4091 - (حَدَّثَنَا) ويروى (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكي، قال (أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ) بتشديد الميم، هو ابنُ يحيى بن دينار البصري (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) أنَّه (قَالَ حَدَّثَنِي أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ خَالَهُ) أي خال أنس (أَخٌ لأُمِّ سُلَيْمٍ) أي هو أخ لأم سليم، فيكون ارتفاعه على أنَّه خبر مبتدأ محذوف، ويُروى بالنصب على أنَّه بدل من قوله «خاله» الذي هو مفعول «بعث» .
وأمُّ سُلَيم _ بضم السين المهملة وفتح اللام _ بنت مَلحان، كانت تحتَ مالك بن النَّضر أبي أنس بن مالك في الجاهلية، فولدت له أنسًا، فلمَّا جاء الإسلام أسلمتْ مع قومها وعرضت الإسلام على زوجها،
ج 17 ص 532
فغضبَ عليها وخرج إلى الشَّام فهلك، ثمَّ خلف عليها بعده أبو طلحةَ الأنصاري.
وقال أبو عمر اختلفَ في اسم أمِّ سُليم فقيل سهلة، وقيل رَملة، وقيل رُمَيثة، وقيل مليكة، وقيل الغُميصاء والرُّميصاء.
وأمَّا خال أنس رضي الله عنهما فاسمُه حرام _ ضدُّ حلال _ ابن ملحان [واسم ملحان] بن مالك بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن مالك بن النَّجار الأنصاري، شهد بدرًا مع أخيه سُليم بن ملحان، وشهدا أحدًا، والضَّمير في «خاله» لأنس رضي الله عنه.
والعجبُ أنَّ الكرماني جوَّز كون الضَّمير للنَّبي صلى الله عليه وسلم وقال لأنَّه كان أخًا له، إمَّا من جهة الرَّضاعة وإمَّا من جهة النَّسب وإن كان بعيدًا.
(فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا، وَكَانَ رَئِيسَ الْمُشْرِكِينَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ) بضم الطاء مصغَّر الطفل؛ أي ابن مالك بن جعفر بن كلاب، وهو ابنُ أخي أبي براء عامر بن مالك (خَيَّرَ) على البناء للفاعل والمفعول محذوفٌ؛ أي خير عامر بن الطُّفيل النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم. بيَّنه البيهقيُّ في «الدلائل» من رواية عثمان بن سعيد عن موسى بن إسماعيل شيخ البخاري فيه، ولفظه وكان أتى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال له أُخيِّرك بين ثلاث خصال، فذكر الحديث.
(بَيْنَ ثَلاَثِ خِصَالٍ، فَقَالَ يَكُونُ لَكَ أَهْلُ السَّهْلِ) أي أهل البَوادي (وَلِي أَهْلُ الْمَدَرِ) أي أهل البلاد (أَوْ أَكُونُ خَلِيفَتَكَ، أَوْ أَغْزُوكَ بِأَهْلِ غَطَفَانَ) بفتح المعجمة والمهملة والفاء. قال الرشاطي غطفان في قيس غيلان غطفان بن سعيد بن قيس، وفي جذام غَطَفان بن سعد بن إياس بن حرام بن جذام، وفي جهينة غَطَفان بن قيس بن جهينة. قال ابنُ دريد فعلان، من الغطف، وهو قلَّة هَدَب العينين.
(بِأَلْفٍ وَأَلْفٍ) وفي رواية عثمان بن سعيد «بألف أشقر وألف شقراء» (فَطُعِنَ عَامِرٌ) على البناء للمفعول؛ أي أصابه الطَّاعون وطلع له في أصل أذنه غدة عظيمة كالغدة التي تطلعُ على البَكْر (فِي بَيْتِ أُمِّ فُلاَنٍ، فَقَالَ) أي عامر (غُدَّةٌ) بضم الغين المعجمة وتشديد الدال، قال الأصمعيُّ من أدواء الإبل؛ أي أمراضِهَا وهو طاعونها. يقال أَغَدَّ البعير فهو مُغِدٌّ، وناقة مُغِد بغير هاء ويُقال جمل مغدود وناقةٌ مغدودةٌ، وكل قطعة صلبة بين القصبةِ والسِّلعة يركبها الشَّحم فهي غُدَّة، تكون في العُنق وفي سائرِ الجسد. وقوله «غدة» ، يجوز فيه الرَّفع بتقدير أصابتني غُدَّة أو غدة بي، ويجوز النَّصب على المصدرِ؛ أي أغد غدة.
(كَغُدَّةِ الْبَكْرِ)
ج 17 ص 533
بفتح الموحدة وسكون الكاف، وهو الفَتِيُّ من الإبل بمنزلة الغلام من النَّاس، والأنثى بكرة، وقد يُستعار للناس (فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ آلِ فُلاَنٍ) بيَّنها الطَّبراني من حديث سهل بن سعد فقال امرأة من آل سلول. وفي حديثه أيضًا وإنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم دَعا عليه؛ أي على عامر فقال «اللَّهمَّ اكفنِي عامرًا» ، قال فجاؤوا إلى بيت امرأةٍ من بني سَلول. وفيه أيضًا بيان قُدوم عامر بن الطُّفيل على النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأنَّه قال لأغزونَّك بألف أشقرَ وألف شقراء. وأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أرسل أصحاب بئر مَعونة بعد أن رجع عامر، وأنهم غُدِر بهم، وأخفرَ ذِمَّة عَمِّه أبي براء.
وسلول امرأة وهي بنت ذُهْل بن شيبان، وزوجها مرَّة بن صَعْصعة أخو عامر بن صَعْصعة، فنسبَ بنوه إليها.
(ائْتُونِي بِفَرَسِي، فَمَاتَ عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ، فَانْطَلَقَ حَرَامٌ أَخُو أُمِّ سُلَيْمٍ) وهو خالُ أنسٍ رضي الله عنه (وهُوَ رَجُلٌ أَعْرَجُ) كذا هنا على أنَّ الأعرج هو حرامٌ وليس كذلك؛ لأنَّه ليس بأعرج بل الأعرج غيره، وحرامٌ قُتِل والأعرج لم يُقتل، فالمراد منه رفيقه، وقد وقع في رواية عثمان بن سعيد «فانطلق حرامٌ ورجلان معه رجلٌ أعرج ورجلٌ من بني فلان» . فالَّذي يظهرُ أنَّ الواو في قوله «وهو» ، قدِّمت سهوًا من الكاتب، والصَّواب تأخيرها هكذا فانطلقَ حرامٌ هو ورجل أعرج.
وقال الكرمانيُّ كلمة «هو» زائدة، ثمَّ إنَّ الأعرج كعب بن زيد، وهو من بني دينار بن النَّجار. قال الذَّهبي بدريٌّ قُتل مع النَّبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق.
(وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي فُلاَنٍ) بيَّن ابن هشام في «زيادات السيرة» أنَّ اسم الرَّجل الذي من بني فلان المنذر بن محمد بن عقبة بن أُحَيحة بن الحلَّاج الخزرجي (فَقَالَ) أي حرام (كُونَا قَرِيبًا) والمخاطبان هو الأعرج والرجل الآخر. وقال الكرماني ويروى باعتبار أنَّ أقلَّ الجمع اثنان (حَتَّى آتِيَهُمْ، فَإِنْ آمَنُونِي كُنْتُمْ) أي ثبتم، فـ «كان» تامة لا تحتاج إلى خبر. وقال الحافظُ العسقلاني وقع هذا بطرق الاكتفاء. وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه إن أرادَ اكتفاء «كان» عن الخبر فلا يصحُّ إلَّا إذا كان «كان» تامَّة، فتأمل. ووقع
ج 17 ص 534
في رواية عثمان بن سعيد المذكور «آمنوني كنتم كذا» .
قال الحافظ العسقلاني ولعلَّ لفظة «كذا» ، من الراوي، كأنَّه كتبها على قوله «كنتم» ؛ أي كذا، وقع بطريق الاكتفاء. ووقع لأبي نُعيم في «المستخرج» من طريق عُبيد الله بن يزيد المقرئ عن همام «فإن آمنوني كنتُم مني قريبًا» ، فهذه رواية مفسِّرة. قال العيني «كان» ناقصة على هاتين الروايتين.
(وَإِنْ قَتَلُونِي أَتَيْتُمْ أَصْحَابَكُمْ، فَقَالَ أَتُؤْمِنُونِي) أي فقال حرام أتعطوني الأمان، والهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستعلام، ويروى على الأصل (أُبَلِّغْ) بالجزم؛ لأنه جواب الاستفهام (رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ) أي فجعل حرام يحدِّث المشركين الذين أتى إليهم، و «جعل» من أفعال المقاربةِ، وهو من القِسم الثالث منها، وهو ما وُضِعَ لدنو الخبر على وجه الشُّروع فيه، والأخذ في فعله.
وفي رواية الطَّبراني من طريق عكرمة عن عمَّار عن إسحاق بن أبي طلحة في القصَّة «فخرجَ فقال يا أهل بئر مَعونة! إني رسولُ رسولِ الله إليكم، فآمنوا بالله ورسوله، فخرجَ رجل من كسر البيت برُمحٍ فضربَه بجنبهِ حتى خرجَ من الشِّقِّ الآخر» .
(وَأَوْمَئُوا) أي أشاروا (إِلَى رَجُلٍ، فَأَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ فَطَعَنَهُ) قال الحافظُ العسقلاني لم أعرفْ اسمَ الرجل الَّذي طعنَه. ووقع في «السيرة» لابنِ إسحاق ما ظاهرُه أنَّه عامر بن الطُّفيل؛ لأنَّه قال فلمَّا نزلوا؛ أي الصَّحابة بئر مَعونة بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطُّفيل، فلمَّا أتاه لم ينظر في كتابهِ حتَّى عدا عليه فقتلَه.
لكن وقع في الطَّبراني من طريق ثابت عن أنس رضي الله عنه أنَّ قاتلَ حرامِ بن مَلحان أسلم، وعامر بن الطُّفيل مات كافرًا، كما تقدَّم في هذا الباب.
وأمَّا ما أخرجه المستغفري في «الصحابة» من طريقِ القاسم عن أبي أُمامة عن عامر بن الطُّفيل أنَّه قال يا رسولَ الله! زودني كلمات، قال «يا عامر أفشِ السَّلام، وأطعمِ الطَّعام، واستحي من الله، وإذا أسأتَ فأحسنْ» الحديث، فهو أسلميٌّ.
ووهم المستغفريُّ في كونه ساق في ترجمته نسب عامر بن الطُّفيل العامري.
وقد روى البَغوي
ج 17 ص 535
في ترجمة أبي براء عامر بن مالك العامري من طريق عبد الله بن بُريدة الأسلمي، قال حدَّثني عمِّي عامر بن الطُّفيل، فذكر حديثًا فعرف أن الصَّحابي أسلمي وافق اسمُه واسمُ أبيه العامريَّ، فكان ذلك سبب الوهم.
(قَالَ هَمَّامٌ) هو المذكور في السند (أَحْسِبُهُ حَتَّى أَنْفَذَهُ) أي أظنُّ الطَّاعن أنفذَه من جانب إلى جانب. وقوله (بِالرُّمْحِ) يتعلَّق بقوله «فطعنه» (قَالَ) ويروى بالفاء؛ أي حرام، وقد صرَّح به في الحديث الذي يليهِ على ما سيأتي إن شاء الله تعالى [خ¦4092] (فُزْتُ) يعني بالشَّهادة (وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، فَلُحِقَ الرَّجُلُ) في ضبطه مع معناه ثلاثة أوجه
الأول أن يكون على صيغة المعلوم، و «الرَّجل» فاعلُه، والمراد به الرجل الذي كان رفيق حرام، وفيه حذفٌ تقديره فلحق الرَّجل بالمسلمين.
الثاني أن يكون «لُحِقَ» على صيغة المجهول، والتَّقدير لُحِقَ الرجلُ الذي هو رفيق حرام؛ يعني صار ملحوقًا فلم يقدر أن يبلغَ المسلمين قبل بلوغ المشركين إليهم.
الثالث أن يكون لفظ «الرجْل» _ بسكون الجيم _، ويكون جمع الراجل، والمعنى فلحق الرِّجال المشركون بالمسلمين فقاتلوهم، وقتل المسلمون كلهم، كذا قرَّره العيني.
وقال الحافظُ العسقلاني يحتمل أن يكون المراد بالرجل؛ يعني على تقدير البناء للفاعل قاتل حرام، والتَّقدير فطعن حرامًا، فقال فزتَ وربِّ الكعبة، فلحقَ الرجل المشرك الطَّاعن بقومهِ المشركين، فاجتمعوا على المسلمين فقتلوا كلهم، ويحتمل أن يكون لُحِق _ بضم اللام _ والرجل هو حرامٌ؛ أي لحقه أجله، ويحتمل أن يكون الرجْل _ بسكون الجيم _ صيغة جمع، والمعنى أنَّ الذي طعن حرامًا لحقَ بقومهِ وهم الرَّجال الذين استنصر بهم عامر بن الطُّفيل، فجاء بهم فقاتلوا المسلمين فقُتلوا كلهم، ويحتمل أن يكون فاعل «لحقَ» عامرُ بن الطَّفيل.
والرجْل _ بسكون الجيم _ هم المسلمون القرَّاء، فقُتلوا كلهم، قال وهذا أوجه التَّوجيهات إن ثبتت الرواية بسكون الجيم، والله تعالى أعلم.
(فَقُتِلُوا كُلُّهُمْ) أي قتل السَّبعون الذين أرسلهم النَّبي صلى الله عليه وسلم (غَيْرَ الأَعْرَجِ، كَانَ فِي رَأْسِ جَبَلٍ) وفي رواية حفص بن عمر عن همَّام في «الجهاد» [خ¦2801] «فقتلوهم إلَّا رجلًا
ج 17 ص 536
أعرج صعدَ الجبل، قال همام وآخر معه». وفي رواية الإسماعيلي من هذا الوجه «فقتلوا أصحابه غير الأعرج وكان في رأس الجبل» (فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا، ثُمَّ كَانَ مِنَ الْمَنْسُوخِ) أي من المنسوخ تلاوته، والمراد بالمُنزَل قوله (إِنَّا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا) وقوله «ثمَّ كان من المنسوخِ» ، جملة معترضة. وقال ابنُ التين إمَّا أن يكون كان يتلى ثمَّ نسخَ رسمه، أو كان النَّاس يكثرون ذكرهُ وهو من الوحي، ثمَّ تقادمَ حتى صار لا يُذكر إلَّا خبرًا.
(فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلاَثِينَ صَبَاحًا) يعني في صلاة الفجر (عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لِحْيَانَ وَعُصَيَّةَ، الَّذِينَ عَصَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) وفي «شرف المصطفى» لمَّا أصيب أهل بئر معونة جاءت الحمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اذهبي إلى رعل وذكوان وعصيَّة عصت الله ورسوله، فأتتهُم فقتلتْ منهم سبعمائة رجلٍ، لكلِّ رجلٍ من المسلمين عشرة.
والحديث قد مضى في «كتاب الجهاد» ، في باب «من ينكب في سبيل الله» [خ¦2801] .
ومطابقته للترجمة تؤخذُ من معناه.