فهرس الكتاب

الصفحة 6051 من 11127

4116 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابنُ المبارك، قال (أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ وَنَافِعٍ) بالجرِّ عطف على «سالم» ، والمعنى أنَّ موسى بن عقبة روى هذا الحديث عن كلِّ واحدٍ من سالم بن عبد الله بن عمر ونافع مولى ابن عمر رضي الله عنهم وكلٌّ منهما يرويه (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن عمر رضي الله عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَفَلَ) أي رجع (مِنَ الْغَزْوِ أَوِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ) كلمة «أو» في الموضعين للتَّنويع لا للشَّك (يَبْدَأُ فَيُكَبِّرُ ثَلاَثَ مِرَارٍ، ثُمَّ يَقُولُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. آيِبُونَ تَائِبُونَ، عَابِدُونُ سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا) يحتمل أن يتعلَّق بما قبله وبما بعده (حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ) وقد مرَّ الحديث في «كتاب الجهاد» ، في باب «التَّكبير إذا علا شرفًا» [خ¦2995] ، وفي باب «ما يقول إذا رجع من الغزو» [خ¦3084] .

ومطابقته للترجمة ظاهرةٌ.

ولنذكر قصَّة غزوة الخندق مفصَّلة حسبما وقفتُ عليه مختصرة بحذفِ الأسانيد، واعلم أنَّ تلك الغزوة هي السادسة عشر من غزوات النَّبي صلى الله عليه وسلم وهي الغزوة التي ابتلَى الله فيها عباده المؤمنين، وثبَّتَ الإيمانُ في قلوب أوليائه المتَّقين،

ج 17 ص 576

وأظهرَ ما أبطنَه أهل النِّفاق وفضحهم، ثم أنزلَ الله نصرهُ، ونصرَ عبدهُ، وهزمَ الأحزاب وحدَه.

وكانت في شوال أو ذي القعدة سنة خمس على الأصح، وما في «الروضة» [1] من أنها كانت سنة أربع اعتُرض عليه، وذلك أنَّه لما أجلى بني النَّضير خرج نفرٌ من وجوههم إلى مكَّة منهم سلام بن مِشْكم وابن أبي الحُقيق وابن أخطب وغيرهم من اليهود، فألبوا قريشًا ودعوا إلى حربِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاهدوهُم على قتاله، وقالوا نكون معكم عليه حتى نستأصلَه ونشَّطوا قريشًا بزعمهم أنَّ دينهم خير من دينِ محمد صلى الله عليه وسلم، لمّا أقسمَ عليهم أبو سفيان أيُّ الدِّينين خيرٌ، فاجتمعوا.

ثمَّ جاؤوا غطفان فكلَّموهم ووعدوهُم بنصفِ تمر خيبر كل عام، فخرجت قريشٌ في أربعة آلاف وعقدت اللِّواء بدار النَّدوة، وحمله عثمانُ بن طلحة ومعهم ثلاثمائة فرس وألف وخمسمائة بعيرٍ يقودُهم أبو سفيان.

ووافقهُم بنو سُليم بمرِّ الظَّهران في سبعمائة يقودُهم أبو سفيان بن عبد شمس، وهو والدُ أبي الأعور السُّلمي الذي كان مع معاوية رضي الله عنه بصفِّين.

وخرجَ بنو أسد يقودهم طلحةَ بن خُويلد، وغطفان في فزارةَ فأوعبت وهم ألفٌ يقودُهم عُيينة بن حصن، وأشجَع وهم أربعمائة يقودُهم مسعود بن رُخَيلة _ بضم الراء وفتح الخاء المعجمة _، وبنو مرَّة وهم أربعمائة يقودُهم الحارث بن عوف، وخرج معه غيرهم فكانوا عشرة آلاف وهم ثلاثةُ عساكر.

وعِنَاج الأمر _ بعين مهملة مكسورة فنون فجيم؛ أي ملاكه _ إلى أبي سفيان فبلغَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فندب المسلمين وشاورهم أيبرز من المدينة أم يتأخَّر لهم في طرقها؟ فأشار سلمان الفارسي رضي الله عنه بالخندق، ولم يكن من شأن العربِ بل من مكائدِ الفرس، فعسكرَ بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سفح سلع وكانوا ثلاثة آلاف.

واستخلفَ ابن أم مكتومٍ ثم خندقَ على المدينة، وعمل فيه بيدهِ، وحملَ التراب على ظهرهِ حتى اغبرَّ شَعَره وصدرُه بضع عشرة ليلة، وقتل أربعًا

ج 17 ص 577

وعشرين، وكان أبو بكر وعمرُ رضي الله عنهما ينقلان التراب في ثيابهم إذا لم يجدوا مكاتلَ من العجلةِ، ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المهاجرين والأنصار وهم يعملون وما هم فيه من النصب والجوع، فقال

~اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَهْ

فقالوا مجيبين له

~نَحْنُ الَّذِينَ بَايعُوا مُحمَّدًا عَلَى الجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدًا

وكان من شدَّة اجتهاده يضربُ مرَّة بالمعول ومرَّة يغرف التراب بالمسحاة، وبلغ يومًا منه التَّعب فاتكأ على حجرٍ بشقِّه الأيسر، فقام العُمَران على رأسه ينحِّيان الناس عنه أن يمروا به، فينبهوه فانتبه فوثب، وقال «ألا فزَّعتموني» وصار يضرب ويقول

~إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ

~اللَّهُمَّ الْعَنْ عَضْلًا وَالْقَارَهْ فَهُمْ كَلَّفُونِي نَقْلَ الْحِجَارَهْ

وهذا غير موزون فعملوا فيه حتى أحكموهُ.

وكان فيه من أعلام النُّبوة قصَّة الكُدْية التي شكوها إليه، فتفل في ماء فنضحَه عليها فصارتْ كالكثيب لا تردُّ فأسًا ولا مسحاةً.

ومنها قصَّة الجفنة من التَّمر التي جاءت بها بنت بشير بن سعيد لأبيها وخالها ابن رواحة، فقال لها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم «هاتيهِ» فصبَّته في كفِّيه فما ملأهُ، ثم أمر بثوبٍ فبسطَ، ثم صرخَ في أهل الخندق أن هلمَّ إلى الغداء فصدروا عنه وإنه ليسقط من أطراف الثوب.

وفيها قصَّة شويهة جابر رضي الله عنه حين دعا إليها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وحدَه، فأمر صارخًا فصرخَ أن انصرفوا إلى بيت جابرٍ فسمَّى اللهَ ثمَّ أكل، وتواردَها الناس كلَّما فرغَ قوم أكل آخرون حتى صدرَ أهل الخندق عنها.

وفيها قصَّة سلمان رضي الله عنه حين غلظت ناحية من الخندقِ فأخذَ رسول الله صلى الله عليه وسلم المعول فضرب ضربةً فلمعت تحت المعول برقة، ثمَّ أُخرى فلمعتْ أخرى، ثمَّ الثالثة فلمعتْ أخرى، فسأله سلمان رضي الله عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أمَّا الأوَّل ففتحَ الله بها عليَّ اليمن، وأمَّا الثانية فالشَّام والمغرب، وأمَّا الثالثة فالمشرق» .

فلمَّا فرغَ من الخندق أقبلتْ قريش فنزلت بمجتمع الأسيال

ج 17 ص 578

في أحابيشها _ بشين معجمة بعد الباء والياء _ ومَنْ ضَوى _ أي مال _ إليها من كنانة وأهل تِهَامة _ بالكسر _، وأقبلتْ غطفان ومن تبعهم من أهل نجدٍ فنزلوا إلى جانب أُحد، وجعل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم النِّساء والذَّراري في الآطام، وظهر عسكره إلى سلع والخندق بينه وبين عدوِّه، ولواء المهاجرين بيد حارثة، ولواء الأنصار بيد سعد بن عبادة.

فلا زالوا يتناوشون القتال ثمَّ مشى حييُّ بن أخطب إلى قُريظة فأتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقدهم وكان وادعَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على قومه، فأغلقَ باب الحصنِ دونه وأبى أن يفتحَ له، فناداه ويحك يا كعب افتحْ، فقال دعني وما أنا عليه، إنك امرؤ سوء وقد عاهدتُ محمدًا ولست بناقضٍ، فإني لم أرَ منه إلا صدقًا ووفاء. فقال افتحْ أكلِّمك، ففتح فقال جئتك بعزِّ الدَّهر وبحر طامٍ، جئتك بقريشٍ على قادتها وسادتِها وبغَطَفان قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمَّدًا ومن معه.

فقال جئتَ بذلِّ الدَّهر وجَهَام _ بفتح الجيم؛ أي سحاب _ قد اهراقَ ماءه يُرعد ويُبرق ليس فيه شيء، فما زال يفتلُ في الذِّروةِ والغَارب _ أي لم يزل يخدعه كما يخدع البعير النافر فيمسح على ظهره حتى يتسأهل فيجعل الخطام في رأسه _ حتى أعطاه عهدًا أن يدخلَه في حصنهِ إذا رجعت قريش وغَطفان ولم يصيبوا محمدًا حتى يصيبه ممَّا أصابهم، فنقضَ كعب العهدَ، وانتهى الخبرُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل سعد بن معاذ سيِّد الأوس وسعد بن عبادة سيِّد الخزرج وابن رواحة وخوَّات بن جبير وقال انظروا أحقٌّ ما بلغنا عنهم، فإن كان حقًّا فالْحَنوا إليَّ لحنًا _ أي ارمزوا إلي رمزًا _ أعرفُه ولا تفتُّوا في أعضادِ الناس _ أي تُضعفوهم وتُدخلوا عليهم الرعب _ وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به.

فوجدوهم أخبث ما بلغهم عنهم وشاتمه أحد السَّعدين فقال له الآخر دعْ هذا فما أربى من المشاتمةِ، فأتوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال له عَضَل والقَارَة _ أي غدر وكفر _ فقال الله أكبر أبشروا يا معاشرَ المسلمين، فعند ذلك عظمَ

ج 17 ص 579

البلاء، واشتدَّ الخوفُ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، ونجمَ النِّفاق حتى قال قائل كان محمَّد يعدنا بكنوزِ كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمنُ أن يذهبَ إلى الغائط.

وأقام الكفَّار بضعًا وعشرين يومًا لا حربَ بينهم إلَّا الرَّمي بالنَّبل، وأراد نوفلُ بن عبد الله بن المغيرة أن يوثب فرسه الخندق فوقعَ فيه فقتله الله، فكَبُر ذلك على المشركين ودفعوا في جثَّته ليدفنوه عشرة آلاف، فردَّه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له «إنَّه خبيثٌ خبيثُ الدِّية لعنه الله ولُعنتْ ديَّته» ولبست فوارس من قريش للقتال منهم عَمرو بن عبد ودٍّ، وعكرمة بن أبي جهل، وضرار بن الخطاب، فاقتحموا مضيقًا من الخندق فجالتْ خيلهم بين الخندقِ وبين سلع، وخرج عليٌّ رضي الله عنه في نفرٍ من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثَّغرة التي اقتحموا منها. فقال عمرو من يبارز؟ فقال أنا فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفَه وعمَّمه وقال «اللَّهمَّ أعنْهُ عليه» . ويقال إنَّه دعاه إلى الإسلام والبراز فقال لم يا ابن أخي، فوالله ما أحبُّ أن أقتلك، فقال عليٌّ رضي الله عنه لكني والله أحبُّ أن أقتلكَ، فحمل عَمرو عند ذلك فاقتحمَ عن فرسه فقتلَه، ثم أقبل على عليٍّ فتناولا وتجاولا فقتله عليٌّ رضي الله عنه.

وفي رواية أُخرى أنَّه طلب البراز وهو مقنَّع بالحديد فقال عليٌّ رضي الله عنه أنا له يا رسول الله، فقال «اجلس إنَّه عمرو» ، ثم كرَّر عَمرو النِّداء وجعل يؤنِّبهم ويقول أين جنَّتكم التي زعمتُم؟ قال علي رضي الله عنه أنا له يا رسول الله، قال «اجلس إنه عَمرو» ، ثم نادى الثالثة فقال علي رضي الله عنه أنا له يا رسول الله وإن كان عَمرًا، فأذن له، فمشى إليه فقال عَمرو ومن أنت؟ قال علي، قال ابنَ أبي طالب؟ قال نعم قال غيرك يا ابن أخي مِنْ أعمامك من هو أسنُّ منك، فإني أكره أن أهريقَ دمك، قال لكنِّي ما أكره أن أُهريق دمك، فغضبَ ونزلَ وسلَّ سيفه كأنَّه شعلةُ نار، ثم أقبلَ نحو علي رضي الله عنه مغضبًا ثمَّ التقيا فاستقبلَه علي رضي الله عنه بدرقتهِ فضربهُ عَمرو فقدَّها

ج 17 ص 580

وأثبتَ فيها السَّيف فأصابَ رأسه فشجَّه، فضربَه عليُّ رضي الله عنه على حبلِ عاتقهِ فسقطَ وثار العجاجُ.

وسمعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم التَّكبير فعرف أنَّ عليًا رضي الله عنه قتلَه، وكان شعار الصَّحابة حم لا يُنصرون، وكانت عائشةُ رضي الله عنها في حصن بني حارثة ومعها أم سعد بن معاذ رضي الله عنهما، فمرَّ سعد رضي الله عنه عليه درعٌ مقطَّمة، وفي يدهِ حربتهِ يرفد بها، ويقول

~لَبِّثْ قَلِيلًا يَشْهَدِ الْهَيْجَا جَمَلْ لَا بَأْسَ بِالْمَوْتِ إذَا جَاءَ الْأَجَلْ

فقالت له أمه إلحق يا بني، فقالت عائشة رضي الله عنها يا أم سعد! وددتُ أنَّ درع سعد كانت أسبغ ممَّا هي، فرُمِيَ بسهمٍ فقطع منه الأكحل، رماهُ به ابنُ العَرِقة وقال خذهَا وأنا ابنُ العرقة قال عرَّق الله وجهَك في النَّار، ثمَّ قال اللَّهمَّ إن كنتَ أبقيتَ من حرب قريش شيئًا فأبقني لهم، فإنَّه لا قوم أحب أن أجاهدَ من قوم كذَّبوا رسولَك وأخرجُوه، اللَّهمَّ إن كنتَ وضعتَ الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادةً، ولا تمتني حتى تقرَّ عيني من بني قُريظة، وشُغِل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العصرين والعشائين، فأقام لكلِّ صلاةٍ إقامة، وقال «شغلونا عن الصَّلاة الوسطى ملأَ الله قُبورهم نارًا» ، ولم يكن لهم بعد ذلك قتالٌ جمعًا، في عيون الأثر وسبل الهدى زيادة (حتى انصرفوا) .

ثم إنَّ نُعيم بن مسعود الأشجعي أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال إني أسلمتُ ولم يعلم بذلك قومِي، فمُرْني بما شئتَ، قال «إنما أنت منَّا رجلٌ واحدٌ فخذْ عنَّا ما استطعتَ فإن الحربَ خُدعة» ، فأتى بني قُريظة وكان لهم نديمًا فقال قد عرفتُم ودِّي إيَّاكم وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا صدقت قال إنَّ قريشًا وغَطَفان ليسوا كما أنتم، إنَّ البلد بلدكم وبه مالكم ونساؤكم وأبناؤكم لا تقدرون أن تتحوَّلوا عنه، وقريش وغَطَفان بلدهم ونساءهم بغيره، فإن رأوا أنهم أصابوها وإلَّا لحقوا ببلادِهم وخَلُّوا بينكم وبين الرَّجل، ولا طاقةَ لكم به إن خَلِيَ لكم، فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا رهنًا من أشرافهم، قالوا أشرت بالرأي.

ثم أتى قريشًا فقال لأبي سفيان عرفتُم ودِّي لكم، وبلغني أمرٌ رأيت أن أبلغكموه نصحًا لكم، فاكتموا، تعلموا

ج 17 ص 581

أنَّ معشر يهود ندموا على ما صنع بينهم وبين محمد، وأرسلوا إليه إنا قد ندمنَا فيرضيك أن نأخذَ لك من قريش وغَطَفان رجالًا من أشرافهم فتضربَ أعناقهم ثمَّ نكون معك على من بقيَ منهم، فلا تدفعوا اليهود رجلًا واحدًا.

ثمَّ أتى غطفان فقال إنَّكم أصلي وعَشيرتي ولا أراكُم تتهموني، ثمَّ ذكر مثل ما قال لقريش وحذَّرهم، فأرسل أبو سفيان ورؤوسَ غطفان إلى بني قُريظة إنا لسنا بدار مَقام هلك الخفُّ والحافرُ، فأعدوا للقتال لنناجزَ محمدًا، قالوا اليوم السبت ولا نعملُ فيه ومع ذلك لا نقاتلُ حتى تعطونَا رهائن من رجالكُم، فإنَّا نخشى إن ضرمتم الحرب أن تتشمَّروا إلى بلادكم وتتركونا والرَّجل ببلادنا ولا طاقة لنا به.

فقالوا صدقنا نُعيم فردوا إليهم لا نُعطيكم من رجالنا أبدًا، فاخرجوا معنا وإلَّا فلا عهدَ بيننا وبينكم، فقال بنو قُريظة صدق نُعيم، وخذل الله بينهم، وبعث الله ريحًا عاصفةً فجعلت تقلب آنيتهم وتكفأُ قدورهم ليلًا.

فلما اتَّصل برسول الله صلى الله عليه وسلم اختلافهم بعث حذيفةَ بن اليمان رضي الله عنه ليلًا ليأتيه بخبرهم، فشقَّ عليه ذلك حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قمْ يحفظك الله من أمامك وخلفك ويمينك وشمالك حتى ترجعَ إلينا» .

فأتاهم واستترَ في غارِّهم، وسمعَ أبا سفيان يقول ليتعرف كلٌّ منكم جليسه، قال حذيفة فأخذتُ بيد جليسي فقلت من أنت؟ قال عَمرو بن العاص، فقلت ذلك خشيةَ أن يفطنَ بي فبدرتهم بالمسألة، ثمَّ قال أبو سفيان يا معشر قريش ما أصبحتُم بدار مقام، وقد هلك الكُرَاع _ بالضم، الخيل _ والخفُّ؛ أي الإبل، وأخلفنا بنو قُريظة وبلغنا عنهم ما نَكره، ولقينا من هذه الرِّيح ما ترون لا يثبت لنا قِدْرٌ ولا تقومُ لنا، فارتحلوا فإنِّي مُرتحل، ووثبَ على جملهِ فما حلَّ عقاله إلَّا وهو قائمٌ، قال حذيفة ولولا عهدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم إليَّ أن لا أُحْدِثَ شيئًا لقتلته بسهم، ثمَّ أتيته فوجدته

ج 17 ص 582

قائمًا يصلِّي فأدخلني بين رجليهِ وطرحَ عليَّ المرط فأخبرتُه لمَّا سلَّم فحمدَ الله، وسمعت غَطَفان ما فعلت قريش فتشمَّروا راجعين، وأصبحَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندقِ وليس بحضرتهِ أحد من عساكر المشركين، فأذن للمسلمين في الانصرافِ إلى منازلهم ثمَّ أمر بردِّهم، فبعثَ من يُنادي في إثرهِم فما رجعَ منهم أحد من الغزو، فجزعَ وكرهَ سرعتهم مخافة أن تكون لقريش عيونًا، ورجع إلى المدينة لسبع بقين من ذي القعدة، وقال «لن تغزوكُم قريشٌ بعد عامهم هذا ولكنَّكم تغزوهُم» ، فكان كذلك.

واستشهدَ من المسلمين ثمانية، وقتل من الكفَّار ثمانية، وكان مدَّة إقامة الكفَّار على الخندق أربعة أو خمسة عشر يومًا، وقيل بضعًا وعشرين، وقيل شهرًا.

وكتب أبو سفيان إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم كتابًا باسمك اللَّهمَّ فإني أحلفُ باللَّات والعزَّى قد سرت إليكم في جمعٍ وأنا لا أريدُ أن أعودَ أبدًا حتى أستأصلكُم، فرأيتك قد كرهتَ لقاءنا واعتصمتَ بالخندق فلك مني يومٌ كيوم أُحد فتَبقُر فيه النِّساء بطون الرِّجال، فكتبَ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم «أمَّا بعد فقد أتاني كتابَك وقديمًا غرَّك بالله الغَرور، أمَّا ما ذكرت أنك سرتَ إلينا وأنت لا تريد أن تعودَ حتى تستأصلنَا فذلك أمرٌ يحولُ الله بينك وبينه، وجعلَ لنا العاقبة، وليأتينَّ عليك يوم أكسر فيه اللَّات والعزَّى وأساف ونائلة وهبل حتى أذكِّرك يا سفيه بني غالب» .

[1] قصد روضة الطالبين للإمام النووي رحمه الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت