4086 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) قال (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سُفْيَانَ) بفتح العين، هو عَمرو بن أبي سفيان بن أسد بن حارثة (الثَّقَفِي) وهو حليفُ بني زهرة، وكان من أصحاب أبي هريرة رضي الله عنه، هكذا يقول مَعمر، ووافقَه شُعيب وآخرون. وإبراهيم بن سعد يقول عن الزُّهري عن عُمر _ بضم العين _، كذا أخرجه ابنُ سعد عن معن بن عيسى، عنه. وكذا قال الطَّيالسي عن إبراهيم، وبذلك جزم الذُّهلي في «الزهريات» .
لكن وقع في غزوة بدرٍ عن موسى بن إسماعيل عن إبراهيم بن سعد عَمرو، بفتح العين.
وأخرجه أبو داود عن موسى المذكور فقال عمر، وكذا قال ابن أخي الزُّهري ويونس من رواية اللَّيث عنه عن الزُّهري عن عمر. قال البخاري في «تاريخه» عَمرو، أصح.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ) ويروى (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً) وفي رواية الكشميهني بزيادة الباء، وفي رواية إبراهيم بن سعد التي مضت في «غزوة بدر» «بعث عشرة» [خ¦3989] .
(عَيْنًا) أي يتجسسون له، وفي رواية أبي الأسود عن عروة «بعثهم عيونًا إلى مكَّة ليأتوه بخبر قريش» (وَأَمَّرَ) بتشديد الميم (عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ) كذا في «الصحيح» ، وفي «السيرة» «أمَّر عليهم مرثد بن أبي مرثد» ، وما في «الصحيح» أصحُّ.
(وَهْوَ جَدُّ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه، وقد تقدَّم أنَّه خال عاصم لا جدُّه، وأنَّ الرِّواية المتقدِّمة يمكن ردَّها إلى الصَّواب بأن يقرأ جدِّ، بالكسر، وأمَّا هذه فلا حيلة فيها،
ج 17 ص 520
وقد أخذ بظاهرها بعضهم فقال تزوج عمر جميلة بنت عاصم بن ثابت فولدت له عاصمًا.
وقال الكرماني قوله جدُّ عاصم، هذا عند بعضهم، وأما الأكثر فيقولون هو خاله لا جدُّه.
(فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانَ بَيْنَ عُسْفَانَ) بضم العين المهملة وسكون السين المهملة وبالفاء، وهي قريةٌ على مرحلتين من مكَّة، وقد مرَّ غير مرَّة (وَمَكَّةَ) وتقدَّم في «غزوة بدر» [خ¦3989] «حتى إذا كانوا بالهدْأَةِ» ، وهي للأكثر بسكون الدال بعدها همزة مفتوحة، وفي رواية الكشميهني بفتح الدال وتسهيل الهمزة. وعند ابن إسحاق «الهدَّة» بتشديد الدال بغير ألف، قال وهي على سبعة أميال من عُسْفان.
(ذُكِرُوا) على البناء للمفعول (لَحِيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لِحْيَانَ) بكسر اللام، وقيل بفتحها وسكون المهملة، ولحيان هو ابنُ هذيل نفسه، وهذيل هو ابن مُدْركة بن إلياس بن مضر. وزعم الهَمْدانيُّ النَّسابة أن أصل بني لحيان من بقايا جرهم، دخلوا في هُذيل فنسبوا إليهم.
وذكر الواقديُّ أن سبب خروج بني لحيان عليهم قتل سفيان بن نُبيح الهذلي، وكان قُتِل سفيان المذكور على يد عبدِ الله بن أُنيس، وقصَّته عند أبي داود بإسناد حسنٍ.
وذكر ابنُ إسحاق أنهم كانوا ستَّة وسمَّاهم، وهم عاصم بن ثابت المذكور، ومرثد بن أبي مرثد، وخُبيب بن عدي، وزيد بن الدَّثِنَة _ بفتح الدال وكسر المثلثة بعدها نون _، وعبد الله بن طارق، وخالد بن بكير، وقد تقدَّم أيضًا.
وجزم ابنُ سعد بأنهم كانوا عشرة، وساق أسماء الستَّة المذكورة وزاد مُعَتب بن عُبيد قال وهو أخو عبد الله بن طارق لأبيه، وكذا سَمَّى موسى بنُ عقبةَ السَّبعة المذكورين، لكن قال فيه معتِّب بن عوف، فلعلَّ الثَّلاثة الآخرين كانوا أتباعًا لهم فلم يحصلِ الاعتناء بتسميتِهم.
(فَتَبِعُوهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَامٍ) وفي رواية شُعيب في «الجهاد» [خ¦3045] «فنفروا لهم قريبًا من مائتي رجل» ، والجمع بينهما واضحٌ بأن يكون المائة الأخرى غير رماة. قال الحافظُ العسقلاني ولم أقف على اسم أحدٍ منهم (فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ) أي تبعوها شيئًا فشيئًا، ومنه قوله تعالى {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ} [القصص 11] أي اتَّبعي أثره (حَتَّى أَتَوْا مَنْزِلًا نَزَلُوهُ، فَوَجَدُوا فِيهِ نَوَى تَمْرٍ تَزَوَّدُوهُ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَقَالُوا هَذَا تَمْرُ يَثْرِبَ) وفي رواية أبي معشر في «مغازيه» «فنزلوا بالرجيع سحرًا فأكلوا تمر عَجوة فسقطتْ نواآت بالأرض، وكانوا يسيرون اللَّيل ويكمنون النَّهار، فجاءتْ امرأة من هُذيل ترعى غنمًا فرأت النَّواآت
ج 17 ص 521
فأنكرتْ صغرهنَّ، وقالت هذا تمرُ يثرب فصاحتْ في قومها أُتِيتُم، فجاؤوا في طلبهِم فوجدوهم قد كَمَنوا في الجبل».
(فَتَبِعُوا آثَارَهُمْ حَتَّى لَحِقُوهُمْ) وفي رواية ابن سعد «فلم يُرعِ القومَ إلَّا الرِّجال بأيديهم السُّيوف قد غَشَوْهم» (فَلَمَّا انْتَهَى عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَئُوا إِلَى فَدْفَدٍ) بفاءين مفتوحتين ومهملتين الأولى ساكنة، هي الرَّابية المُشْرفة، ووقع في رواية أبي داود «إلى قَرْدَد» بقاف وراء ودالين. قال ابنُ الأثير هو الموضعُ المرتفع، وقيل الأرض المستوية، والأوَّل أصحُّ.
(وَجَاءَ الْقَوْمُ فَأَحَاطُوا بِهِمْ، فَقَالُوا لَكُمُ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ إِنْ نَزَلْتُمْ إِلَيْنَا أَنْ لاَ نَقْتُلَ مِنْكُمْ رَجُلًا) وفي رواية ابن سعد «فقالوا لهم إنَّا والله ما نريدُ قتالكُم إنما نريدُ أن نُصيب بكم شيئًا من أهل مكَّة» (فَقَالَ عَاصِمٌ أَمَّا أَنَا فَلاَ أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ) وفي مرسل بُريدة بن سفيان عند سعيد بن منصور فقال عاصم لا أقبلُ اليوم عهدًا من مشركٍ (اللَّهُمَّ أَخْبِرْ نَبِيَّكَ) ويُروى (اللَّهمَّ أخبر عنَّا رسولك) ، وفي رواية الطَّيالسي «عن إبراهيم بن سعد فاستجابَ الله لعاصم فأخبرَ رسوله خبره، فأخبر أصحابه بذلك يوم أُصيبوا» ، وفي رواية بُريدة «فقال عاصم إنِّي أحمِي لك اليوم دِينك فاحمِ لي لحمِي» .
وسيأتي ما يتعلق بذلك في آخر الحديث إن شاء الله تعالى.
(فَقَاتَلُوهُمْ فَرَموْهُمْ حَتَّى قَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةِ نَفَرٍ) أي في جملة سبعة نفر (بِالنَّبْلِ، وَبَقِيَ خُبَيْبٌ) هو ابنُ عدي (وَزَيْدٌ) هو ابنُ الدَّثِنة _ بفتح المهملة وكسر المثلثة وبالنون _ (وَرَجُلٌ آخَرُ) وفي رواية ابن إسحاق «فأمَّا خُبيب بن عدي وزيد بن الدَّثِنة وعبد الله بن طارق، فاستُؤسروا فعُرِفَ منه تسمية الرَّجل الثالث، وأنَّه عبد الله بن طارق» . وفي رواية أبي الأسود عن عروة «أنَّهم صَعَدوا في الجبلِ فلم يقدروا عليهم حتى أَعْطوهم العهدَ والميثاق» .
(فَأَعْطَوْهُمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ، فَلَمَّا أَعْطَوْهُمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ نَزَلُوا إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ حَلُّوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَرَبَطُوهُمْ بِهَا، فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ) هو عبدُ الله بن طارق
ج 17 ص 522
(الَّذِي مَعَهُمَا هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ) هذا إلى آخره يقتضي أنَّ ذلك وقع منه أوَّل ما أسروهم، لكن في رواية ابن إسحاق «فخرجوا بالنَّفر الثلاث حتى إذا كانوا بمرِّ الظَّهران انتزع عبدُ الله بن طارق يدَه وأخذ سيفَه» فذكر قصَّة قتله، فيحتمل أنَّهم إنما ربطوهم بعد أن وصلوا إلى مرِّ الظَّهران، وإلَّا فما في «الصحيح» أصح.
(فَأَبَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَجَرَّرُوهُ وَعَالَجُوهُ عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ فَقَتَلُوهُ، وَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَزَيْدٍ حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ) وفي رواية ابن إسحاق وابنِ سعد فأمَّا زيد فابتاعَه صفوان بن أميَّة فقتله بأبيه، وقال سعد إن الذي تولَّى قتله نسطاس مولى صفوان.
(فَاشْتَرَى خُبَيْبًا بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ) وبيَّن ابن إسحاق أنَّ الذي تولَّى شراءه هو حُجير بن أبي إهاب التَّميمي حليف بني نوفل، وكان أخا الحارث بن عامر لأمه. وفي رواية بُريدة بن سفيان «أنَّهم اشتروا خبيبًا بأمةٍ سوداء» . وقال ابن هشام «باعوهمَا بأسيرين من هُذيل كانا بمكَّة» ، ولا منافاة بينهما لإمكان الجمعِ.
(وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الْحَارِثَ يَوْمَ بَدْرٍ) كذا وقع في حديث أبي هُريرة رضي الله عنه، واعتمدَ البخاري على ذلك فذكر خبيبُ بن عدِي فيمن شهد بدرًا، وهو اعتماد متَّجه.
لكن تعقَّبه الحافظ الدِّمياطي بأنَّ أهل المغازي لم يذكر أحدٌ منهم أنَّ خبيب بن عدِي شهد بدرًا ولا قتل الحارث بن عامر، وإنما ذكروا أنَّ الذي قتل الحارث بن عامر ببدرٍ خُبيب بن إساف، وهو غير خُبيب بن عدي، وهو خزرجيٌّ، وخبيب بن عدِي أوسي، والله تعالى أعلم.
(فَمَكَثَ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا) وفي رواية ابنِ سعد فحبسوهمَا حتى خرجتِ الأشهر الحرم، ثمَّ أخرجوهما إلى التَّنعيم فقتلوهما. وفي رواية بُريدة بن سفيان فأساؤوا إليه في إساره، فقال لهم ما يصنعُ القوم الكرام [هذا] بأسيرهم؟ قال فأحسنوا إليه بعد ذلك وجعلوه عند امرأة تحرسه. وروى ابن سعد من طريق موهب مولى آل نوفل قال قال لي خبيب وكانوا جعلوه عندي
ج 17 ص 523
يا موهبُ أطلب إليك ثلاثًا أن تَسقيني العذبَ، وأن تجنبني ما ذُبحِ على النُّصب، وأن تُعلِمني إذا أرادوا قتلي.
(حَتَّى إِذَا أَجْمَعُوا قَتْلَهُ اسْتَعَارَ مُوسَى مِنْ بَعْضِ بَنَاتِ الْحَارِثِ) هكذا وقعت هذه القصَّة مدرجة في رواية معمر، وكذا إبراهيم بن سعد، كما تقدَّم في «غزوة بدر» [خ¦3989] ، وقد فصلها شُعيب في روايته كما تقدَّم في «الجهاد» [خ¦3045] فقال لبث خبيب عندهم أسيرًا فأخبرني عبدُ الله بن عياض أنَّ بنت الحارث أخبرته أنَّهم حين اجتمعوا استعار منها موسى.
ووقع في «الأطراف» لخلف أنَّ اسمها زينب بنت الحارث، وهي أخت عقبة بن الحارث الذي قتل خبيبًا، وقيل امرأته.
وعبد الله بن عياض المذكور، قال الدِّمياطي أغفلَه من صنف في رجال البخاري. وقال الحافظ العسقلاني ترجم له المزِّي وذكر أنَّه تابعي روى عن عائشة رضي الله عنها وعن غيرها، روى عنه الزُّهري وعبد الله بن عثمان بن خُثيم وغيرهما.
والقائل «فأخبرني» هو الزُّهري، ووهمَ من زعم أنَّه عَمرو بن سفيان.
وعند ابن إسحاق عن عبدِ الله بن نَجيح قال حُدِّثت عن مارية مَولاة حجير بن أبي إهاب، وكانت قد أسلمت قالت حبس خُبيب في بيتي، ولقد اطَّلعت عليه يومًا، وإنَّ في يده قطفًا من عنب مثل رأس الرَّجل يأكل منه.
قال الحافظُ العسقلاني فإن كان محفوظًا احتمل أن يكون كلٌّ من ماريةَ وزينب رأت القطفَ في يده يأكلُه، وأن التي حبس في بيتها مارية، والتي كانت تحرسه زينب جمعًا بين الروايتين. وذكر ابن بطَّال أنَّ اسم المرأة جويرية.
قال الحافظُ العسقلاني فيحتمل أن يكون لما رأى قولَ ابن إسحاق أنَّها مَولاة حجير بن أبي إهاب أطلق عليها جويرية؛ لكونها أمة، أو يكون وقعت له رواية فيها أنَّ اسمها جويرية.
ثم قوله «موسى» ، يجوز فيه الصَّرف وعدمه.
(لِيَسْتَحِدَّ بِهَا) وفي رواية بُريدة بن سفيان «ليستطيب بها» ، والمراد أنَّه يحلق عانته (فَأَعَارَتْهُ، قَالَتْ فَغَفَلْتُ عَنْ صَبِيٍّ لِي) ذكر الزبير بن بكَّار أنَّ هذا الصَّبي هو أبو حسين بن الحارث بن عدِي بن نوفل بن عبد مناف، وهو جدُّ عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي حسين المكِّي المحدِّث، وهو من أقران الزُّهري،
ج 17 ص 524
وفي رواية ابن سفيان «وكان لها ابن صغير، فأقبل إليه الصَّبي فأخذه فأجلسَه عنده، فخشيتِ المرأة أن يقتلَه فناشدته» . وعند أبي الأسود عن عروة «فأخذَ خبيب بيد الغلام، فقال هل أمكنَ الله منكم؟ فقالت ما كان هذا ظنِّي بك، فرمَى لها الموسى، وقال إنما كنت مازحًا» . وفي رواية بُريدة بن سفيان «ما كنتُ لأغدر» . وعند ابنِ إسحاق عن ابنِ أبي نَجيح وعاصم بن عمر جميعًا أنَّ مارية قالت قال لي خُبيب حين حضره القتلُ ابعثي لي بحديدةٍ أتطهَّر بها، قالت فأعطيتُ غلامًا من الحيِّ.
قال ابنُ هشام يقال إنَّ الغلام ابنها. ويجمع بين الرِّوايتين بأنَّه طلب الموسى من كلٍّ من المرأتين، وكان الذي أوصله إليه ابن إحداهما، وأمَّا الابنُ الذي خشيت عليه، ففي رواية هذا الباب «فغفلتْ عن صبي لي» ، فهذا غير الذي أحضرَ إليه الحديدة، والله تعالى أعلم.
(فَدَرَجَ إِلَيْهِ حَتَّى أَتَاهُ فَوَضَعَهُ عَلَى فَخِذِهِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ فَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَ ذَاكَ مِنِّي وَفِي يَدِهِ الْمُوسَى، فَقَالَ أَتَخْشَيْنَ) ويروى من الحسبان (أَنْ أَقْتُلَهُ؟ مَا كُنْتُ لأَفْعَلَ ذَاكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَكَانَتْ تَقُولُ) أي بعض بنات الحارث، وهي زينب، كما تقدَّم (مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ مِنْ قِطْفِ عِنَبٍ) القِطْف _ بكسر القاف _ العنقود. وفي رواية ابنِ إسحاق عن ابنِ أبي نَجيح كما تقدَّم «وإنَّ في يده لقطفًا من عنبٍ مثل رأس الرَّجل» .
(وَمَا بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ ثَمَرَةٌ، وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ) بفتح المثلثة؛ أي مقيَّد (فِي الْحَدِيدِ، إِلاَّ رِزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ) وفي رواية إبراهيم بن سعد رزقَه الله خبيبًا. وفي رواية شعيب وثابت تقول إنَّه لرزق من الله رزقه خبيبًا.
قال ابن بطَّال هذا يمكن أن يكون الله تعالى جعله آية على الكفَّار، وبرهانًا لنبيِّه صلى الله عليه وسلم لتصحيحِ رسالته.
قال فأمَّا من يدَّعي وقوع ذلك اليوم بين ظَهراني المسلمين فلا وجه له إذ المسلمون دَخلوا في الدين وأيقنوا بالنُّبوة، فأي معنى لإظهار الآية عندهم ولو لم يكن في تجويز ذلك إلا أن يقولَ جاهل إذا جازَ ظهور هذه الآيات على يدِ غير نبيٍّ
ج 17 ص 525
فكيف نصدِّقها من نبي؟
والغرض أنَّ غيره يأتي بها لكفي في إنكار ذلك قطعًا للذَّريعة إلى أن قال إلَّا أن يكون ممَّا لا يخرق عادة ولا يقلبُ عينًا مثل أن يكرمَ الله عبدًا بإجابة دَعوة في الحال ونحو ذلك ممَّا يظهرُ فيه فضل الفاضلِ، وكرامة الولي، ومن ذلك حمى الله عاصمًا؛ لئلا ينتهكَ عدوه حرمته، انتهى.
والحاصل أنَّ ابن بطَّال توسط بين من يثبت الكرامة ومن ينفيها، فجعل الذي يثبت ما قد يجري به العادة لآحاد النَّاس أحيانًا والممتنعِ ما يقلب الأعيان مثلًا، والمشهورُ عن أهل السُّنة إثبات الكرامات مطلقًا، لكن استثنى بعضُ المحقِّقين منهم كأبي القاسم القُشيري ما وقع به التَّحدي لبعض الأنبياء عليهم السلام، فقال «ولا يصلونَ إلى مثل إيجادِ ولد من غيرِ أبٍ ونحو ذلك» ، والله تعالى أعلم.
(فَخَرَجُوا بِهِ مِنَ الْحَرَمِ) بيَّن ابن إسحاق أنهم أخرجوه إلى التَّنعيم (لِيَقْتُلُوهُ، فَقَالَ دَعُونِي) أي اتركوني (أُصَلِّي) بالياء في رواية الأكثرين، وفي رواية الكُشميهني بغير ياء، ولكلِّ وجه ظاهر (رَكْعَتَيْنِ) وعند موسى بن عُقبة أنَّه صلَّى ركعتين في موضع مسجد التَّنعيم.
(ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ لَوْلاَ أَنْ تَرَوْا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ مِنَ الْمَوْتِ لَزِدْتُ) وفي رواية بُريدة بن سفيان «لزدت سجدتين أُخريين» (فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْقَتْلِ هُوَ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا) دعاء لهم بالاستئصالِ والهلاكِ بحيث لا يبقى واحد منهم. وزادَ في رواية إبراهيم بن سعد «واقتلهم بددًا» أي متفرِّقين ولا تُبقِ منهم أحدًا. وفي رواية بريدة بن سفيان «فقال خبيب اللَّهمَّ إني لا أجدُ من يبلِّغ رسولك منِّي السلام فبلغه» . ويروى أنَّه لما رُفِع على الخشبةِ استقبل الدُّعاء، فلبدَ رجلٌ بالأرض خوفًا من دعائه، فقال «اللَّهمَّ أحصهم عددًا واقتلْهُم بددًا» ، قال فلم يحل الحول، ومنهم أحدٌ حيٌّ غير ذلك الرجل الذي لبد بالأرض.
وحكى ابنُ إسحاق عن معاوية بن أبي سفيان قال كنت مع أبي، فجعلَ يلقيني إلى الأرض حين أسمعُ دعوةَ خُبيب. وفي رواية أبي الأسود عن عروة فيمن حضرَ ذلك أبو إهاب بن عزيز
ج 17 ص 526
والأخنس بن شريق، وعبيدة بن حكيم السُّلمي، وأميَّة بن عتبة بن همام. وفي روايته أيضًا «فجاءَ جبريلُ عليه السلام إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأخبر أصحابه بذلك» . وعند موسى بن عقبة «فزعموا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك اليوم وهو جالس وعليك السَّلام خبيب، قتلتْه قريش» .
(ثم قال) (مَا أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا*عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي) قوله ما أبالي، هكذا في رواية الأكثرين، وللكُشميهني وهو أوزن والأوَّل جائزٌ، لكنَّه مخروم ويكمل بزيادة الفاء، و «ما» نافية و «إن» بعدها بكسر الهمزة نافية أيضًا للتأكيد. وفي رواية شعيب «وما أن أبالي» بزيادة واو، ولغيره «ولست أبالي» .
(وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ*يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ) الأوصال جمع وصل وهو العضو. والشِّلو _ بكسر المعجمة _ الجسد، وقد يطلقُ على العضوِ، لكن المراد به هنا الجسد، والممزَّع _ بالزاي ثم المهملة _ المقطَّع، ومعنى الكلام أعضاء جسد تقطَّع. وعند أبي الأسود عن عروة زيادة في هذا الشعر
~لَقَدْ جَمَّعَ الْأَحْزَابُ حَوْلِي وَأَلَّبُوا قَبَائِلَهُمْ وَاسْتَجْمَعُوا كُلَّ مَجْمَعِ
ومنه
~إِلَى اللَّهِ أَشْكُو غُرْبَتِي ثُمَّ كُرْبَتِي وَمَا أَرْصَدَ الْأَحْزَابُ لِي عِنْدَ مَصْرَعِي
وساقها ابنُ إسحاق ثلاثة عشر بيتًا. قال ابنُ هشام ومن الناس من يُنكرها لخُبيب.
(ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ فَقَتَلَهُ) سيأتي البحثُ فيه في الحديث الذي بعدَه [خ¦4087] ، وفي رواية أبي الأسود عن عروة «فلمَّا وضعُوا فيه السِّلاح وهو مصلوبٌ نادوه وناشدوهُ أتحب أنَّ محمدًا مكانك؟ قال لا والله العظيم ما أحبُّ أنَّه يفديني بشوكة في قدمه» .
(وَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ إِلَى عَاصِمٍ لِيُؤْتَوْا) على البناء للمفعول (بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ يَعْرِفُونَهُ، وَكَانَ عَاصِمٌ قَتَلَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ) قال الحافظُ العسقلاني لعلَّ العظيم المذكور عقبة بن أبي مُعيط، فإن عاصمًا قتله صبرًا بأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم بعد أن انصرفوا من بدرٍ. ووقعَ عند ابنِ إسحاق، وكذا في رواية بُريدة بن سفيان أنَّ عاصمًا لما قُتِلَ أرادت هُذيل
ج 17 ص 527
أخذ رأسه ليبيعوه من سلافةَ بنت سعيد بن شهيد، وهي أم مسافع وخلاس ابني أبي طلحة العبدري. وكان عاصم قتلَه يوم أحدٍ، وكانت نذرتْ لئن قدرت على رأسِ عاصم لتشربنَّ الخمرَ في قَحْفه، فمنعته الدَّبر.
فإن كان محفوظًا احتمل أن تكون قريش لم تشعرْ بما جرى لهذيل من منع الدَّبر لها من أخذ رأسِ عاصم، فأرسلتْ من يأخذه، أو عرفوا بذلك ورجوا أن تكون الدَّبر تركته فيتمكنوا من أخذِهِ.
(فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِثْلَ الظُّلَّةِ) بضم الظاء المعجمة، وهي السَّحابة المظلِّة كهيئة الصفة (مِنَ الدَّبْرِ) بفتح المهملة وسكون الموحدة، هي الزَّنابير، وقيل ذكور النَّحل ولا واحدَ له من لفظه (فَحَمَتْهُ) بفتح المهملة والميم؛ أي منعتْه (مِنْ رُسُلِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ) وفي رواية شعيب «فلم يقدرُوا أن يقطعُوا من لحمهِ شيئًا» . وفي رواية أبي الأسود عن عروة «فبعث الله عليهم الدَّبر تطيرُ في وجوهِهِم وتلدغهم، فحالتْ بينهم وبين أن يُقطَّعوا» . وفي رواية ابنِ إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة «كان عاصم بن ثابت أَعطى الله عهدًا أن لا يمسَّه مشركٌ، ولا يمسَّ مشركًا أبدًا، وكان عمر رضي الله عنه يقول لما بلغه خبره يحفظُ اللهُ العبدَ المؤمن بعد وفاتهِ كما حفظه في حياته» .
وفي الحديث أنَّ للأسير أن يمتنعَ من قبول الأمان، ولا يمكِّن من نفسِهِ، ولو قُتِل من أن يجريَ عليه حكم كافرٍ، وهذا إذا أرادَ الأخذ بالشِّدة، فإن أرادَ الأخذَ بالرُّخصة فله أن يستأمن. قال الحسنُ البصري لا بأس بذلك. وقال سفيان الثَّوري أكره ذلك.
وفيه الوفاء للمشركين بالعهدِ والتَّورع عن قتل أولادِهم، والتَّنظف لمن أريد قتله، وإثبات كرامةِ الأولياء، والدُّعاء على المشركين بالنقم، والصَّلاة عند القتل. وفيه إنشاء الشِّعر وإنشاده عند القتل، ودَلالة على قوَّة نفس خبيب وشدَّته في دينه. وفيه أنَّ الله تعالى يبتلِي عبده المسلم بما يشاءُ، كما سبقَ في علمه للتَّنبيه، ولو شاءَ ربُّك ما فعلوه. وفيه استجابةُ دعاء المسلم وإكرامه حيًا وميتًا، وغير ذلك من الفوائد يظهر بالتأمل.
وإنما استجاب الله له في حماية لحمهِ من المشركين،
ج 17 ص 528
ولم يمنعهم من تسليمه لما أرادوا إكرامًا له بالشَّهادة. وفيه ما كانوا عليه مُشركوا قريش من تعظيمِ الحرم في الأشهر الحرم.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ.
وقد مرَّ في «كتاب الجهاد» ، في باب «هل يستأسر الرجل» [خ¦3045] ، ثم أخرجَه أيضًا في أثناء أبواب «غزوة بدر» [خ¦3989] .