دينار المذكور. وبيَّن الحميديُّ في روايته عن سفيان أنَّ الغير الذي أبهمه سفيان في هذه القصَّة هو العبسي، وأنَّه حدَّثه بذلك عن عكرمة مرسلًا.
(وقَالَتْ أَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنهُ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ) هو كناية عن صوت طالب شرٍّ وحرب. وقال ابنُ إسحاق لما انتهى هؤلاء إلى حصن كعبٍ هتفَ به أبو نائلة، وكان حديث عهدٍ بعرسٍ فوثبَ في ملحفةٍ له فأخذتْ امرأته بناحيتها، وقالت أنت امرؤ محاربٌ لا تنزل في هذه السَّاعة، فقال إنَّه أبو نائلة لو وجدَني نائمًا أيقظنِي، فقالت والله إني لأعرفُ من صوته الشَّر، فقال لها كعب لو دُعي الفتى إلى طعنةٍ لأجاب ثمَّ نزل. وفي رواية ابن الكلبي فتعلَّقت به امرأتُه وقالت مكانك فوالله إنِّي لأرى حمرة الدَّم مع الصَّوت.
(قَالَ إِنمَا هُوَ أَخِي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَرَضِيْعِي أَبُو نَائِلَةَ، إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ بِلَيْلٍ لأَجَابَ. قَالَ وَيَدْخُلُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ قِيلَ لِسُفْيَانَ سَمَّاهُمْ عَمْرٌو؟ قَالَ سَمَّى بَعْضَهُمْ، قَالَ عَمْرٌو جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ، وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو أَبُو عَبْسِ) بفتح المهملة وسكون الموحدة وبالمهملة، هو عبد الرَّحمن (ابْنُ جَبْرٍ) ضدُّ الكسر، الأنصاري الأشهلي (وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ وَعَبَّادُ) بفتح المهملة وتشديد الموحدة (ابْنُ بِشْرٍ) بكسر الموحدة، كان عصاه تُضيء له حين يخرج من عند النَّبي صلى الله عليه وسلم ليلًا إلى بيته. لا يُقال إنَّ المفصَّل ثلاثة، والمجمل رجلان لأنَّه في رواية غير عَمرو. ووقع في رواية الحميديِّ، قال فأتاهُ ومعه أبو نائلة وعبَّاد بن بشر وأبو عبس بن جبر والحارث بن معاذ إن شاء الله تعالى. كذا أدرجه، ورواية عليِّ بن المديني مفصَّلة.
ونسب الحارث بن معاذ إلى جدِّه، ووقعت تسميتُهم كذلك في رواية ابن سعد، فعلى هذا كانوا خمسة.
ويؤيِّده قول
ج 17 ص 411
عبَّاد بن بشر من قصيدةٍ في هذه القصة
~يَشُدُّ بِسَيْفِهِ صَلْتًا عَلَيْهِ فَقَطَّرَهُ أَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرِ
~وَكَانَ اللَّهُ سَادِسَنَا فَأُبْنَا بِأَنْعَمِ نِعْمَةٍ وَأَعَزِّ نَصْرِ
وهو أولى ممَّا وقع في رواية محمد بن محمود كان مع محمد بن مسلمة أبو عبس بن جبر وأبو عتيك، ولم يذكر غيرهما.
(قَالَ عَمْرٌو جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ، فَقَالَ إِذَا مَا جَاءَ فَإِني قَائِلٌ بِشَعْرِهِ) أي فإنِّي جاذب بشعره، وهو من إطلاق القول على الفعل، وقد استعمل العرب لفظ القول في غير الكلام أيضًا فتقول قال بيده؛ أي أخذ، وقال برجله؛ أي مشى، وقال بالماء على يدِهِ؛ أي قلب، وقال بثوبه؛ أي رفعه، وكلُّ ذلك على المجاز والاتِّساع (فَأَشَمُّهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي اسْتَمْكَنْتُ مِنْ رَأْسِهِ فَدُونَكُمْ فَاضْرِبُوهُ، قَالَ مَرَّةً ثُم أُشِمُّكُمْ) بضم الهمزة من الإشمام؛ أي أمكنكم من الشمِّ.
(فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ مُتَوَشِّحًا) نصب على الحال من الضَّمير الذي في «نزل» ؛ أي متلبسًا بثوبهِ، يقال توشَّح الرَّجل بثوبه وسلاحه (وَهْوَ يَنْفَحُ) بالحاء المهملة؛ أي يفوح (مِنْهُ رِيحُ الطِّيْبِ) فاعل ينفحُ والجملة حاليَّة، وفي رواية ابن سعد وكان حديث عهدٍ بعُرس (فَقَالَ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رِيْحًا) أي ما رأيتُ ريحًا أطيبَ في يوم مثل هذا اليوم، ولذا فسَّره بقوله (أَيْ أَطْيَبَ، وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو) أي قال سفيان، وقال غير عَمرو بن دينار.
(قَالَ عِنْدِي أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ) أي عندي امرأةٌ أعطرُ نساء العرب. وفي رواية أخرى «عندي أعطر سيِّد العرب» ، وكأنَّ لفظ «سيد» تصحيفٌ من «نساء» ، فإن كانت محفوظة فالمعنى أعطر نساء سيِّد العرب على الحذف، أو المراد شخص أو مصاحب أعطر من ساداتهم (وَأَكْمَلُ الْعَرَبِ) وفي رواية الأَصيلي بالجيم بدل الكاف وهي أشبه. وفي مرسل عكرمة فقال هذا عطر أمِّ فلان؛ يعني امرأته. وفي رواية الواقديِّ وكان كعب يدهنُ بالمسكِ الفتيتِ والعنبرِ حتى يتلبَّد في صدغيه.
(قَالَ عَمْرٌو فَقَالَ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشَمَّ رَأْسَكَ؟ قَالَ نَعَمْ، فَشَمَّهُ ثُم أَشَمَّ أَصْحَابَهُ، ثُم قَالَ أَتَأْذَنُ لِي؟ قَالَ نَعَمْ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ،
ج 17 ص 412
قَالَ دُوْنَكُمْ) أي خذوه بأسيافكُم (فَاقْتُلُوْهُ) وسقط ذلك في رواية، واقتصر على قوله ، وفي رواية عروة «وضربه محمد بن مسلمة فقتله، وأصاب ذباب السَّيف الحارث بن أوس، وأقبلوا حتى إذا كانوا بحرف بُعَاث تخلَّف الحارث ونزفَ، فلمَّا افتقده أصحابه رجعوا فاحتملوهُ، ثمَّ أقبلوا سراعًا حتى دخلوا المدينة» . وفي رواية الواقديِّ «أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم تفل على جرحِ الحارث بن أوس فلم يُؤذِه» ، وفي رواية ابن الكلبي «فضربوه حتى بردَ وصاحَ عند أوَّل ضربة، واجتمعتِ اليهود فأخذوا على غير طريقِ أصحاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ففاتوهم» . وفي رواية ابن سعد «إنَّ محمد بن مسلمة لما أخذَ بقرون شعره، قال لأصحابه اقتلوا عدوَّ الله، فضربُوه بأسيافهمْ، فالتفتَ عليه فلم يُغنِ شيئًا، قال محمد فذكرتُ معولًا كان في سيفي فوضعتُه في سرَّته، ثم تحاملتُ عليه فقططته حتى انتهى إلى عانتهِ فصاح» (ثُم أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ) وفي رواية عروة «فأخبر النَّبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله تعالى» . وفي رواية ابن سعد «فلمَّا بلغوا بقيعَ الغرقد كبَّروا» وقد قامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك اللَّيلة يصلِّي، فلمَّا سمع تكبيرهم كبَّر وعرفَ أن قد قتلوهُ، ثمَّ انتهوا إليه، فقال أفلحتِ الوجوه، قالوا وجهك يا رسولَ الله، ورموا برأسهِ بين يديه فحمدَ الله تعالى على قتله.
وفي مرسل عكرمة فأصبحتْ يهود مَذعورين، فأتوا النَّبي صلى الله عليه وسلم فقالوا قُتِل سيدنا غيلةً، فذكَّرهم النَّبي صلى الله عليه وسلم صنيعه وما كان يحرِّض عليه ويُؤذي المسلمين، وزاد ابن سعد قوله فخافوا فلم يَنطقوا.
وفي كتاب «شرف المصطفى» أنَّ الذين قتلوا كعب بن الأشرف حملوا رأسه في مخلاةٍ إلى المدينة، فقيل إنَّه أول رأسٍ حمل في الإسلام. وقيل أوَّل رأسٍ حُمل رأس عَمرو بن الحَمِق، وقيل بل رأسُ أبي عزَّة الجمحي الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم «لا يلدغُ المؤمن
ج 17 ص 413
من جُحر مرَّتين» [خ¦6133] .
قال السُّهيلي في قصَّة كعب بن الأشرف قَتْلُ المعاهد إذا سبَّ الشارع خلافًا لأبي حنيفة، وتعقَّبه الحافظ العسقلاني بأنَّ صنيع المصنِّف يفيد أنَّ كعبًا كان محاربًا حيث ترجم لهذا الحديث «الفتك بأهلِ الحرب» [خ¦3032 قبل] . وترجم له أيضًا «الكذب في الحرب» [خ¦3031 قبل] .
وفيه جواز قتل المشرك بغير دَعوة إذا كانت الدَّعوة العامَّة قد بلغته، وفيه جواز الكلام الذي يُحتاجُ إليه في الحرب ولو لم يقصدْ قائله حقيقته. وقد تقدَّم البحث في ذلك مستوفى في «كتاب الجهاد» [خ¦3031 وما بعده] .
[1] في مطبوع البخاري «عن عمرو»