4093 - (حَدَّثَنِي) ويروى (عُبَيْدُ) مصغَّر عبد (ابْنُ إِسْمَاعِيلَ) قال (أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ) هو حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ) هو ابنُ عروة بن الزُّبير بن العوام (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أنَّها (قَالَتِ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي الْخُرُوجِ) يعني في الهجرةِ من مكَّة إلى المدينة (حِينَ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الأَذَى)
ج 17 ص 537
يعني من كفَّار مكة (فَقَالَ لَهُ أَقِمْ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَطْمَعُ) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستعلام (أَنْ يُؤْذَنَ لَكَ) على البناء للمفعول (فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ) ويروى (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنِّي لأَرْجُو ذَلِكَ، قَالَتْ فَانْتَظَرَهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ ظُهْرًا) أي في وقت الظهر (فَنَادَاهُ، فَقَالَ أَخْرِجْ) أمر من الأفعال (مَنْ عِنْدَكَ) في محلَّ النصب على المفعوليَّة (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ) أرادَ بهما أسماء وعائشة رضي الله عنهما (فَقَالَ أَشَعَرْتَ) معناه اعلم؛ لأنَّ الهمزة هنا خرجت عن الاستفهام الحقيقي، ومثله قوله تعالى {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح 1] أي شرحنا، ولهذا عطف عليه قوله {وَوَضَعْنَا} [الشرح 2] (أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي) على البناء للمفعول (فِي الْخُرُوجِ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، الصُّحْبَةَ) منصوب بفعل محذوفٍ أي أتريد الصُّحبة؛ أي المرافقة في الهجرة (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّحْبَةَ) أي نعم أريد الصُّحبة (قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِنْدِي نَاقَتَانِ، قَدْ كُنْتُ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ، فَأَعْطَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَاهُمَا وَهْيَ الْجَدْعَاءُ) أي النَّاقة التي أعطاها النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم هي التي تسمَّى بالجدْعاء، وهي المقطوعة الأذن، ومنه خطب على ناقته الجَدْعاء. وقال ابنُ الأثير وقيل لم تكن ناقتُه مقطوعةَ الأذن وإنما كان اسمًا لها، وهو من الجَدْع، وهو قطعُ الأنف والأذن ونحوهما.
(فَرَكِبَا، فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا الْغَارَ وَهْوَ بِثَوْرٍ) بفتح المثلثة، وهو جبلٌ معروفٌ بمكَّة يسمَّى باسم الحيوان المشهور (فَتَوَارَيَا) أي اختفيا (فِيهِ) من التَّوَاري (فَكَانَ) ويروى بالواو.
(عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ) مصغَّر الفهرة، هو أبو عَمرو، كان مملوكًا للطُّفيل بن عبد الله بن سَخْبرة، فاشتراهُ أبو بكر رضي الله عنه فأعتقه وأسلمَ قبل أن يدخلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، وكان حسنَ الإسلام، وكان مولَّدًا من مولدي الأزد، أسود اللَّون، شهد بدرًا وأُحدًا، وقُتِل يوم بئرِ مَعونة، كما سيأتي في هذا الحديث إن شاء الله تعالى.
(غُلاَمًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الطُّفَيْلِ بْنِ سَخْبَرَةَ) بفتح المهملة والموحدة
ج 17 ص 538
وسكون المعجمة بينهما وبالراء، كذا وقع هنا. قال الحافظُ العسقلاني وفيه نظرٌ، وكأنَّه مقلوبٌ، والصَّواب كما قال الدِّمياطي الطُّفيل بن عبد الله بن سَخْبرة، وهو أزديٌّ من بني زهران.
ونسبه العينيُّ هكذا الطُّفيل بن عبد الله بن الحارث بن سَخْبرة بن جرثومة بن عائذة بن مرَّة بن جشم بن الأوس بن عامر بن حفص بن النَّمر بن عثمان بن نصر بن زهير بن أخي دهمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد.
وقال أبو عُمر الطُّفيل بن عبد الله بن الحارث بن سَخْبرة القرشي.
وقال ابنُ أبي خيثمة لا أدري من أي قريشٍ هو، قال وهو أخو عائشة رضي الله عنها لأمها.
وقال الواقديُّ كانت أم رومان أم عائشة رضي الله عنهما تحت عبد الله بن الحارث بن سَخْبرة الأزدي، وكان قدم بها مكَّة، فحالف أبا بكر رضي الله عنه قبلَ الإسلام، وتوفِّي عن أمِّ رومان، وقد ولدتْ له الطُّفيل، ثم خلَّف عليها أبو بكر رضي الله عنه، فولدتْ له عبد الرحمن وعائشة رضي الله عنهما، فهما أخوا الطُّفيل لأمهما واشترى أبو بكر رضي الله عنه عامر بن فُهيرة من الطُّفيل وأعتقه، وكان رفيقًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه في الهجرة إلى المدينة.
(أَخُو عَائِشَةَ لأُمِّهَا) وفي رواية الكُشميهني وجه الأول أنَّه خبر مبتدأ محذوفٍ هو «هو» ، ووجه الثاني أنَّه بدل من قوله «لعبد الله بن الطُّفيل» (وَكَانَتْ لأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنْحَةٌ) بكسر الميم وسكون النون، وهي ناقةٌ يدرُّ منها اللَّبن (فَكَانَ يَرُوحُ بِهَا وَيَغْدُو) أي فكان عامر يروحُ بالمنحة من الرَّواح وهو الذَّهاب والمجيء بعد الزَّوال، ويغدو _ بالغين المعجمة _ خلاف الرَّواح، وقد غَدا يَغْدو غُدوًّا.
(عَلَيْهِمْ، وَيُصْبِحُ، فَيَدَّلِجُ) من الادلاج، من باب الافتعال؛ أي يسير من آخر اللَّيل، يُقال أدلجَ _ بالتخفيف _ إذا سار من أول اللَّيل، وادَّلج _ بالتشديد _ إذا سار من آخره، والاسم منهما الدّلجة _ بالضم والفتح _، ومنهم من يجعل الإدلاج لليل كله.
(إِلَيْهِمَا ثُمَّ يَسْرَحُ) أي ثمَّ يذهبُ بها إلى المرعى، يقال سرحتِ الماشية تسرحُ فهي سَارحة، وسرّحتها أنا لازمٌ ومتعدٍّ (فَلاَ يَفْطُنُ بِهِ) أي لا يدري (أَحَدٌ مِنَ الرِّعَاءِ) جمع راع(فَلَمَّا
ج 17 ص 539
خَرَجَا)أي النَّبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه (خَرَجَ مَعَهُمَا) أي خرجَ عامر بن فُهيرة معهما إلى المدينة (يُعْقِبَانِهِ) بضم الياء؛ أي يُردفانه بالنَّوبة؛ أي كان النَّبي صلى الله عليه وسلم يردف عامرًا نوبة وأبو بكر رضي الله عنه يُردفه نوبة، كذا قرره الكرماني.
وقال الحافظُ العسقلاني يُعقبانه _ بالقاف _؛ أي يركبانهِ عقبة، وهي أن ينزلَ الراكب ويركب رفيقُه، ثم ينزلُ الآخر ويركبُ الماشي.
وقال العينيُّ الذي قاله الكرماني أولى وأوجه؛ لأنَّ الذي قاله البعضُ _ يريد الحافظ العسقلاني _ يستلزم أن يمشي النَّبي صلى الله عليه وسلم ويركب عامر، ولا شكَّ أنَّ عامرًا لا يرضى بذلك، ولا أبو بكر رضي الله عنه، ولا هو من الأدب والمروءة. ويؤيِّد ما قاله الكرماني ما قال ابنُ إسحاق لمَّا ركب النَّبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه أردفَ أبو بكر عامر بن فُهيرة مَولاه خلفه ليخدمَهما في الطَّريق.
(حَتَّى قَدِمَا الْمَدِينَةَ، فَقُتِلَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ) في صفر سنة أربع، كما مرَّ بيانه، هذا آخر الحديث الموصول.
ومطابقته للترجمة في قوله «فقتل عامرُ بن فُهيرة يوم بئرِ معونة» .
وقد مضى هذا الحديث بطوله في «أبواب الهجرة» [خ¦3905] وإنما ذَكَرَ منه هنا هذه القطعة من أجل ذكر عامر بن فُهيرة، ثمَّ ساق هشام بن عروة عن أبيه صفة قتل عامر بن فُهيرة مُرسلة بقوله «وعن أسامة ... إلى آخره» كما ترى.
- (وَعَنْ أَبِي أُسَامَةَ) معطوف على قوله «حدَّثنا عُبيد بن إسماعيل حدَّثنا أبو أسامة» ، وإنما فَصَلَهُ ليميز الموصول من المرسل؛ لأنَّه ليس في قصَّة بئر مَعونة ذكر عائشة رضي الله عنها بخلاف قصَّة الهجرة، فإنَّ فيها ذكر عائشة رضي الله عنها، كما مضى الآن، ووقع عند الإسماعيليِّ والبيهقي في «الدلائل» سياق هذه القصَّة في حديث الهجرة موصولًا به مُدرجًا، والصَّواب ما وقع في «الصحيح» .
(قَالَ قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ فَأَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ لَمَّا قُتِلَ الَّذِينَ بِبِئْرِ مَعُونَةَ) وهم القرَّاء الذين سبق ذكرهم (وَأُسِرَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ) بضم الهمزة وتخفيف الميم وتشديد التحتية (الضَّمْرِيُّ) بفتح المعجمة وسكون الميم وبالراء.
قد ساق ذلك عروة في «المغازي» من رواية أبي الأسود عنه، وفي روايته «بعث النَّبي صلى الله عليه وسلم المنذر بن عَمرو الساعدي إلى بئر مَعونة، وبعث معه المطَّلب السُّلمي ليدلَّهم على الطَّريق
ج 17 ص 540
فقُتِلَ المنذرُ بن عَمرو وأصحابه إلَّا عمرو بن أميَّة فإنهم أسروهُ واستحيوه». وفي رواية ابنِ إسحاق في «المغازي» أنَّ عامر بن الطفيل اجتزَّ ناصيته وأعتقَه عن رقبة كانت على أمِّه. وعند العسكري «بعث النَّبي صلى الله عليه وسلم المنذر بن عَمرو أميرًا على أربعين من الأنصار ليس فيهم غيرهم إلَّا عَمرو بن أمية» .
وذلك أنَّ أبا براء بعثَ ابن أخيه إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في علَّة وجدَها، فدعا له بالشِّفاء وبارك فيما أنفذَه إليه فبرئ، فبعثَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعثْ إلى أهل نجدٍ من شئتَ، فإني جارٌ لهم.
وفي «المغازي» لأبي معشر كان أبو براء كتبَ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم ابعثْ إليَّ رجالًا يعلِّمونا القرآن، وهم في ذمَّتي وجِوَاري، فبعث إليه المنذر بن عَمرو في أربعة عشر رجلًا من المهاجرين والأنصار، فلمَّا ساروا إليهم بلغهم أنَّ أبا براء مات، فبعث المنذر إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم يستمدَّه فأمدَّه بأربعين نفرًا أميرُهم عَمرو بن أميَّة، وقال إذا اجتمعَ القوم كان عليهم المنذر، فلمَّا وصلوا بئر مَعونة كتبوا إلى ربيعة بن أبي البراء نحن في ذمَّتك وذمَّة أبيك فنقدم عليك أم لا؟ قال أنتم في ذمَّتي فاقدموا، وفي آخره قدم عليه صلى الله عليه وسلم خبر بئر مَعونة وأصحاب الرَّجيع وبعث محمد بن مسلمة في ليلةٍ واحدةٍ.
وقال ابنُ سعد كانت سرية المنذر بن عَمرو السَّاعدي المعنق للموت إلى بئر مَعونة في صفر على رأس ستَّة وثلاثين شهرًا من المهاجرة، قالوا قدم عامرُ بن مالك بن جعفر، أبو براء ملاعبُ الأسنَّة الكلابي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهدى له، فلم يقبل منه، وعرض عليه الإسلام فلم يُسلِم ولم يَبْعُد، وقال لو بعثت معي نفرًا من أصحابك إلى قومي لرجوتُ أن يجيبوا دَعوتك، فقال إني أخافُ عليهم أهل نجدٍ قال أنا لهم جار، فبعث معه سبعين من الأنصار يُسمّون القراء، وأمَّر عليهم المنذر.
فلمَّا نزلوا بئر مَعونة قدَّموا حرام بن ملحان بكتاب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطُّفيل فقتل حرامًا، واستخرج عليهم بني عامر فأبوا وقالوا لا نخفرُ أبا براء، فاستصرخَ عليهم قبائل
ج 17 ص 541
من سُليم عصية ورِعْلًا وذكوان والقارة ولحيان، فنفروا معه فقتل الصَّحابة كلَّهم رضي الله عنهم إلَّا عَمرو بن أمية، فأخبره جبريل عليه السلام بخبرهم وخبر مصاب خُبيب ومَرثد تلك اللَّيلة.
وقال العينيُّ المنذر بن عَمرو بن خُنيس بن حارثة بن لوذان بن عبدودِّ بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري السَّاعدي، وهو المعروف بالمعنق للموت.
وهو مشتق من العنق _ بالمهملة والنون _ الذي هو ضربٌ من السير، شهد العقبة وبدرًا وأحدًا، وكان أحد السَّبعين الذين بايعوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ليلةَ العقبة، وأحد النُّقباء الاثني عشر، وكان يكتبُ في الجاهليَّة بالعربية.
وقال أبو عمر وكان على الميسرة يوم أُحد، وقتلَ بعد أُحد بأربعة أشهر ونحوها، وذلك سنة أربع في أوَّلها يوم بئر مَعونة شهيدًا.
(قَالَ لَهُ) أي لعَمرو بن أميَّة (عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ مَنْ هَذَا؟ فَأَشَارَ إِلَى قَتِيلٍ) وفي رواية الواقدي بإسناده عن عروة «أنَّ عامر بن الطُّفيل قال لعَمرو بن أميَّة هل تعرف أصحابك؟ قال نعم، فطافَ في القتلى فجعلَ يسأله عن أنسابهم» (فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ هَذَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، فَقَالَ) أي عامر بن الطُّفيل (لَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدَ مَا قُتِلَ رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى إِنِّي لأَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأَرْضِ، ثُمَّ وُضِعَ) أي إلى الأرض. وذكر الواقدي في روايته أنَّ الملائكة وارتهُ فلم يره المشركون، وفي ذلك تعظيمٌ لعامر بن فُهيرة وبيان قدره وتخويف للكفَّار وترهيبهم.
قال أبو عمر ويروى عن عامر بن الطُّفيل أنَّه قال رأيتُ أوَّل طعنةٍ طعنت عامر بن فُهيرة نورًا خرج منها. وذكر ابنُ إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه قال لما قدمَ عامر بن الطُّفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له من الرَّجل الذي لمُّا قُتل رأيته رُفِعَ بين السَّماء والأرض حتى رأيتُ السَّماء دونه، ثمَّ وضعَ فقال له «هو عامر بن فُهيرة» . وفي رواية عروة «وكان الذي قتله رجلًا من بني كلاب جَبَّار بن سلمىَ ذكر أنَّه لما طعنه قال فزت والله، قال فقلت في نفسي ما قوله فزتُ؟ فأتيت الضَّحَّاك بن سفيان
ج 17 ص 542
فسألته فقال بالجنَّة قال فأسلمت ودعاني إلى ذلك ما رأيتُ من عامر بن فُهَيرة»، وقال عروة طُلِب عامر يومئذٍ في القتلى فلم يوجد، قال ويرون أنَّ الملائكة دفنتْه أو رفعتْه.
(فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرُهُمْ) قد ظهرَ من حديث أنس رضي الله عنه أنَّ الله تعالى أخبرَه بذلك على لسان جبريلَ عليه السلام، وفي رواية عروة «فجاء خبرهُم إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة» .
(فَنَعَاهُمْ) من نَعَى الميت يَنْعاه نَعْيًا إذا أذاع مَوته وأخبر به، وإذا ندبه (فَقَالَ إِنَّ أَصْحَابَكُمْ قَدْ أُصِيبُوا، وَإِنَّهُمْ قَدْ سَأَلُوا رَبَّهُمْ، فَقَالُوا رَبَّنَا أَخْبِرْ عَنَّا إِخْوَانَنَا بِمَا رَضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا، فَأَخْبَرَهُمْ عَنْهُمْ، وَأُصِيبَ يَوْمَئِذٍ فِيهِمْ عُرْوَةُ بْنُ أَسْمَاءَ) على وزن حمراء (ابْنِ الصَّلْتِ) بفتح المهملة وسكون اللام وبالفوقانية؛ أي ابن حبيب بن حارثة السُّلمي حليف بني عَمرو بن عوف.
واعلم أنَّ أسماء من الأعلام المشتركة، فهي اسم أمِّ عروة بن الزُّبير، واسم أبي عُروة السُّلمي المذكور.
وذكره الواقديُّ في أصحاب بئر مَعونة وقال حدَّثني مصعب بن ثابت عن أبي الأسود عن عروة قال حرصَ المشركون يوم بئر مَعونة لعروة بن الصَّلت أن يؤمِّنوه فأبى، وكان داخلة لعامر بن الطَّفيل مع أن قومه بني سُليم حرصوا على ذلك فأبى وقال لا أقبل لهم أمانًا ولا أرغبُ بنفسي عن مَصرعهم، ثم تقدَّم فقاتلَ حتى قُتِلَ شهيدًا رضي الله عنه.
(فَسُمِّيَ عُرْوَةُ بِهِ) أي فسمِّي عروة بن الزبير بن العوام باسم عروة بن أسماء المذكور؛ يعني أنَّ الزبير بن العوام رضي الله عنه لما ولد له عروة سماه عروة باسم عروة بن أسماء، وكان بين قَتْل عروة بن أسماء ومولد عروة بن الزبير بضعة عشر عامًا.
(وَمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو) ويروى أي ابن خُنيس بن حارثة من بني ساعدة بن الخزرج، وكان عقبيًا بدريًا من أكابر الصَّحابة كما تقدم؛ أي وأصيب أيضًا فيهم منذر بن عَمرو (وَسُمِّيَ بِهِ مُنْذِرًا) أي وسمِّي بالمنذر بن عمرو المذكور «منذرٌ» بن الزبير بن العوام أخو عروة. وقوله منذرًا كذا ثبت بالنصب في النُّسخ، والظاهر «منذرٌ» بالرفع إذ المعنى أنَّ الزُّبير سمَّى ابنه منذرًا باسم المنذر بن عَمرو.
وقال الحافظ العسقلاني يحتمل أن تكون الرواية بفتح السين على البناء للفاعل، وهو محذوف والمراد به الزبير. وتعقَّبه العيني بأنه لا يعمل بهذا الاحتمال في إثبات الرواية،
ج 17 ص 543
وفيه إضمارٌ قبل الذكر، فافهم.
وقال الحافظ العسقلاني أيضًا أو المراد به أبو أُسيد لما في «الصحيحين» أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بابن لأبي أسيد فقال «ما اسمه؟» قالوا فلان قال «بل هو المنذر» [خ¦6191] . هذا وأنت خبيرٌ بأن هذا الاحتمال أبعد من الأول.
ثمَّ قال ويحتملُ أن يوجه النصب على مذهب الكوفيين في إقامة الجار والمجرور في قوله «به» ، مقام الفاعل كما قُرئ {لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الجاثية 14] انتهى.
ووجه التَّسمية بعروة والمنذر فيهما التَّفاؤل باسم مَنْ رضي الله عنهم ورضوا عنه. وقال النووي في «شرح مسلم» قالوا إنما سمَّاه المنذر تفاؤلًا باسم عمِّ أبيه المنذر بن عَمرو، وكان استشهدَ ببئر مَعونة فتفألَ به ليكون خَلَفًا منه. انتهى.
يريد بذلك أن النَّبي صلى الله عليه وسلم إنما سمى ابن أبي أُسيد بالمنذر تفاؤلًا.