فهرس الكتاب

الصفحة 6002 من 11127

4072 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن المبارك المُخَرَّمي _ بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وتشديد الراء _ نسبة إلى محلِّة من محالِّ بغداد، وهو من أفراده، روى عنه هنا، وفي «الطَّلاق» [خ¦5276] . قال (أَخْبَرَنَا حُجَيْنُ) بضم المهملة وفتح الجيم وآخره نون على صيغة التَّصغير (ابْنُ الْمُثَنَّى) ضدُّ المفرد، أصله من اليمامةِ وسكن بغدادَ، ووليَ قضاء خراسان، مات سنة خمسين ومائتين، وهو من أقران كبار شيوخِ البخاري، لكن لم يسمعْ منه البخاريُّ، وليس له عنده سوى هذا الموضع.

قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ) أي ابن عبَّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطَّلب الهاشمي المدني، من صغار التَّابعين (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) ضدُّ اليمين، هو أخو عطاء التَّابعي.

(عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ) بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم وبالراء، نسبةً إلى ضَمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وأبوه عَمرو بن أميَّة هو الصَّحابي المشهور رضي الله عنه، وهذا هو المحفوظُ. وكذا رواه أحمدُ بن خالد الوهبي عن عبد العزيز أخرجه الطَّبراني.

ورواه أبو داود الطَّيالسي عن عبد العزيز شيخ حُجَين بن المثنَّى فيه، فقال عن عبدِ الله بن الفضل الهاشمي، عن سليمان بن يسار، عن عُبيد الله بن عديِّ بن الخيار قال أقبلنَا من الروم .... فذكر الحديث. والمحفوظُ عن جعفر بن عَمرو قال خرجتُ أنا وعبيد الله، فذكره.

وكذا أخرجَه

ج 17 ص 481

ابنُ عائذ في «المغازي» عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرَّحمن بن يزيد بن جابر، عن جعفر بن عَمرو بن أميَّة قال خرجتُ أنا وعُبيد الله بن عديٍّ.

(قَالَ خَرَجْتُ مَعَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ) ضدُّ الأشرار؛ أي ابن عديِّ بن نوفلِ بن عبد مناف النَّوفلي، وقد تقدَّم ذكره في «مناقب عثمان رضي الله عنه» [خ¦3696] . وزاد أحمدُ بن خالد الوَهبي عن عبد العزيز بن عبد الله فأدربنا؛ أي دخلنَا دربَ الروم مجاهدين، فلمَّا مررنا بحمص. وكذا في رواية ابنِ إسحاق، وفي رواية عبد الرَّحمن بن يزيد بن جابر «خرجتُ أنا وعُبيد الله بن عديِّ غازين الصَّائفة زمن معاوية رضي الله عنه، فلمَّا قفلنَا مررنَا بحمص» .

(فَلَمَّا قَدِمْنَا حِمْصَ) بكسر الحاء وسكون الميم، مدينةٌ مشهورةٌ قديمة إحدى قواعد الشَّام ذات بساتين، مشرَبُها من نهرِ العاصي، سُمِّيت بحمص بن المهر بن إلحاف بن مكتف من العَماليق، وهي بين حماه ودمشق.

وقال البكريُّ لا يجوز فيها الصَّرف، كما يجوز في هند؛ لأنَّه اسمٌ أعجمي. وقال العينيُّ يجوز صرفها مثل هود ونوح؛ لأنَّ سكون وسطها يؤثر في منع إحدى العلَّتين فتبقى على علَّة واحدةٍ. وقال النَّووي هو غيرُ منصرفٍ للعُجْمة والعلمية والتأنيث. وقال غيره بلد بالشَّام يذكَّر ويؤنث. وذكر الثَّعلبي أنَّه نزل حمص تسعمائة رجل من الصَّحابة رضي الله عنهم.

(قَالَ لِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنَ عُدَيٍّ هَلْ لَكَ فِي وَحْشِيٍّ) بفتح الواو وسكون المهملة وكسر المعجمة وتشديد التحتية؛ أي ابن حرب، ضدُّ الصُّلح، كان من سودان مكة. قال أبو عمر مولى لطُعيمة بن عدي، ويُقال مولى جُبير بن مُطعم بن عدي، كذا قال ابنُ إسحاق، وكان يكنى أبا رسمه، وكان يرمِي بحربةٍ ولا يكاد يخطئ، وليس في الصَّحابة من يسمَّى باسمه غيره.

(نَسْأَلُهُ عَنْ قَتْلِ حَمْزَةَ) وفي رواية الكشميهني ، وزاد ابن إسحاق «كيف قتله» (قُلْتُ نَعَمْ، وَكَانَ وَحْشِيٌّ يَسْكُنُ حِمْصَ، فَسَأَلْنَا عَنْهُ، فَقِيلَ لَنَا) وفي رواية ابن إسحاق «فقال لنا رجل ونحن نسألُ عنه إنَّه غلبت عليه الخمر،

ج 17 ص 482

فإن تجداه صاحيًا تجداه عربيًا يحدِّثكما بما شئتُما، وإن تجداه على غير ذلك فانصرفا عنه». وفي رواية الطَّيالسي نحوه وقال فيه «وإن أدركتماهُ شاربًا فلا تسألاه» .

(وَهُوَ ذَاكَ فِي ظِلِّ قَصْرِهِ، كَأَنَّهُ حَمِيتٌ) بفتح المهملة وكسر الميم وآخره مثناة فوقية، على وزن رغيف، هو الزِّق الذي لا شعرَ عليه وهو للسمن، ويجمعُ على حمت.

وقال ابنُ الأثير هو النَّحْي والزَّقُّ الذي يكون فيه السَّمْن أو الزَّيت ونحوهما، والنَّحي يجمع على أنحاء، وقيل أكثر ما يُقال الحَمْيت في أوعية السَّمن والزَّيت، ويُقال أكثر ما يُقال ذلك إذا كان مملوءًا خمرًا، وقيل هو الزِّق مطلقًا.

وقال أبو عبيد أمَّا الزِّق الذي يجعلُ فيه اللَّبن فهو الوطب وجمعه أوطاب، وما كان للشَّراب فهو. .. [1] ، واسم الزِّق يجمع ذلك كله. وقال الكرمانيُّ ويُشبَّه به الرَّجل السَّمين الجسم.

(قَالَ فَجِئْنَا) وفي رواية لابن عائذ «فوجدنا رجلًا سمينًا محمرَّة عيناهُ» ، وفي رواية الطَّيالسي «فإذا به قد أُلقي له شيءٌ على بابهِ وهو جالسٌ صاحٍ» ، وفي رواية ابنِ إسحاق «على طنفسةٍ له» ، وزاد «فإذا شيخٌ كبيرٌ مثل البَغَاث» بفتح الموحدة والمعجمة الخفيفة وآخره مثلَّثة، وهو طائرٌ ضعيفُ الجثَّة كالرخمة ونحوها ممَّا لا يصيدُ ولا يُصاد.

(حَتَّى وَقَفْنَا عَلَيْهِ بِيَسِيرٍ، فَسَلَّمْنَا فَرَدَّ السَّلاَمَ، قَالَ وَعُبَيْدُ اللَّهِ مُعْتَجِرٌ بِعِمَامَتِهِ) من الاعتجار، وهو لفُّ العمامة على الرَّأس من غير تحنيكٍ (مَا يَرَى وَحْشِيٌّ إِلاَّ عَيْنَيْهِ وَرِجْلَيْهِ. فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ يَا وَحْشِيُّ أَتَعْرِفُنِي) وفي رواية ابن إسحاق «فلمَّا انتهينَا إليه سلَّمنا عليه رفع رأسه إلى عُبيد الله بن عدي، فقال ابن العدي بن الخيار أنت؟ قال نعم» ، فيحتملُ أن يكون قال له ذلك بعد أن قالَ له أتعرفني.

(قَالَ فَنَظَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لاَ وَاللَّهِ، إِلاَّ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ عَدِيَّ بْنَ الْخِيَارِ تَزَوَّجَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ قِتَالٍ) بكسر القاف وتخفيف المثناة الفوقية، وفي رواية الكُشميهني بالموحدة، والأوَّل أصحُّ (بِنْتُ أَبِي الْعِيصِ) بكسر المهملة الأولى وسكون التحتية، ابن أميَّة بن عبد شمس،

ج 17 ص 483

وهي عمَّة عَتَّاب بن أُسيد بن أبي العيص.

(فَوَلَدَتْ لَهُ غُلاَمًا بِمَكَّةَ، فَكُنْتُ أَسْتَرْضِعُ لَهُ) أي أطلب من تُرضعه. وزاد في رواية ابنِ إسحاق «والله ما رأيتُكَ منذ ناولتك أمُّك السَّعدية التي أرضعتك بذي طُوى، فإني ناولتكَها وهي على بعيرها، فأخذتْكَ، فلمعتْ لي قدمُك حين رفعتُك فما هو إلَّا أن وقفتُ على معرفتهما» .

وهذا يوضِّح قوله في حديث الباب فلكأنِّي نظرتُ إلى قدميكَ؛ يعني أنَّه شبَّه قدميهِ بقدمَي الغلام الذي حمله، فكان هو هو، وبين الرُّؤيتين قريب من خمسين سنة، فدلَّ ذلك على ذكاءٍ مفرطٍ ومعرفةٍ تامَّة بالقيافة.

(فَحَمَلْتُ ذَلِكَ الْغُلاَمَ مَعَ أُمِّهِ، فَنَاوَلْتُهَا إِيَّاهُ، فَلَكَأَنِّي نَظَرْتُ إِلَى قَدَمَيْكَ، قَالَ فَكَشَفَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ أَلاَ تُخْبِرُنَا بِقَتْلِ حَمْزَةَ؟ قَالَ نَعَمْ) وفي رواية الطَّيالسي «فقال سأحدِّثكما كما حدَّثت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حين سألني» .

(إِنَّ حَمْزَةَ قَتَلَ طُعَيْمَةَ) مصغَّر طعمة (ابْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ بِبَدْرٍ، فَقَالَ لِي مَوْلاَيَ جُبَيْرُ) بضم الجيم مصغر جبر (ابْنُ مُطْعِمٍ) على وزن اسم الفاعل من الإطعام؛ أي ابن عدِي بن نوفل بن عبد مناف بن قصِي القرشي النَّوفلي، أسلم جُبير يوم الفتح. وقيل عام خيبر، مات بالمدينة سنة سبع وخمسين في خلافة معاوية رضي الله عنه. وكانت وفاةُ المطعم بن عدِي في صفر سنة اثنتين من الهجرة قبل بدرٍ بنحو من سبعة أشهر. قال الدِّمياطي قوله عدِي بن الخيار، صوابه عدِي بن نوفل، والمطعم والخيار أبناء عدِي.

(إِنْ قَتَلْتَ حَمْزَةَ بِعَمِّي فَأَنْتَ حُرٌّ، قَالَ فَلَمَّا أَنْ خَرَجَ النَّاسُ) ويروى بدون كلمة «أن» ، والمراد من النَّاس قريش ومن معهم (عَامَ عَيْنَيْنِ) أي عام أُحد، وقد فسَّر العَينين بقوله (وَعَيْنَيْنِ جَبَلٌ بِحِيَالِ أُحُدٍ) أي من ناحية أُحد، يُقال فلان بحِيَال كذا _ بكسر الحاء المهملة وتخفيف المثناة التحتية _؛ أي بمقابلهِ، وهذا تفسيرٌ من بعض الرواة.

(بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَادٍ) والسَّبب

ج 17 ص 484

في نسبةِ وحشي العامَ إليه دون أُحد أنَّ قريشًا نزلوا عنده. وقال ابنُ إسحاق نزلوا بعَينين جبل ببطن السَّبخة من قباء على شَفير الوادي مُقابل المدينة.

وقال الكرمانيُّ عَينين بلفظ تثنية العين ضدُّ المعنى، ويروى بلفظ الجمع، وعلى التَّقديرين النون معتقب الإعراب منصرفًا وغير منصرف.

(خَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ إِلَى الْقِتَالِ) جواب «لما» ، وفي رواية الطَّيالسي «فانطلقتُ يوم أُحد مَعي حربتي وأنا رجلٌ من الحبشة ألعبُ لعبهم، قال وخرجتُ ما أريد أن أقتلَ ولا أقاتلَ إلَّا حمزة» . وعند ابنِ إسحاق «وكان وحشيٌ يقذفُ بالحربة قذفَ الحبشة قلمَّا يخطئ» .

(فَلَمَّا اصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ، خَرَجَ سِبَاعٌ) بكسر المهملة وتخفيف الموحدة وآخره مهملة، هو اسمُ ابن عبد العزَّى الخزاعي، ثمَّ الغُبْشاني _ بضم المعجمة وسكون الموحدة ثم بالمعجمة _. وذكر ابنُ إسحاق أنَّ كنيته أبو نِيَار _ بكسر النون وتخفيف التحتية _.

(فَقَالَ هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ، قَالَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) وفي رواية الطَّيالسي «فإذا حمزةُ كأنَّه جملٌ أورقُ ما يرفع له أحدٌ إلَّا قمعه بالسيف، فهبته وبادر إليه رجلٌ من بني سباع» كذا قال.

قال الحافظُ العسقلاني والذي في «الصحيح» هو الصَّواب. وعند ابنِ إسحاق «فجعلَ يهد الناس بسيفه» ، ولابن عائذ «فرأيتُ جملًا إذا حَمَلَ لا يرجعُ حتى يهزمنَا، فقلت من هذا؟ قالوا حمزة، قلت هذا حاجتي» .

(فَقَالَ يَا سِبَاعُ، يَا ابْنَ أُمِّ أَنْمَارٍ) بفتح الهمزة وسكون النون، هي أمُّة كانت مَولاة لشريق بن عَمرو الثَّقفي والد الأخنس (مُقَطِّعَةِ الْبُظُورِ) بضم الموحدة والظاء المعجمة، جمع بظر، وهي اللُّحمة التي بين شفري الفرج تقطعُ عند الختان. قال ابنُ إسحاق كانت أمه خَتَّانة بمكة تختنُ النساء، انتهى.

والعربُ تطلقُ هذا اللَّفظ في مَعرض الذَّمِّ والشَّتم وإلَّا قالوا خاتنة أو ختانة.

(أَتُحَادُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) بفتح همزة الاستفهام، وضم المثناة الفوقية وتشديد الدال؛ أي تعاند، وأصلُ المحادة أن يكون ذا في حد، وذاك في حدٍّ، ثمَّ استعمل في المعاندةِ والمعاداةِ والمحاربةِ.

(قَالَ ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهِ) أي حملَ حمزة على سباع(فَكَانَ كَأَمْسِ

ج 17 ص 485

الذَّاهِبِ)هذا صفةٌ لازمةٌ مؤكِّدة، وهو كناية عن قتلهِ في الحال وعدمِ بقاء أثره.

(وَكَمَنْتُ) أي قال وحشي وكَمَنت بفتح الميم؛ أي اختفيت (لِحَمْزَةَ تَحْتَ صَخْرَةٍ) وفي رواية ابن عائذ «عند شجرة» . وروى ابنُ أبي شيبة من مرسل عمر بن إسحاق أنَّ حمزة عثرَ فانكشفَ الدِّرع عن بطنه فأبصرَ العبدَ الحبشيَّ فرماه بالحربة.

(فَلَمَّا دَنَا مِنِّي رَمَيْتُهُ بِحَرْبَتِي، فَأَضَعُهَا فِي ثُنَّتِهِ) بضم المثلثة وتشديد النون، هي العانة، وقيل ما بين السُّرَّة والعانة، وفي رواية الطَّيالسي «فجعلتُ ألوذُ من حمزةَ بشجرةٍ ومعي حَرْبتي حتى إذا استمكنتُ منه هززتُ الحربةَ حتى رضيتُ منها، ثمَّ أرسلتها فوقعتْ بين ثَنْدُوتهِ وذهبَ يقومُ فلم يستطع» . انتهى.

والثَّنْدُوة _ بفتح المثلثة وسكون النون وضم الدال المهملة وبالواو الخفيفة _ هي من الرجل موضع الثدي من المرأة، والذي في «الصحيح» أن الحربةَ أصابت ثُنَّته أصح.

(حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ وَرِكَيْهِ، قَالَ فَكَانَ ذَاكَ الْعَهْدَ بِهِ) وهذا كنايةٌ عن الموت، ولفظ «العهد» منصوب خبر «كان» ؛ أي كان ذلك آخر الأمر (فَلَمَّا رَجَعَ النَّاسُ) أي قريش إلى مكة (رَجَعْتُ مَعَهُمْ) وزاد الطَّيالسي «فلمَّا جئت عتقت» ، ولابنِ إسحاق «فلمَّا قدمتُ مكَّة عتقتُ وإنما قتلتُه لأُعتق» .

(فَأَقَمْتُ بِمَكَّةَ حَتَّى فَشَا فِيهَا الإِسْلاَمُ) أي أقمت بمكَّة إلى أن ظهرَ فيها الإسلام (ثُمَّ خَرَجْتُ) منها (إِلَى الطَّائِفِ) وفي رواية ابنِ إسحاق «فلمَّا افتتحَ رسول الله صلى الله عليه وسلم مكَّة هربتُ إلى الطَّائف» (فَأَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُسُلًا) كذا في رواية الأكثر بلفظ الجمع، وفي رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت بلفظ المفرد. وفي رواية ابنِ إسحاق «فلمَّا خرجَ وفد الطَّائف ليسلموا تعمَّتْ عليَّ المذاهب فقلت ألحق باليمن أم الشام أو غيرهما» .

(فَقِيلَ لِي) ويروى بالواو (إِنَّهُ لاَ يَهِيجُ الرُّسُلَ) أي لا ينالهم منه انزعاجٌ، وفي رواية الطَّيالسي «فأردتُ الهرب إلى الشَّام، فقال لي رجل ويحك

ج 17 ص 486

ما يأتي محمدًا أحدٌ يشهدُ بشهادة الحقِّ إلَّا خلَّا عنه، قال فانطلقتُ فما شعر بي إلَّا وأنا قائمٌ على رأسه أتشهَّدُ بشهادة الحقِّ»، وعند ابنِ إسحاق «فلم يرعْه إلَّا بي قائمًا على رأسه» .

(قَالَ فَخَرَجْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ آنْتَ وَحْشِيٌّ؟ قُلْتُ نَعَمْ، قَالَ أَنْتَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ؟ قُلْتُ قَدْ كَانَ مِنَ الأَمْرِ مَا بَلَغَكَ) أي الذي بلغك. وفي رواية الطَّيالسي «فقال ويحك حدِّثني عن قتل حمزةَ، قال فأنشاتُ أحدِّثه كما حدَّثتكما» . وعند يونس بن بكير في «المغازي» عن ابنِ إسحاق قال فقيل لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم هذا وحشيٌ فقال «دَعوه فلإسلام رجلٍ أحبُّ إليَّ من قتلِ ألف كافرٍ» .

(قَالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُغَيِّبَ وَجْهَكَ عَنِّي) وفي رواية الطَّيالسي «فقال غيِّب وجهكَ عنِّي فلا أراك» (قَالَ فَخَرَجْتُ) وزاد الطَّيالسي «فكنت أتقي أن يراني» ، ولابن عائذ «فما رآني حتى مات» . وعند الطَّبراني «فقال لي يا وحشيُّ! اخرجْ فقاتل في سبيل الله، كما كنتَ تصدُّ عن سبيل الله» .

(فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ) مصغَّر مسلمة، هو ابنُ حبيب، وقيل ابن ثُمَامة _ بضم المثلثة _ الحنفي الكذَّاب، ادَّعى النُّبوة، وكان صاحب بئر لحيان، وهو أوَّل من أدخل البيضةَ في القارورة وجمعَ جموعًا كثيرةً من بني حنيفة وغيرهم، وقصدَ قتال الصَّحابة رضي الله عنهم على أثرِ وفاةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجهَّز إليه أبو بكر رضي الله عنه الجيش وأمَّر عليهم خالد بن الوليد رضي الله عنه فقاتلوه فقتلوهُ.

(قُلْتُ) ويروى بالفاء (لأَخْرُجَنَّ إِلَى مُسَيْلِمَةَ) وفي رواية الطَّيالسي «فلمَّا كان من أمر مسيلمة ما كان انبعثتُ مع البعث فأخذتُ حَربتي» ، ولابن إسحاق نحوه (لَعَلِّي أَقْتُلُهُ فَأُكَافِئَ بِهِ حَمْزَةَ) بالهمزة؛ أي فأساوي وأواسي بقتل مسيلمة قتلَ حمزة، وقد فسَّره بعد قتله في رواية بقوله «قتلتُ خير النَّاس وشرَّ الناس» (قَالَ

ج 17 ص 487

فَخَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ)أي من محاربتهِ وقتل جماعة من الصَّحابة رضي الله عنهم في الوقعة التي كانت بينهم وبينه، ثمَّ كان الفتح للمسلمين فقُتل مُسيلمة، كما سيأتي بيان ذلك في «كتاب الفتن» إن شاء الله تعالى [خ¦7461] .

(قَالَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي ثَلْمَةِ جِدَارٍ) أي في خلله (كَأَنَّهُ جَمَلٌ أَوْرَقُ) أي لونه مثل الرَّماد. وقال الكرمانيُّ هو الإبلُ الذي في لونه بياضٌ إلى سواد. قال الحافظُ العسقلاني وكان ذلك من غبارِ الحرب. وقال العينيُّ بل كان ذلك من سواد كفرهِ، وانهماكهِ في الباطل (ثَائِرَ الرَّأْسِ) أي منتشرٌ شعرَ رأسه (فَرَمَيْتُهُ بِحَرْبَتِي فَأَضَعُهَا بَيْنَ ثَدْيَيْهِ) هذه رواية الكشميهني، وفي رواية غيره (حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ، قَالَ وَوَثَبَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) هو عبدُ الله بن زيد بن عاصم المازني، كما جزمَ به الواقديُّ وإسحاقُ بن راهويه والحاكم. وقيل هو عديُّ بن سهل، جزمَ به سيف في كتاب «الردة» . وقيل أبو دُجانة، والأوَّل أشهرُ، ولعلَّ عبد الله بن زيد هو الذي أصابه، وأمَّا الآخران فحملا عليه في الجملة.

وأغرب وثَيْمة في كتاب «الردة» فزعم أنَّ الذي ضربَ مُسيلمة هو شَنُّ _ بفتح المعجمة وتشديد النون _ ابن عبد الله، وأنشد له

~أَلَمْ تَرَ أَنِّي وَوَحْشِيَّهُمْ ضَرَبْنَا مُسَيْلِمَةَ الْمُفَتَتَنْ

~يُسَائِلُنِي النَّاسُ عَنْ قَتْلِهِ فَقُلْتُ ضَرَبْتُ وَهَذَا طَعَنْ

~فَلَسْتُ بِصَاحِبِهِ دُونَهُ وَلَيْسَ بِصَاحِبِهِ دُونَ شن

وأغرب من ذلك ما حكى ابنُ عبد البر أنَّ الذي قتل مُسيلمة هو خلَّاس بن بشير بن الأصم.

(فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ عَلَى هَامَتِهِ) والهامة الرَّأس، وفي رواية الطَّيالسي «فربُّك أعلمُ أيُّنا قتلَه، فإن أكُ قتلتُه فقد قتلتُ خيرَ النَّاس وشرَّ الناس» (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ) هو موصول بالإسناد المذكور أولًا (فَأَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) المذكور في الإسناد (أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ) وفي رواية الطيالسي «فقال سليمان بن يسار سمعتُ ابن عمر رضي الله عنهما يقول» ، وزاد ابن إسحاق في روايته «وكان قد شهد اليمامة» .

(فَقَالَتْ جَارِيَةٌ

ج 17 ص 488

عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ وَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَتَلَهُ الْعَبْدُ الأَسْوَدُ) هذا فيه تأييدٌ لقولِ وحشيٍّ أنَّه قتلَه، إذ الظَّاهر أنَّه أرادَ بالعبد الأسودِ الوحشي.

وقال الحافظُ العسقلاني في قول الجارية أمير المؤمنين، نظر؛ لأنَّ مسيلمةَ كان يدَّعي أنَّه نبيٌّ مرسلٌ من الله، وكانوا يقولون أنَّه رسول الله ونبيُّ الله والتَّلقيب بأمير المؤمنين حدثَ بعد ذلك، وأوَّل من لُقِّب به عمر رضي الله عنه، وذلك بعد قتلِ مسيلمة بمدَّة، فليتأمل.

هذا وأمَّا قول ابن التِّين كان مسيلمةُ يتسمَّى تارةً بالنَّبي وتارةً بأمير المؤمنين، فإن كان أخذَه من هذا الحديث فليس بجيِّد، وإلَّا فيحتاج إلى نقلٍ بذلك، والذي في رواية الطَّيالسي «قال ابنُ عمر رضي الله عنهما كنتُ في الجيش يومئذٍ فسمعتُ قائلًا يقول في مسيلمة قتلَه العبدُ الأسود، ولم يقلْ أمير المؤمنين» .

ويحتمل أن تكون الجاريةُ أطلقتْ عليه الأمير باعتبار أنَّ أمرَ أصحابه كان إليه، وأطلقتْ على أصحابه المؤمنين باعتبار إيمانهم به، ولم تقصدْ إلى تلقيبهِ بذلك. انتهى.

وقال العينيُّ متعقِّبًا عليه قوله ليس بجيِّد غير جيِّد؛ لأنَّ في الحديث التَّصريح بذلك؛ لأنَّها إنما قالت بذلك لِمَا رأت أنَّ أمور أصحابه كلها كانت إليه، فلذلك أطلقت عليه الإمرة، وإنما نسبتها إلى المؤمنين باعتبار أنَّهم كانوا آمنوا به في زعمهِم الباطل.

وقوله أول من لقِّب به عمر رضي الله عنه لا ينافي ذلك؛ لأنَّ هذه الأوليَّة بالنَّظر إلى أبي بكر رضي الله عنه حيث لم يطلقوا عليه أمير المؤمنين اكتفاءً بلفظ الخلافة، ومع هذا كان هو أيضًا أمير المؤمنين. انتهى.

فانظر أيُّها المنصف كيف تعقَّب عليه بما أخذه من كلامه، فهذا أمرٌ عجيب.

وفي خبر وحشي من الفوائد غير ما تقدَّم ما كان عليه من الذَّكاء، ومناقب كثيرة لحمزة رضي الله عنه، وفيه أنَّ المرءَ يكره أن يَرَىَ من أوصل إلى قريبهِ أو صديقهِ أذى، ولا يلزم من ذلك وقوع الهجرِ المنهي بينهما.

وفيه أنَّ الإسلام يهدمُ ما قبله.

وفيه الحذر في الحرب. وأن لا يحتقرَ المرءُ منهم أحدًا،

ج 17 ص 489

فإنَّ حمزةَ لا بدَّ أن يكون رأى وحشيًا في ذلك اليوم، لكنَّه لم يحترزْ منه استحقارًا له إلى أن أتى من قبله.

وذكر ابنُ إسحاق قال حدَّثني محمَّد بن جعفر بن الزُّبير قال خرجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمسُ حمزةَ فوجدَه ببطنِ الوادي قد مُثِّل به، فقال «لولا أن تحزنَ صفيَّة _ يعني بنت عبد المطلب _ ويكون سنة بعدِي لتركتُه حتى يحشرَ من بطون السِّباع وحواصل الطَّير» . زاد ابنُ هشام «قال وقال لن أصابَ بمثلك أبدًا ونزلَ جبريلُ، فقال مكتوبٌ في السَّماء أسدُ الله وأسدُ رسوله» . وروى البزَّار والطَّبراني بإسنادٍ فيه ضعفٌ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لمَّا رأى حمزةَ قد مثِّل به، قال «رحمةُ الله عليك لقد كنتَ وصولًا للرَّحم فعولًا للخيرِ، ولولا حزنُ من بعدِك لسرَّني أن أدعَك حتى تحشرَ من أجوافٍ شتَّى» ، ثم حلف وهو مكانه «لأمثِّلنَ بسبعين منهم» فنزل القرآن {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا} [النحل 126] الآية.

وعند عبدِ الله بن أحمد في «زيادات المسند» ، والطَّبراني من حديث أُبيِّ بن كعبٍ رضي الله عنه قال مَثَّل المشركون بقتلى المسلمين، فقال الأنصار لئن أصبنَا منهم يومًا من الدَّهر لنزيدنَّ عليهم، فلمَّا كان يوم فتح مكَّة نادى رجلٌ لا قريش بعد اليوم، فأنزل الله تعالى {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل 126] ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم «كفوا عن القوم» . وعند ابنِ مَرْدويه من طريق مِقْسَم عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما نحو حديث أبي هريرة رضي الله عنه باختصار وقال في آخره «فقال بل نصبرُ يا رب» . وهذه طُرُق يقوِّي بعضها بعضًا.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ.

[1] بياض في الأصل. وفي العمدة فهو الزِّقُّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت