32 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسي الباهلي البصري، وقد مرَّ (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج (ح) بالمهملة، أشار إلى تحويل السند، أو بالمعجمة إشارة إلى المؤلِّف؛ لأنها رمزه؛ أي قال البخاري، وفي نسخة هي ساقطة (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (بِشْرٌ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، هو ابن خالد أبو محمد العسكري، كما في نسخة المعروف بالفرائضي، روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والنَّسائي، وقال ثقة. توفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين.
(قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) أي ابن جعفر، كما في رواية، هو أبو عبد الله الهذلي البصري، المعروف بغُنْدر، كجُندب وقُنفذ، بمعنى المبرم الملح لقِّب به؛ لأنَّه أكثر من السُّؤال في مجلس ابنِ جريج حين قدم البصرة فاجتمعَ عليه الناس، فحدَّث بحديث عن الحسن، فأنكر النَّاس عليه، فقال له ما تريد اسكتْ يا غُنْدر، فلزمه وقد تلقَّب عشرة أنفس بغُنْدر.
سمع السُّفيانين وشعبة، وجالسه نحوًا من عشرين سنة، وكان شعبة زوجَ أمِّه، وروى عنه أحمد وعليُّ بن المديني وبُنْدار وخلقٌ كثير. صام يومًا وأفطر يومًا خمسين سنة.
وقال يحيى بن معين كان من أصحِّ النَّاس كتابًا. وقال أبو حاتم صدوقٌ في شعبة ثقة.
توفِّي بالبصرة سنة ثلاث وتسعين ومئة، قاله أبو داود، وقيل سنة أربع. وقال ابنُ سعد سنة أربع ومائتان.
(عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) هو الإمام أبو محمد بن مهران الأسدي
ج 1 ص 276
الكاهلي، مَولاهم الكوفي، الأعمش [1] ، وكاهل هو أسدُ بن خزيمة، ويقال أصله من طبرستان من قريةٍ يقال لها دُبَاوَنْد _ بضم الدال وفتح الباء الموحدة وفتح الواو وسكون النون وفي آخره دال مهملة _، ولد بها الأعمش، وجاء به أبوه جميل إلى الكوفة فاشتراه رجلٌ من بني أسد فأعتقَه، وظهر للأعمش أربعة آلاف حديث ولم يكن له كتاب، وكان فصيحًا لم يلحن قط.
وكان أبوه من سبي الدَّيلم يقال إنَّه شهد قتل الحسين رضي الله عنه، وأنَّ الأعمش ولد يوم قتل الحسين، يوم عاشوراء سنة إحدى وستين.
وقال البخاري ولد سنة ستين، ومات سنة ثمان وأربعين ومئة.
رأى أنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى، ولم يثبتْ له سماع من أحدهما، وسمع أبا وائل والمعرور ومجاهدًا وإبراهيم النَّخعي، والتَّيمي، والشَّعبي، وخلقًا. وروى عنه السَّبيعي والثَّوري وشعبة ويحيى القطان وسفيان بن عُيينة وخلق سواهم.
وقال يحيى القطَّان كان الأعمشُ من النُّساك المحافظين على الصَّف الأول، وكان علَّامة الإسلام. وقال وكيع بقي الأعمش قريبًا من سبعين سنة لم تفته التَّكبيرة الأولى في المسجد. وقال ابنُ معين كان جرير إذا حدث عن الأعمش قال هذا الدِّيباج الخسرواني، وكان شعبة إذا حدَّث عنه قال المصحف المصحف، سمَّاه المصحف؛ لصدقه، وكان يسمَّى بسيد المحدِّثين.
وقال عيسى بن يونس لم نر نحن ولا القرن الذين قبلنا مثل الأعمش، وما رأيتُ السلاطين عند أحدٍ أحقر منهم عند الأعمش مع فقرهِ وحاجته.
وقال وكيعٌ راح الأعمش إلى الجمعة، وقد قلب الفروةَ جلدها على جلدهِ، وصوفها إلى خارج، وعلى كتفهِ منديل الخوان مكان الرِّداء.
(عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النَّخعي، نسبةً إلى جدِّه الأعلى الكوفي التَّابعي، إمام أهل الكوفة، دخلَ على عائشة رضي الله عنها ولم يثبتْ له منها سماع.
وقال العجليُّ أدرك جماعة من الصَّحابة ولم يحدِّث عن أحدٍ منهم، وكان، ثقةً، أُجمع على جلالته وإمامتهِ علمًا وعملًا، وكان مفتي أهل زمانه، وكان أعور، وحملَ عنه العلم، وهو ابن ثمان عشرة سنة، سمع علقمةَ والأسود بن يزيد خاله ومسروقًا وخلقًا كثيرًا. وروى عنه الشَّعبي ومنصور والأعمش وغيرهم.
وقال الشعبيُّ لمَّا مات إبراهيم ما ترك أحدًا أعلم منه ولا أفقه، فقيل له ولا الحسن
ج 1 ص 277
وابن سيرين؟ قال ولا هما ولا من أهل البصرة والكوفة والحجاز، وفي رواية ولا بالشَّام.
قال الأعمشُ كان إبراهيم صيرفيَّ الحديث، مات وهو مختفٍ من الحجَّاج، ولم ير جنازته إلَّا سبعة أنفس سنة ست وتسعين، وهو ابن تسع، وقيل ثمان وخمسين. روى له الجماعة.
(عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيس بن عبد الله النَّخعي الكوفي، عم والدة إبراهيم النَّخعي؛ لأنَّ أم إبراهيم مليكة ابنة يزيد، وهي أخت الأسود بن يزيد، روى عن أبي بكر رضي الله عنه وسمع من عُمر وعثمان وعلي وابن مسعود، وجماعةً من الصَّحابة رضي الله عنهم. وروى عنه أبو وائل، وإبراهيم النَّخعي، ومحمد بن سيرين وغيرهم، اتُّفق على جلالتهِ وتوثيقهِ، ورفعة قدره، وكمالِ منزلته.
وقال إبراهيم النَّخعي كان علقمة يشبه عبد الله بن مسعود، وقال أبو إسحاق كان علقمة من الرَّبانيين. وقال أبو قيس رأيتُ إبراهيم آخذًا بركاب علقمة، ويُكنى أبا شبل، ولم يولد له قط، مات سنة اثنتين وستين، وقيل وسبعين. روى له الجماعة إلَّا ابن ماجه.
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود رضي الله عنه، قد تقدَّم ذكره في أوَّل كتاب الإيمان. ومن لطائف هذا الإسناد أنَّ فيه التَّحديث بصورة الجمع والإفراد والعنعنة. ومنها أنَّ فيه ثلاثة من التَّابعين الكوفيين يروي بعضهم عن بعض الأعمش وإبراهيم وعلقمة. ومنها أنَّ رواته كلهم حفَّاظ، أئمَّة، أجلَّاء، فقهاء في نهاية من الجلالة، وهذا الإسناد أحد ما قيل فيه إنّه أصح الأسانيد.
وقد أخرج متنه المؤلف في (( باب أحاديث الأنبياء عليهم السلام ) ) [خ¦3428] وفي (( التفسير ) )أيضًا [خ¦4629] ، وأخرجه مسلم في (( الأيمان ) )والترمذي أيضًا.
(لَمَّا نَزَلَتِ) وفي رواية أي هذه الآية ( {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا} ) من لبست الأمر ألبسه بالفتح في الماضي، والكسر في المستقبل، إذا خلطته، وفي لبس الثَّوب بضده، والمصدر من الأول لَبس بفتح اللام، وفي الثاني لُبس بالضم، والمعنى ولم يخلطوا.
( {إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} ) وهو في أصل الوضع وضع الشيء في غير موضعه، والمراد هنا هو الشِّرك كما سيجيء، وتمام الآية {أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ} أي الأمن من التَّخليد في النار {وَهُمْ مُهْتَدُونَ} إلى طريق الجنَّة، لكن الصَّحابة رضوان الله عليهم أجمعين لمَّا فهموا الظُّلم على الإطلاق بناء
ج 1 ص 278
على أنَّ قوله {بِظُلْمٍ} نكرةٌ في سياق النفي، فيعم أنواع المعاصي المتعدية وغير المتعدية [2] ، صغيرة أو كبيرة، وظنُّوا أنَّ المعنى أنَّ الأمن [3] والاهتداء إنما هما لمن لم يلبس إيمانه بمعصيةٍ قط شقَّ عليهم ذلك قالوا ما قالوا [4] .
(قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ) وفي رواية (صلَّى الله عليه وسلم أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى) وفي رواية ( {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ) وزاد فيه أبو نُعيم في (( مستخرجه ) )من طريق سليمان بن حرب، عن شعبة بعد قوله {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} فطابت أنفسنا، والمعنى فبيَّن الله تعالى أنَّ المراد الظلم المقيَّد، وهو الظُّلم العظيم الَّذي هو الشِّرك بأن يكون التَّنوين في قوله {بِظُلْمٍ} للتَّعظيم، لا يقال إنَّ الظُّلم العظيم لم ينحصر في الشِّرك؛ لأنَّ عظمة الشِّرك معلومة بنصِّ الشَّارع، وعظمة غيره غير معلومة والأصل عدمها.
وقال محمد بن إسماعيل التَّيمي معنى الآية لم يفسدوا إيمانهم، ويبطلوه بكفرٍ؛ لأنَّ الخلط بينهما لا يتصوَّرُ، فالمراد أنَّهم لم يحصل لهم الصفتان كفر متأخِّر وإيمان متقدِّم بأن كفروا بعد إيمانهم.
ويجوز أن يكون معناها أنهم لم يجمعوا بينهما ظاهرًا وباطنًا؛ أي لم ينافقوا، وهذا أوجه وأقرب، وللباب التالي _ أعني باب علامات المنافق _ أنسب، وهذا من بديع ترتيب المؤلِّف رحمه الله تعالى.
ثمَّ اعلم أنَّ رواية شعبة هذه اقتضت أنَّ هذا السؤال سبب نزول آية لقمان، لكن رواه البخاري ومسلم من طريق أخرى عن الأعمش وهو سليمان المذكور في هذا الإسناد على اختلاف في الألفاظ، ففي رواية جرير عنه فقالوا أيُّنا لم يلبس إيمانه بظلمٍ؟ فقال (( ليس كذلك، ألا تسمعون إلى قول لقمان ) ) [خ¦6918] وفي رواية وكيع عنه (( فقال ليسَ كما تظنُّونَ، إنما هو كما قال لقمان لابنه {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان 13] ) ) [خ¦6937] . وفي رواية عيسى بن يونس (( إنَّما هو الشِّركُ ألم تَسمعوا ما قال لقمانُ ) )، [خ¦3429] فظاهر هذه الرِّوايات أنَّ الآية التي في لقمان كانت معلومة عندهم ولذلك نبههم عليها، ويحتمل أن يكون نزولها وقع في الحال فتلاها عليهم، ثمَّ نبههم فتلتئم الرِّوايات.
وفي الحديث فوائد
منها أنَّ المعاصي لا تكون كفرًا، كما قال به الخوارج، وأنَّ من لم يشرك بالله شيئًا فله الأمن وهو مهتدٍ، لا يقال إن العاصي قد يُعذِّب فليس له الأمن والاهتداء؛ لأنَّ المراد من الأمن هو الأمن من التَّخليد في النار، والاهتداء إلى طريق الجنة،
ج 1 ص 279
ولو بعد بعد، كما سبق إليه الإشارة.
ومنها أنَّ درجات الظُّلم متفاوتة، كما ترجم له الباب. ومنها أنَّ العامَّ يُطلق ويراد به الخاصُّ. ومنها أنَّ المفسَّرَ يقضي على المُجمل. ومنها أنَّ النَّكرة تعمُّ في سياق النَّفي. ومنها أنَّ اللَّفظ قد يُحمل على خلاف ظاهره لمصلحةِ دفع التَّعارض. ومنها أنَّ الكلام حكمه العموم حتى يأتي دليلُ الخصوص على ما قيل. ومنها أنَّه استنبط منه المازري والنَّووي وغيرهما جواز تأخير البيان عن وقتِ الحاجة، وفيه نزاعٌ وكلامٌ، وقد فصَّله محمود العيني رحمه الله تعالى.
[1] في هامش الأصل قال الجوهري العمش ضعف الرؤية مع سيلان دمعها، انتهى. وكان. .. سليمان ضعف. منه.
[2] في هامش الأصل أمَّا المتعدية فكالاقتيات بحقوق الناس، وأمَّا غير المتعدية فهو ما ظلموا به أنفسهم من ارتكاب المعاصي. منه.
[3] في هامش الأصل واستفادة ذلك الحصر من تقديم {لَهُمْ} على {الأَمْنِ} ، وتقديم {هُم} على {مُهْتَدُونَ} . منه.
[4] في هامش الأصل كما قال الزمخشري في قوله تعالى {إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} [المؤمنون 100] أنه للتَّخصيص أي هو قائلها لا غيره. منه.